الكلفة السياسية لـ«الفجوة الزمنية» في برامج الإصلاح الاقتصادي

محمد بركة:   يضيق الفارق الزمني بين المقدمات والنتائج او يتسع، ولكنه دائما غير متطابق ، يصدق هذا في تجارب الاصلاح الاقتصادي اكثر مما يصدق في غيرها لأن نتائج هذه...

محمد بركة:

يضيق الفارق الزمني بين المقدمات والنتائج او يتسع، ولكنه دائما غير متطابق ، يصدق هذا في تجارب الاصلاح الاقتصادي اكثر مما يصدق في غيرها لأن نتائج هذه التجارب لا تتوقف فقط علي وضوح الرؤية وصفاء المشروع الاصلاحي الذي يقودها، وإنما يتعلق في الغالب بعبور الفجوة الزمنية بين المقدمات والنتائج في هذا الصدد وبالظروف والبيئة المحيطة بعملية الاصلاح من جهة، ومرونة الاستجابة للسياسات التي يتم وضعها لانجاح تلك التجارب في القطاع المختلفة من جهة أخري.


وهذه الفجوة هي التي كثيرا ما عولت عليها حكومة الدكتور عاطف عبيد لتبرير سلامة «الوصفة» الاصلاحية التي اتبعتها بالرغم من «احتباس» النتائج !! قبل مجيء حكومة الدكتور نظيف الأولي لتجعل في مقدمة الاهداف علي اجندتها، التغلب الحاسم علي بطء مردود العائد الاصلاحي للغالبية العظمي من سياسات الاصلاح الاقتصادي والتي تجد ترجمتها المباشرة في عدم شعور المواطن العادي بانجازات هذه السياسات التي لم تنعكس علي مستوي الدخول او معدلات القوي الشرائية علي سبيل المثال، كما لم تقد الي تغييرات مؤثرة في غيرها.!

والمثير للاهتمام ان هذه الفجوة الزمنية كلما زادت ادت الي ارتباك اكبر في ترتيبات برنامج الاصلاح لأنها غالبا ما ترتبط بردود افعال سياسية تحشدها كلفة اجتماعية متراكمة مع طول فترات البرنامج من دون ثمار حقيقية وهو تحد يواجه النمر العائد الي ضفاف النيل بتوصيف احد عرابي هذا المشروع الاصلاحي والقطب المتجدد الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية الذي رصد ملامح عودة النمر في عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي الصاعدة بمؤازرة معدل نمو متسارع قياسا علي معدلات الاقتصادات غير النفطية في المنطقة.

لكن غالي الذي آلت اليه مسئولية وزارة التأمينات في الوزارة الجديدة لم يشر هو او اي من افراد هذه الحكومة او سابقتها الي مقدار ما تمثله الفجوة السابقة من تحد لهذا المشروع الي درجة قد تصل الي حدود التهديد بالفوضي ودخول النمر الي «المتاهة» في حالة تأخر جني ثمار الاصلاح حيث يصبح ذلك المشروع وبصرف النظر عن شروط السلامة النظرية بمثابة «فخ» او «مصيدة» يمكن ان تعتقل طموح النمر وقد تدفعه الي التراجع اذا ظهرت قوي معرقلة علي الصعيد السياسي لخطوات المشروع!

من هنا كان لجوء الاصلاحيين الجدد اصحاب ما يعرف بالـAgresive Attivade الي المسارعة بالايغال في خطوات برنامج الاصلاح بما ينطوي عليه من محاور الخصخصة وتحرير عوامل الانتاج واطلاق اليات السوق، رغم ان كلفة اجتماعية عوضا عن الابطاء وتحمل كلفة اجتماعية باهظة علي نحو اكبر.

وفي الظروف الراهنة بات صعود تيار الاخوان المسلمون ونجاحه في اقتناص 88 مقعدا من مقاعد مجلس الشعب يمثل نحو %21 من اجمالي المقاعد التي اتيحت عن طريق الانتخاب بمثابة عنصر ضغط حاسم علي المشروع الاصلاحي حيث ان الفجوة الزمنية بين المقدمات وادراك النتائج صارت اشبه ما تكون بـ«القنبلة الموقوتة» التي يمضي فيها الزمن خصما من فرص النجاح.

فالفرص التي ستهدرها الحكومة ستكون مرشحة للاقتناص «الشرس» من جانب فيصل سياسي يستطيع تعظيم الكلفة السياسية من خلال مواقف الاثارة «التهييج» التي يجيد قواعدها وبالتالي في غيبة الانجاز الحقيقي تزداد فرص التهديد السياسي بالرغم من نجاح السياسات الاصلاحية التي تفقد مفعولها اذا استنفدت الوقت دون طائل!

هذا تحديدا ما كشف عنه في السابق قرار تحرير اسعار الصرف الذي قوبل باستهجان ملحوظ عند اتخاذه لكنه بمضي الوقت اظهر فاعلية غير مسبوقة ادت الي زوال السوق الموازية للنقد الاجنبي واستقرار اسعار الصرف، حيث كانت السياسة صحيحة لكن اثارها لم تظهر الا بعد فترة من الوقت لم يكن حيالها من الممكن وقف سريان مفعول التصعيد السياسي.

وقد تكرر ذلك مؤخرا فيما يتعلق بأسعار المستهلكين التي لم يشعر المواطن العادي بأي انعكاس لها يوحي باستجابة ما لتراجع معدلات التضخم من نحو %13 الي اقل من %3,75 سنويا خلال فترة وجيزة بالرغم من ان ذلك كان ضروريا لتأكيد هذا التراجع وهو ما يحدث تدريجيا وليس دفعة واحدة لهذا كانت ردة الفعل الجماهيرية علي هذه المؤشرات استنكارية ومثيرة لردود الفعل السياسي الغاضبة الذي تجاوب مع بطء مردود عملية الاصلاح السياسي التي تزداد حساسية تجاه هذه المؤشرات الاقتصادية غير الناضجة او التي تحتاج الي مزيد من الوقت.

وهذا يؤكد ان «المصيدة» التي تحيط بالنمر الصاعد من دون ان ينعيها له احد ترتبط بقدرة المشروع الاصلاحي علي عبور الفجوة بين ما يتم انتهاجه من سياسات والنتائج التي تترتب عليها في ظل ظروف تتسم بالصعوبة وتزايد الكلفة السياسية لأي تباطؤ في مواجهة غريم متربص!!