الأقبــــــــاط يفضلـــــونها مدنيــــــــة

حافظ هريدي:   جاءت أزمة حكم محكمة القضاء الإداري  بإلزام الكنيسة بالتصريح لمطلق بالزواج الثاني وما تلاه من رفض من جانب قداسة البابا شنوده  لتنفيذ هذا الحكم  لنجد أنفسنا أم

حافظ هريدي:

جاءت أزمة حكم محكمة القضاء الإداري بإلزام الكنيسة بالتصريح لمطلق بالزواج الثاني وما تلاه من رفض من جانب قداسة البابا شنوده لتنفيذ هذا الحكم لنجد أنفسنا أمام طوفان من الأصوات المسيحية التي تؤكد علي عدم إمكانية إلزام البابا بتنفيذ الحكم لأنه يتناقض مع ثوابت العقيدة المسيحية، و من قبلها تعالت أصوات قبطية مماثلة تنادي بضرورة حصول أصحاب مشروع فيلم المسيح علي موافقة الكنيسة علي السيناريو و ذلك قبل التصريح لهم بتصوير الفيلم، وقد تميزت هذه الأصوات بنبرة لا تختلف كثيراً عن نبرة الإسلاميين الذين اعتادوا أن يطالبوا بضرورة مد رقابة المؤسسات الدينية الإسلامية علي الإبداع الفني و الأدبي إذا ما تعرض هذا الإبداع لموضوع ديني أو مس - من قريب أو بعيد - شخصية أو جانب ديني !


أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة و التساؤل فهو أن كثيراً من الأصوات التي تعالت في الحالتين _ حالة حكم المحكمة و حالة فيلم المسيح - قد صدرت عن شخصيات قبطية طالما عرفت بمطالبتها بالدولة المدنية التي لا يمكن أن تتحقق دون الإقرار بأولوية القانون الوضعي المدني المتفق عليه ديمقراطياً علي أية أحكام أو فتاوي دينية يؤمن بها أي طرف من أطراف المجتمع، فجاءت تلك الأزمتان لنجد هذه الشخصيات تنقلب فجأة لتتبني خطاباً سياسياً يركز علي ضرورة الدفاع عن ثوابت الدين التي لا يمكن لأية أحكام أو تشريعات أرضية أن تتجاوزها ! وهو الأمر الذي طرح علامات استفهام جدية حول حقيقة تقبل الأوساط المسيحية لفكرة الدولة المدنية.

بل وصلت الأمور إلي ذروتها عندما نشر الدكتور رفيق حبيب مقال في جريدة الأسبوع بعنوان «الأقباط و ثمن العلمانية» يحاول فيه أن يستغل أزمة الحكم بإلزام البابا بالتصريح لمطلق بالزواج الثاني ليقنع الأقباط بأن هذا هو ما سيعود عليهم من جراء المرجعية العلمانية التي يستند إليها الدستور المصري !، و حاول حبيب من خلال مقاله أن يروج لنظرية تقول إنه لو كانت الشريعة الإسلامية مطبقة بالفعل لما حدثت مثل تلك الأزمة لأن الشريعة الإسلامية تؤسس لاحتكام المسيحيين لإنجيلهم فيما جاءت به وصية محددة ، و يخلص د. رفيق في نهاية مقاله إلي أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو الضمانة لاحتكام المسيحي لشريعته، و أن مكانة الدين في مصر- سواء كان الإسلام أو المسيحية - تتهدد بسبب العلمنة!

و لكن لم تمض أيام قلائل علي مقال رفيق حبيب، حتي جاءه الرد علي نظريته من خلال حكم محكمة آخر، و هو الحكم الذي أصدرته الأسبوع الماضي محكمة الأسرة بالعطارين بالإسكندرية في الدعوي رقم 71 لسنة 2001، و هي الدعوي التي أقامها مسيحي أشهر إسلامه مطالبا بنقل حضانة طفليه إليه و نزع هذا الحق من والدتهما المسيحية التي بقيت علي دينها.

و قد استند الأب في دعواه إلي أن بقاء الصغار مع والدتهم المسيحية قد يجعلهم يألفون الكفر ( علي حد قوله )، و بالفعل فقد حكمت المحكمة بضم الطفلين استناداً إلي فتوي صدرت عن دار الإفتاء المصرية بتاريخ 11 صفر 1357 _ أبريل 1938 !، وقد نصت هذه الفتوي علي انه لا يكون للحاضنة غير المسلمة الحق في حضانة الصغير متي بلغ سنه سبع سنوات لأنه يخشي عليه أن يعتنق دينا غير الإسلام، و بذلك تكون الحاضنة المسيحية غير أهل لحضانة الولد الذي أسلم أبوه، وقد حدد الفقهاء سن سبع سنوات بالذات لأنه _ و حسب الفتوي الشرعية _ السن الذي يبدأ فيه الصغير في أن يعقل الأديان.

وبالطبع فقد أدي استناد الحكم إلي تلك الآراء الفقهية إلي موجة من الضيق الذي أصاب الأوساط القبطية فقام المستشار نجيب جبرائيل بالطعن فيه كما ناشد شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية أن يضعاً حد لتلك الفتاوي التي يري أنها تنتهك الدستور و تميز بين المصريين بسبب الدين.


وبصدور هذا الحكم و بما استند عليه من حيثيات كان لابد للتساؤل أن يطرح نفسه : هل يوافق الأقباط رفيق حبيب في نظريته حول أن تطبيق الشريعة الإسلامية كان سيؤدي إلي تجنب أزمة حكم إلزام البابا بالتصريح لمطلق بالزواج الثاني، أم يرون أنهم لو كانوا يعيشون في دولة مدنية لا تستند أحكام قوانينها إلي فتاوي فقهاء إحدي الديانات الموجودة بها ما كانت وقعت أزمة الحكم بنزع حق الأم المسيحية في حضانة صغارها ؟ أو بمعني آخر هل يفضل الأقباط العيش في دولة يسودها مبدأ الاحتكام إلي الشرائع الدينية أم في دولة مدنية يسودها مبدأ الاحتكام إلي قانون وضعي مدني يتم إقراره بشكل ديمقراطي و يسري علي جميع المواطنين بشكل متساو ؟


و كما هو متوقع فإن د. رفيق حبيب قد اختار بوضوح مبدأ الاحتكام إلي الشرائع الدينية لأن عدم الاحتكام للشرائع الدينية _ من وجهة نظره - هو مسوغ للخروج الكامل عنها، مما يؤدي إلي اتخاذ مرجعية أخري، و هي مرجعية العقل و المصلحة، و يري حبيب أن مثل هذا الاختيار لابد أن يؤدي إلي تفكك الأمة و تحللها !، فإذا كان الاختيار هو الاحتكام إلي الشرائع الدينية، فعلي الأقباط _ وفق حبيب - أن يقبلوا تطبيق الشريعة الإسلامية، فإذا ما تولد عن هذا التطبيق بعض القضايا و المواقف الحساسة، مثل موقف نزع حق المسيحية في ضم صغارها في حالة إذا ما أشهر الأب إسلامه، فيجب عندئذ اللجوء للاجتهاد من أجل حل هذه القضايا.


و يري حبيب أن تلك المواقف الحساسة قابلة بالفعل للحل إذا ما صدقت النوايا و تم إعمال الاجتهاد، و يعطي حبيب مثلاً علي ذلك باجتهاد الشيخ القرضاوي في قضية تحول المسلم إلي ديانة أخري كالمسيحية مثلاً، فوفقاً لحبيب فإن القرضاوي قد أفتي بأنه لا يجب تطبيق حد الردة علي شخص تحول عن الإسلام بشكل فردي، فالردة التي يعاقب عليها الشرع مقصود بها تلك الحالة التي يتحول فيها الفرد عن عقيدة الإسلام ثم يقوم بدعوة عامة الناس بالتحول عنها، و بالتالي يصبح كمن يطالبهم بالخروج عن النظام العام، و بذلك نصبح حيال فعل سياسي ضد الدولة، فحروب الردة لم تكن ضد من تحولوا عن الإسلام بل ضد من خرجوا عن النظام العام و قرروا منع الزكاة.


و يري حبيب أنه من الممكن تطبيق نفس القاعدة علي المسيحيين فيصبح تحول أحد المسيحيين إلي ديانة أخري كالإسلام شأناً فردياً ، لكن إذا صاحب هذا التحول دعوة بإخراج المسيحيين من عقيدتهم فيصبح الأمر عندئذ بمثابة خروج عن النظام العام و إخلالا بالسلم الاجتماعي ! و يري رفيق حبيب أنه من خلال هذا المفهوم نكون قد وصلنا إلي قواعد يمكن تطبيقها بشكل متوازن بين المسلمين و المسيحيين ! ( و بذلك يكون رفيق حبيب هو أول من نادي بتطبيق حد الردة علي من يتحول عن المسيحية متي دعا الآخرين كي يحذوا حذوه !! )


لذلك كله يصر رفيق حبيب علي أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو أفضل خيار للأقباط في مصر لأنه يعني احتكام المسلم لشريعته، و احتكام المسيحي لشريعته فيما جاءت به وصية محددة.


و في مقابل موقف حبيب الداعي لتطبيق الشريعة الإسلامية كضمانة لحقوق الأقباط اصطف عدد كبير من الناشطين و المثقفين الأقباط الذين رأوا أن حقوق الأقباط لا يمكن أن تضمنها سوي الدولة المدنية الحديثة المرتكزة علي القانون الوضعي.


فالمحامي و الناشط القبطي ممدوح رمزي - علي سبيل المثال _ أعلن رفضه القاطع لنظرية د. رفيق حبيب و أكد أنه ضد أي محاولة لتديين الدولة بما في ذلك تطبيق الشريعة الإسلامية لأنه ليس من المعقول أن يطبق علي الأقباط ما لا يدينون به، و حذر رمزي من أن من يريد تطبيق الشريعة إنما يدفع مصر للتحول إلي كنتونات سياسية إن لم تكن جغرافية.


نفس الرأي تبناه الباحث سمير مرقص و الذي يري في دعوة رفيق حبيب عودة لمفهوم أهل الذمة حيث تفرض كتلة بشرية مرجعيتها علي الآخرين، و يري مرقص أن مصر قد حسمت هذا الأمر منذ زمن بعيد و ذلك عندما أخذت بالقانون المدني موضحاً أن هذا القانون ليس بعيداً عن روح الشريعة الإسلامية.


أما المستشار نجيب جبرائيل فيرفض بشكل قاطع فكرة أن تستمد فئة أو طائفة من الشعب حقوقها من خلال ما تسمح به ديانة طائفة أخري حتي لو كانت تلك الطائفة تمثل الأغلبية، فهذا يعتبر هدماً لمبدأ المواطنة من أساسه، و ينادي جبرائيل بفصل الدين عن الدولة دون أن يعني ذلك إغفال دور المؤسسات الدينية علي أن يظل دورها مصاناً فيما يتعلق بممارسة العقائد الدينية.


و يري كمال زاخر أن أزمة الحكم بإلزام البابا بالتصريح للمطلق بالزواج الثاني تثبت _ و علي عكس ما ذهب إليه رفيق حبيب _ حاجة الأقباط إلي الدولة المدنية، فالأزمة حدثت _ من وجهة نظر زاخر - بسبب تراخي الدولة في التقدم إلي مجلس الشعب بمشروع القانون الموحد الذي تقدمت به جموع الطوائف المسيحية مرة في عام 80 و مرة أخري في عام 98، و يري زاخر أن هذا التراخي من قبل الدولة حدث نتيجة عدم الإحساس بأهمية المسارعة بعلاج مشاكل الأقباط أو بسبب الرغبة في مهادنة التيار الإسلامي.


و يوضح سمير مرقص أن الكنيسة و الأقباط لم ولن يعترضوا أبداً علي أن القانون المدني هو الذي يجب أن يحكم، و أن كل ما يطلبونه هو تعديل قانون الأحوال الشخصية المعروف بلائحة 1938 _ وهو بالمناسبة صادر بموافقة المجلس الملي و لكن في ظروف خاصة _ و المطلوب فقط هو بعض التعديلات علي أن يبقي المبدأ العام كما هو : الاحتكام هو أولا و أخيراً للقانون المدني.


و يؤكد نجيب جبرائيل أن قضية ضم الطفلين لحضانة والدهما الذي أشهر إسلامه تؤكد مرة أخري خطورة فكرة الاستناد إلي فتوي و رأي فقهي يرجع لعام 1938 و إهدار القانون المطبق حالياً و الخاص بتنظيم مسألة الحضانة.


ولا يستطيع كمال زاخر أن يخفي تعجبه من استناد الفتوي في دعوتها لتسليم الطفل لأبيه المسلم في سن السابعة علي أن الطفل في هذا السن يكون قد بدأ يعقل الأديان و علي أن بقاء الصغير مع أمه بعد هذه السن قد يجعله يألف الكفر! و يري زاخر أنه إذا كان أي شخص مؤمن يعتقد أن دينه هو أفضل الأديان و إلا ما بقي عليه، فإن هذا الإيمان بالأفضلية يجب أن يظل في النطاق الشخصي و لا يتحول إلي حكم عام، فالإقرار العام بأفضلية دين علي دين يؤدي إلي ضرب قيمة المساواة التي تنص عليها المادة 40 من الدستور.


يري نجيب جبرائيل أن الحل الحقيقي لكل تلك الأزمات هو في صياغة قانون أحوال شخصية موحد يطبق علي جميع المواطنين مسلمين و مسيحيين بحيث يتم الزواج وفقا لعقود مدنية تحدد الحقوق و الواجبات بشكل متساو، علي أساس المواطنة وحدها، أما من يريد أن يتم زواجه دينياً كنوع من البركة أو التوثيق فليفعل هو ذلك وفق شروط الدينية لديانته أو طائفته.


و بالطبع فإن الدكتور رفيق حبيب قد أعلن رفضه التام لفكرة إقرار الدولة بالزواج المدني وجعل الزواج الديني أمرا اختيارياً ، فهو يري أن مثل هذه الخطوة سيكون لها نتائج وخيمة لأنها ستؤدي إلي الإسقاط الكامل للقواعد و الأسس الدينية للأسرة سواء الإسلامية أو المسيحية، و يري حبيب أن مثل هذه النتيجة لابد أن تؤدي إلي ضرب البنية الاجتماعية للجماعة المصرية.


و لكن نجيب جبرائيل يري أن الخطر الحقيقي هو في إقرار مبدأ استناد حقوق و التزامات المواطنين علي فتاوي تصنف البشر و تميز بينهم، ويشاركه سمير مرقص قلقه بل ويعلن مخاوفه من أن معيار الأفضلية الذي تقره أحكام و فتاوي في مجال الأحوال الشخصية - مثلما هو حادث في قضية نزع حضانة الأم المسيحية - يمكن أن يتم استدعاؤه وتوظيفه في مناطق أخري سياسية و اجتماعية و اقتصادية لنصبح أمام مجتمع قائم علي التمييز الديني علي جميع الأصعدة.




اتهامات الفساد والعراقيل المختلفة تعوق قدرتها علي المناورة


هل نجحت منظمات المجتمع المدني في أن تشب عن الطوق الحكومي؟


علي شاكلة تجمعات منظمات المجتمع المدني التي اعتدنا أن نتابع انعقادها بالتوازي مع مؤتمرات القمة العالمية كمؤتمرات قمة الدول الصناعية الثمانية انعقد المنتدي المدني الثاني في مدينة الرباط بالتوازي مع القمة العربية التي انعقدت الأسبوع الماضي في الخرطوم.


و بالرغم من التشابه المظهري بين الحالتين العربية والدولية إلا أنه شتان بينهما ؛ فبينما يبلغ عدد المشاركين في التجمعات الدولية آلاف الناشطين الذين يرابطون _ بل يتظاهرون - علي بعد خطوات من مقار اجتماع القمم الرسمية فإن المشاركين في المنتدي العربي الثاني لم يتجاوز عددهم 1 00 فرد يمثلون 50 منظمة عربية (وبالرغم من ذلك فإن هذا العدد يعتبر كبيراً نسبياً إذا ما أخذنا في الاعتبار الظرف السياسي العربي).


المال ـ خاص




أما الفارق الأهم بين الحالتين فهو أن الناشطين العرب لم ينجحوا في أن يعقدوا منتداهم في الخرطوم مقر انعقاد القمة العربية بلو لم يستطيعوا أصلا دخول الأراضي السودانية، فحكومة البشير رفضت عقد المنتدي علي أراضيهاو أخطرت منظمي المنتدي بذلك بخطاب رسمي.


وبالرغم من ذلك، فقد اعتبر بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وأحد منظمي المنتدي، أن تصرف الحكومة السودانية ذاك يعتبر تطوراً يستحق الذكر بالنسبة لمواقف حكومتي الجزائرو تونس،وهما الحكومتان اللتان نظمتا القمتين العربيتين السابقتين، فهاتان الحكومتان لم تكلفا نفسيهما أصلاً عناء الرد علي طلب عقد المنتدي علي أراضيهما،وهو ما دفع منظمي المنتدي الأول لعقد اجتماعهم في بيروت بينما كانت القمة العربية منعقدة في تونس العاصمة!


و هكذا جاء المنتدي المدني الثاني ليفتح ملف المنظمات غير الحكومية ومدي تطور قدرتها علي المساهمة في حركة الإصلاح في إطار لعبة القط والفأر التي تصر الحكومات العربية _و منها الحكومة المصرية بالطبع - علي ممارستها معها ،و هي القدرة التي تشهد تطوراً كبيراً _ حسب رأي بهي الدين حسن _ سواء من ناحية العدد أو مستوي الكفاءة والقدرة علي التأثير علي المجتمع.


و من جانبه فإن صابر نايل، المشرف العام علي البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، قد قدر أن التطور الأكبر كان من نصيب ما يطلق عليه القطاع الحديث من المنظمات غير الحكومية أي منظمات التنمية الشاملة والتنمية المستدامة والمنظمات الدفاعية التي تدافع عن حقوق الإنسان والبيئة والمرأة والطفل والفلاحين والعمال وخلافه…، وهذه المنظمات يتمثل عملها في دفع الناس أنفسهم للدفاع عن حقوقهم وتنمية حياتهم وليست كمنظمات القطاع التقليدي والتي تقوم بالعمل الرعائي مثل الجمعيات الخيرية وجمعية دفن الموتيو تنمية المجتمع المحلي...إلخ.


ويري نايل أنه بينما يتعدي عدد الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في مصر 18000 منظمة، فان منظمات القطاع الحديث التي يتراوح عددها بين 200 و400 منظمة هي التي حققت بالفعل تطوراً نوعياً كبيراً في الفترة السابقة.


ويلفت صابر نايل الانتباه إلي أن التطور الذي شهدته هذه المنظمات قد تحقق بالرغم من فخاخ التعويق المنصوبة بين مواد قانون 84 لسنة 2000 الذي يحكم عمل الجمعيات الأهلية،و هو القانون الذي تمت صياغته ليجعل العمل الأهلي ملحقاً بشكل كامل لسياسة الدولة وبحيث يتم توقيع عقوبات رادعة علي المنظمات الشاردة عن الركب الحكومي، وهي عقوبات تصل إلي حل الجمعية بل وقد يتطور الأمر إلي أحكام بالحبس والسجن للذين التحقوا بهذه الجمعيات من أجل العمل التطوعي!!


و يؤكد بهي الدين حسن أن من يقارن قانون الجمعيات الأهلية الموجود حالياً بالقوانين التي كانت موجودة قبل ثورة يوليو سيستشعر أن القانون الحالي ينتمي للعصور الوسطي،و لذلك ينفي بهي الدين حسن ما يدعيه البعض من أن منظمات المجتمع المدني تريد استيراد قوانين من الغرب ويؤكد علي أن ما تطالب به هذه المنظمات هو من صميم التراث الفكريو السياسي والتشريعي للمصريين.


و يكشف أيمن عقيل، مدير مركز ماعت للدراسات الحقوقيةو الدستورية، إحدي التكتيكات التي يستخدمها ناشطو المجتمع المدني من أجل الحفاظ علي استقلاليةوفاعلية نشاطهم،و يتمثل هذا التكتيك في إنشاء منظماتهم في صورة شركة مدنية غير هادفة للربحو ليس في صورة جمعية أهليةوذلك حتي لا تخضع للقيود الهائلة التي يفرضها قانون الجمعيات،و لكن عقيل يعود ليوضح أن مجلس الشعب يبحث حالياً إصدار قانون لإلغاء صيغة الشركة المدنية غير الهادفة للربح وإجبار مثل تلك الشركات علي توفيق أوضاعها في صورة جمعيات أهلية تخضع لوزارة الضمان الاجتماعي (الشئون الاجتماعية سابقاً).


ولكن هل معني هذا أن المنظمات غير الحكومية تتلقي كل تلك الضغوط صاغرة، ألا تمتلك هي أيضاً بعض الكروت التي تمكنها من مناورة النظام للاحتفاظ بوجودها واستقلالها وتمكنها من تفعيل دورها التنموي والحقوقي؟


أيمن عقيل يحصر هذه الكروت في وسائل تواصل هذه الجمعيات مع الجماهير والعالم مثل الندوات والبيانات وعقد الدورات التدريبية لرفع وعي الجماهير.و يوافقه بهي الدين حسن الرأي، فهو يري أن أسلحة منظمات المجتمع المدني الأساسية هي تعبئة المجتمع والتأثير فيه واستخدام الأساليب القانونية، وقد نجحت هذه المنظمات بالفعل _ بتوظيفها لتلك الأسلحة - في أن تفرض علي الدولة أن تتيح لها مراقبة الانتخابات البرلمانية.


و لكن نجاد البرعي، مدير جماعة تنمية الديمقراطية، يري أن منظمات المجتمع المدني تمتلك الكثير من أدوات الضغط علي الدولة وأن هذه الأدوات قد تكون موجعة في بعض الأحيان، ويفسر البرعي إحجام منظمات المجتمع المدني عن استخدام تلك الأدوات حتي الآن بأنه مازال لديها أمل في رغبة الأنظمة في تحقيق الإصلاح.


ويوضح البرعي أن هذه الأدوات تتمثل في فضح تقصير الأنظمة عن الوفاء بالتزاماتها الواردة في المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الدولة وتم التصديق عليها من البرلمان.


و يشرح صابر نايل كيف أن منظمات المجتمع المدني التي تتمتع بصفة المراقب في الأمم المتحدة تستطيع فضح عدم صدق التقارير التي تتقدم بها الحكومة إلي لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة وهو الأمر الذي يمثل إحراجا قانونياً كبيراً للأنظمة الحاكمة بل وقد يؤثر علي علاقات تلك الأنظمة مع المجتمع الدولي.


ولكن ألا تمثل تلك النقطة الأخيرة تحديداً المأخذ الأساسي الذي تحاول الأنظمة العربية أن تنال من سمعة منظمات المجتمع المدني من خلاله؟ ألا تتهم تلك المنظمات بأنها _ سعياً وراء التمويل الأجنبي _ تتحول إلي أداة من الأدوات التي تستخدمها القوي الدولية من أجل تحقيق مصالحها والإضرار بمصالح الوطن (باعتبار أن هذه الأنظمة عادة ما تري أن مصلحتها ومصلحة الوطن شئ واحد)؟


أيمن عقيل نفي تماماً أن تكون منظمات المجتمع المدني أداة من أدوات التدخل الدولي وأكد أن التعاون مع جهات التمويل الدولية يتم تحت سمع وبصر الحكومة المصرية، وهو ما أكده أيضاً صابر نايل والذي لم يفته أن يذكر بأن الحكومة المصرية هي من أكثر الحكومات التي تمول من الخارج، بل إنها تسمح بتمويل بعض الهيئات والمؤسسات الحساسة مثل الأزهر ومراكز البحث العلمي بلو الشرطة أيضاً! وينصح نايل من يريد التأكد من هذه المعلومات أن يعود لموقع مؤسسة فورد Ford Foundation علي شبكة الانترنت ليراجع قوائم المساعدات التي تقدمها تلك المؤسسة للهيئات الحكومية في مصر.


وطالب بهي الدين حسن من يدعي خضوع منظمات المجتمع المدني لاملاءات التمويل الأجنبي أن يثبت ذلك من خلال الدراسات الجادة، ويقترح علي سبيل المثال إجراء دراسة حول الفارق بين توجهات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان (وهي المنظمة الأم التي انبثق منها أهم المنظمات الحقوقية العاملة في مصر) خلال السنوات الثمانية الأولي من عمرها، حينما كانت لا تتلقي أي تمويل أجنبي،و بين السنوات التالية حينما بدأت في تلقي التمويل.


ويجزم بهي الدين حسن- الذي كان يتولي منصب الأمين العام لتلك المنظمة عند نشأتها - أن تلك الدراسة ستثبت أن توجهات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لم تتغيرو أن كل ما أضافه التمويل هو زيادة قدرة المنظمة وفاعليتها في تحقيق أهدافها.


ولكن هل تقتصر المعوقات التي تواجه المنظمات غير الحكومية في مصر علي المعوقات الخارجية التي يلقيها النظام في طريق تلك المنظمات؟ ألا تعاني تلك المنظمات نفسها من اختلالات داخلية تعيق أداءها لدورها؟ فعلي سبيل المثال ألا تتسم هذه المنظمات بالطابع النخبوي؟ ألا تعاني من الشخصنة ومن عدم القدرة علي العمل المشترك بين بعضها البعض وهو ما يعرف في مجال العمل الاجتماعي بالتشبيك؟


أيمن عقيل يعترف بوجود تلك المشاكل فهو يري أن الجمهور لازال غيرواع بدرجة كافية بدور هذه المنظمات الأمر الذي يجعله ينتظر منها أما أن تحقق أمورا لا تستطيع إنجازها أو يفقد إيمانه بها تماماً، ويعترف عقيل كذلك بصعوبة تحقيق العمل الجماعي بين تلك المنظمات فتجارب التحالف والتشبيك السابقة أثبتت أنه كلما زاد عدد المنظمات كلما صعبت الأمور وتعقدت.


ويبدو صابر نايل أكثر تفاؤلاً فهو يري أنه _ وإن كان تكوين منظمات المجتمع المدني مازال محتفظاً بطابعه النخبوي _ إلا أن هذه المنظمات نجحت بالفعل في العمل وسط الجماهير واكتساب ثقتها، ومن ناحية أخري فإن نايل يري أن هناك أمثلة ناجحة للتحالف والتشبيك بين هذه المنظمات ويضرب مثلاً علي ذلك بالحملة الناجحة التي شنتها أكثر من 200 جمعية أهلية لإسقاط القانون السابق للجمعيات الأهلية (قانون 153 لسنة 99)، ويري نايل كذلك أن تجربة المنتدي المدني الثاني الذي عقد في مدينة الرباط بالتوازي مع القمة العربية تعتبر هي أيضاً تجربة جيدة في مجال العمل المشترك.


وتعلو نبرة التفاؤل أكثر فأكثر عند بهي الدين حسن عندما يعلن أنه يري أن علاقات التنسيقو التشاور والعمل المشترك في مجال حقوق الإنسان في مصر هي من أفضل النماذج الموجودة في العالم العربي وإن كانت بالطبع لم تصل بعد إلي الوضع الأمثل.


ويبقي التساؤل حول ما إذا كان الفساد قد تسرب إلي مجال العمل الأهلي وأن جانبا ملموسا من ضعف فاعلية منظمات المجتمع المدني يمكنه إرجاعه إلي انشغال بعض عناصر العمل الأهلي في محاولة تحقيق الثراء السريع من خلال نشاطهم أكثر من محاولة تقديم خدمات فعلية للجماهير.


وتجد هذه التساؤلات مبررها في ما يثار في أوساط العمل الأهلي حول مظاهر الثراء السريع التي ظهرت علي بعض نشطاء العمل الأهلي وحول الشركات الاستثمارية الكبري التي أسسها بعضهم بأسماء آخرين و تعمل في مجالات النقل والمقاولات وسلاسل المطاعم ومحطات البنزين...الخ، وحواديت متداولة عن منطقة معينة في إحدي القري السياحية في رأس سدر أصبحت تسمي بمنطقة شاليهات حقوق الإنسان من كثرة شاليهات نشطاء حقوق الإنسان بها، وعن تحول العمل الأهلي في بعض الأحيان إلي شكل من أشكال البيزنس العائلي، وعن أساليب متبعة لـ " تستيف " الميزانيات المقدمة للممول الأجنبي من أجل اقتطاع نسب كبيرة من التمويل من خلال المبالغة في تقدير رواتب الكوادر العاملة في المشاريع،و هي المبالغة التي عادة ما لا يستطيع الممول الأجنبي استشعارها بسبب اعتياده علي تقدير الرواتبوفقاً للأسعار العالمية!

ولا ينفي صابر نايل وجود مثل هذه الحالات وإن كان يقدر أنها حالات استثنائية ونادرة، ومع تأكيده علي رفضه الدفاع عن مثل تلك الحالات إلا أنه يري أنه من الطبيعي أن الفساد الموجود في المجتمع يقابله فساد معادل في المجتمع المدني، ويوافقه بهاء الدين حسن الرأي، فمن وجهة نظره فإنه لا يمكن القول أن اهتمام فئة ما بحقوق الإنسان يعني أن كل أفرادها محصنون ضد الأمراض الاجتماعية، ولكن بهي الدين حسن يعود ليؤكد أن هذا لا يعني أن الفساد كمرض اجتماعي يعتبر سمة غالبة علي ناشطي حقوق الإنسان وأن علي من يدعي العكس أن يبرهن علي ذلك بالأدلة الملموسة.