مؤشـــر الثــــقة الشـــعبية يجــــاري انهـــيـارات «الثــــلاثاء الأســــود»

أيمن عبدالحفيظ: ربما لم يتصور القائمون علي هيئة سوق المال والبورصة المصرية ان يتعرضوا لمثل هذا الموقف، الشبيه بانقلاب الجماعات الإسلامية علي السادات الذي اخرج افرادها من السجون، فها هم...

أيمن عبدالحفيظ:

ربما لم يتصور القائمون علي هيئة سوق المال والبورصة المصرية ان يتعرضوا لمثل هذا الموقف، الشبيه بانقلاب الجماعات الإسلامية علي السادات الذي اخرج افرادها من السجون، فها هم «عامة الشعب» الذين لطالما احتفت ادارة البورصة بهجومهم التتاري علي الاكتتاب في الشركات الكبري التي تم طرح نسب منها بدافع من طموحهم في تحقيق مكسب سريع ينقلبون علي المنظومة بأكلمها إثر التراجع الذي شهدته السوق يوم الثلاثاء الماضي، بل يتظاهرون أمام مقر البورصة منادين بإسقاط رئيسها!


المشهد التراجيدي السابق لا يمكن التعاطي معه بعيداً عن بقية المشاهد التي تكون فيلم الاصلاح السياسي والاقتصادي الذي يجري تصويره حاليا في مصر، فالأداء الذي استحسنه البعض للحكومة في التعامل بشفافية «نسبية» مع انفلونزا الطيور، لم يمنع الألسنة عن الحديث عن وجود حالات اصابة بين البشر لم تفصح الحكومة عنها، الامر ذاته تكرر مع الهبوط الحاد في اسعار الاسهم والخسائر التي مني بها المستثمرون فلم يقتنع المتعاملون أنها حركة تصحيحية ورأوا ان هناك ايد خفية تعبث بمصائرهم.

إلا أن فكرة «التظاهر» في حد ذاتها تعد ملمحا جديدا في تعامل المصريين بصفة عامة مع ما يصيبهم من خسائر، بعد سنوات من «الصبر علي جار السو» فشهدنا تجار الدواجن يتظاهرون أمام مقار السلطة التشريعية والقضائية مطالبين بإعادة فتح محالهم وإماطة الأذي عنهم، متمسكين بالمهنة التي ورثوها آباءً عن اجداد بعد دعوة الحكومة لهم بتغيير النشاط، والاسبوع الماضي طالب صغار المستثمرين بتدخل حكومي لوقف نزيف الخسائر التي منوا بها، وبالغاء جميع التداولات التي تمت في جلسة «الثلاثاء الاسود» والكشف عن كهنة السوق الذين يتلاعبون بمصائرهم!

ومن المعروف أن جميع بورصات العالم تتعرض لموجات صعود وهبوط، وهو الامر الواجب تلقينه للمستثمرين الجدد من جانب الشركات التي يتعاملون معها.

ويعد «تظاهر» صغار المستثمرين الذين اصابهم الهبوط الحاد في البورصة الاسبوع الماضي في مقتل امام مقر البورصة «ظاهرة» في حد ذاتها مغرية للنقاش والبحث من جميع الأوجه، فرغم أنهم اتخذوا قرارا استثماريا بمحض ارادتهم بتوجيه اموالهم ومدخراتهم للاستثمار في الاوراق المالية، ومن الطبيعي انهم حققوا مكاسب كبيرة خلال الفترة الماضية، إلا أنهم طالبوا الحكومة بالتدخل فور«الخسارة» التي كانت تباشيرها بادية للعيان في الأيام السابقة.

د. سمير مرقص مدير المركز القبطي للدراسات الاجتماعية رأي أن ما حدث الاسبوع الماضي نتاج طبيعي للنهج الذي تتخذه الدولة من محاولة تطبيق الليبرالية الاقتصادية دون السياسية، بينما الليبرالية كما اختبرتها التجارب العريقة تعتمد علي الجناحين معاً.

وفسر مرقص أهمية التزواج بين الجناحين الاقتصادي والسياسي بقوله: ان تحرير الاقتصاد يعني ظهور الشرائح الاجتماعية والفئات ككبار وصغار المستثمرين، وتكون المصالح كذلك، وانه عندما تتبلور المجتمعات بهذا الشكل من حيث البناء الاجتماعي تظهر المصالح المتضاربة، وهو ما يستتبعه السعي للحفاظ علي هذه المصالح بشكل أو بآخر، وهو ما لا يتأتي إلا باطلاق حرية التعبير والتظاهر وتكوين الروابط وجماعات المصالح والضغط.

وأشار مدير المركز القبطي للدراسات الاجتماعية الي ان حرية تكوين الكيانات المدنية لا تزال تحاصرها بعض القيود، وان انفكت هذه القيود نسبيا في تكوين الجمعيات المدنية في العامين الماضيين.

واضاف انه ما دامت هناك مصالح تبلورت علي ارض الواقع فلابد من قيام اصحابها بالدفاع عنها، وهو ما فعله صغار المستثمرين امام مقر البورصة بمنطقة وسط المدينة، وشاهده العالم علي شاشات الفضائيات، وان كان سلوكهم لا ينم عن التنظيم وانما عن الانفعال والبحث عن منقذ يوقف خسائرهم.

ورأي مرقص انه بعد ثبات طويل للمصريين عادت مرة أخري ثقافة التظاهر الي الوعي الجمعي، وان كان لحركة «كفاية» السبق في المظاهرات التي نظمتها للمطالبة بالاصلاح السياسي، ولكن لا يزال هذا النوع من الاصلاح مطلب النخبة فقط، بينما تبحث الفئات الاخري عن العدل الاجتماعي وفرصة في حياة اقتصادية افضل.

وشدد مدير المركز القبطي للدراسات الاجتماعية علي اهمية سعي الحكومة بكامل هيئاتها واجهزتها لاكتساب ما يسمي في العلوم السياسية الثقة الشعبية Public Confidence وهو ما ظهر جليا افتقاد النظام لهذه الثقة، حين اعتقد المستثمر الصغير ان هناك شيئا ما خفيا وان هناك لعبة يلعبها الكبار علي حساب الصغار.

واضاف ان التعامل بشفافية تامة هو الحل الأمثل لعودة هذه الثقة مرة أخري، وهي مسألة لن تتأتي الا مع الوقت ومع خضوع النظام لعدة اختبارات صعبة، وتقديم الاسباب المقنعة التي تخاطب العقل، خاصة ان المصريين اعتادوا علي مر سنوات طويلة معرفة اخبار مصر من الخارج، وعدم قول الحكومة الحقيقة كاملة.

من جانبه، اعتبر جورج اسحق المنسق العام لحركة كفاية مجرد خروج صغار المستثمرين للتعبير عن احباطهم مما الم بهم من خسائر ظاهرة ايجابية، وستؤدي لتراكم خبرة التظاهر والتعبير عن الرأي بين الافراد، مشيرا الي ان هذا التحرك مثل عامل ضغط علي المسئولين الذين بادروا باتخاذ اجراءات للسيطرة علي هذه الخسائر كوقف التداول لفترة، والخروج لطمأنة الأفراد «المستنفرين» واستخدام جميع الوسائل الاعلامية لذلك، بعيدا عن التجاهل الذي كان سمة التعامل مع «العامة» من قبل.

وبيَّن اسحق ان التعامل في البورصة يحتمل المكسب والخسارة في ذات الوقت، إلا أن هناك فارقًا بين أن تخسر وان تفقد كامل ثروتك ومدخراتك.

وارجع شيوع التظاهر حاليا بين فئات مختلفة الي ما قامت به حركة «كفاية» من كسر حاجز الخوف وبالتأكيد علي الحق في الاعتراض، وكذلك في نشر ثقافة التظاهر، وهو أمر يعد جديدا نوعا ما علي الجيل الحالي من المصريين.

د. حنان سالم استاذة علم الاجتماع ارجعت مظاهرة المستثمرين امام البورصة الي فقدان الثقة في النظام القائم بصفة عامة، رغم أن التراجع الذي شهدته البورصة امر طبيعي وشائع في كافة البورصات العالمية ، ولكن حالة الاحتقان التي يمر بها الشارع المصري غلفت جميع معاملاته مع الأجهزة الحكومية.

واضافت ان التعامل بالبورصة كان مقصورا في الماضي علي من هم في مستوي اقتصادي معين، فيما اتجه اليها في الفترة الأخيرة متوسطو ومنخفضو الدخول علي امل تحقيق ارباح سريعة لمواجهة ارتفاع الاسعار والطابع الاستهلاكي الذي سيطر علي الاسر المصرية، دون النظر إلي أن البورصة لا يمكن ان تستمر في موجة صعود إلي ما لا نهاية، وان الصعود والهبوط واردان، ومن الطبيعي ان تتضاعف مدخراته وان يفقدها ايضا.

ووصفت استاذة علم الاجتماع سلوك صغار يوم الثلاثاء الماضي بأنه «انفعال» وليس تظاهرا بمعناه الحقيقي، فقد فوجئوا بالتراجع الحاد في البورصة وتحقيقهم خسائر بالغة فعبروا عن الامهم واحساسهم بالظلم ووجود مؤامرة وهو امر بعيد عن الحقيقة خاصة ان الامر يتعلق بـ«تحويشة العمر».

واشارت الي ان هذه الحركة لا تمثل «صحوة» او بداية الصحوة والوعي بأهمية التظاهر والتعبير عما لا يعجبهم حتي ولو كانوا في هذه الحالة علي خطأ ، خاصة ان من يخرجون في هذه التجمعات لا يفهمون المعني الحقيقي للتظاهر، فالانفعال والعنف غالباً ما يكون سيد الموقف، بينما في المجتمعات ذات التجارب العريقة في هذا الشأن يتظاهرون للمشاركة في صنع قرار معين ، وكذلك للتعبير عن الرضا عن قرار ما، بينما في مصر شاب الاحتفال بالفوز بكأس الامم الافريقية اللجوء للتكسير والتخريب واحداث الخسائر والتعدي علي الفتيات المبتهجان بالفوز.

ورأت د. حنان سالم ان المصريين امامهم وقت طويل لتتحقق بينهم مقولة كارل ماركس كل طبقة تتحول من طبقة في ذاتها الي طبقة لذاتها، فلا تزال جماعات المصالح غائبة، رغم وجود هذه المصالح بالفعل علي الارض.

وفي السياق السابق قالت انها كانت تتوقع علي سبيل المثال ان تخرج مظاهرة ولو سلمية للتعبير عن المعاناة من ارتفاع اسعار السكر، الذي يعد فاكهة قرابة %50 من الشعب.

من جهته، طالب د. علي ليلة استاذ الاجتماع بجامعة عين شمس ادارة البورصة بالعمل علي رفع وعي الافراد بكيفية القيام بهذا النوع من الاستثمار ومزاياه ومخاطره، حتي يكون المستثمر الجديد علي دراسة بكافة ظروف وملابسات الصعود والهبوط في اسعار الاسهم، والتأكيد علي انها معرضة لموجات صعود وهبوط في اي وقت.

واكد ليلة ان ما جري بالبورصة امر طبيعي ولكن لسابق خبرة المصريين بصفة عامة بعدم مصداقية الدولة وتنظيماتها، اندفع صغار المستثمرين الذين تعرضوا لخسائر بالغة بالنسبة لهم بالطبع للفتكيربشكل تآمري وبدون عقلانية، واعتقدوا انها لعبة لمصلحة بعض الافراد، وذلك لعدم شعورهم بالامان.

وفسر استاذ علم الاجتماع مطالبة الافراد للحكومة بالتدخل لوقف الخسائر بدون ان تتدخل لوقف المكاسب الكبيرة من قبل بأنهم لا يمارسون هذا النوع من الاستثمار لسبب بسيط، وهو البحث عن الربح السريع لذلك فهم ليسوا مع سيطرة الدولة ولا ضد اعمال آليات السوق في الوقت ذاته.