تفويض السلطات يتطلب الإيمان بقدرات الغير أولاً

أشرف فكري:   علي شاهد قبره.. نقش رجل الأعمال الأمريكي الشهير «ديل كارنيجي» هذه العبارة.. (هنا رقد رجل عرف جيداً كيف يوظف الناس لأداء أعمال، وكان يدرك أنهم سيؤدونها بطريقة...

أشرف فكري:

علي شاهد قبره.. نقش رجل الأعمال الأمريكي الشهير «ديل كارنيجي» هذه العبارة.. (هنا رقد رجل عرف جيداً كيف يوظف الناس لأداء أعمال، وكان يدرك أنهم سيؤدونها بطريقة أفضل منه ).


«كارينجي» كان يهدف من وضع هذه العبارة الفريدة علي الشاهد، ان يوصل رسالة إلي كل مدير، خطأ الاعتقاد بأنه الوحيد الذي يستطيع تصريف العمل بشكل مثالي، دون الحاجة إلي تفويض بعض الموظفين بالتصرف في اداء أعمال ما .

ورغم ذلك ترك الرجل خلفه سيرة مالية رائعة ظل لسنوات طويلة خلالها واحداً من أكبر أثرياء الولايات المتحدة.. دون ان تسبب له جرأته علي تفويض موظفيه بالتصرف إلي خسائر بالغة كما يخشي البعض .


فالتفويض كمبدأ اداري.. تراه شريحة من المديرين البوابة الملكية لتحقيق النجاح وتعميق روح الانتماء.. بينما يراه فريق آخر المدخل إلي الاخطاء والفشل والافلاس في النهاية .


يقول سمير يونس العضو المنتدب لشركة توب بيزنس العاملة في مجال الاستشارات الإدارية أن مفاهيم التفويض متعددة لكنه في غالبية الأحوال يمثل عملية إدارية تهدف من خلالها الإدارة إلي توزيع السلطات علي المستويات الوظيفية المختلفة داخل المؤسسة، لزيادة فاعلية الأداء بين بقية الموظفين، بشكل يساهم في رفع مستويات الأداء والانتاج داخل المؤسسة ككل .


تشير تلك العملية إلي أثر توزيع السلطات الذي يظهر بقوة في المؤسسات الكبيرة ذات الأقسام والفروع المختلفة حيث يمثل روح بقاء المؤسسة أمام قوة المنافسين .


وحول أهمية التفويض يؤكد سمير يونس ان الأشخاص الذين لا يستعينون بجهود الآخرين، حكموا علي أنفسهم بالجمود والتحجر، نظراً لمحدودية عدد ساعات العمل التي تتوفر لهم كل أسبوع، وفي المقابل يحقق الذين يعتمدون في أعمالهم علي التكليف والتفويض ويعترفون بأهمية الاستعانة بالآخرين النجاح .


ويضيف ان تطور الحيا ة الاقتصادية دفع إدارت الشركات الي اعطاء الموظفين فرصة ممارسة سلطات محسوبة ومقدرة في سياسة الشركة تهدف إلي بناء ثقة متبادل بين الإدارة والعاملين واشعارهم بحرية اتخاذ القرار وتحمل المسئولية وهو ما ينعكس غالباً في صورة زيادة رضا وإخلاص العاملين للمؤسسة وسرعة الانجاز وزيادة الانتاج، ولكن العضو المنتدب لشركة توب بيزنس يشدد علي اهمية اتخاذ إجراءات صارمة حينما يسيء العاملون استعمال السلطة، أو حينما يتجاهلون سياسة المؤسسة في منح التفويض ويعطلون العمل .


ويؤكد سمير يونس أن التفويض يساهم في توفير أكبر وقت لإنجاز المهام الوظيفية المطلوبة وتطوير المهارات وتوسيع مجال النشاط وتعزيز كفاءة الموظفين وتحفيز العاملين بتكليفهم بأداء مهام تثير فيهم روح التحدي للمشكلات، ومن خلاله يستطيع المدير التعرف علي الموظفين الذين يستحقون الترقي ومن لديهم القدرة علي انجاز الأعمال بطريقة أفضل واسرع والتأكد من سلاسة وسهولة سير العمل، وإشاعة الاحساس بالانتماء للمؤسسة .


الغريب أنه رغم العديد من الأمثلة علي نجاح تطبيقه بالشركات سواء داخليا وخارجيا يرفض بعض المديرين الاقتناع بأهمية تفويض السلطات والاستعانة بجهود بقية الموظفين وهو ما ترجع الدكتورة هدي صقر عميد مركز البحوث والمعلومات بأكاديمية السادات ـ اسبابه إلي مخاوف الإدارة من ضعف الخبرة العملية للموظفين وامكانية حدوث حساسية في التعامل بين زملاء العمل وعدم اهتمام بالمؤسسة بإعطاء موظفيها الفرصة لتنمية مهاراتهم وقدراتهم، واحساس بعض المسئولين داخل الشركة بعدم الأمان الوظيفي، والخوف من فقدان بعض السلطات نتيجة لتحويل جزء منها إلي الآخرين بالاضافة إلي عوامل أخري ترتبط بميل المسئول إلي تحقيق التفوق المطلق في المهام الوظيفية علي نحو مبالغ فيه خاصة في حالة وجود احساس زائف بضخامة الواجبات والمهمات التي يقوم بها، وعدم وجود طموحات ذاتية تحفزه ليتولي تدريب الآخرين علي المسئولية، وهو ما يؤدي إلي نتائج سلبية علي مستوي العمل، في نفس الوقت تكليف عامل أو موظف بأداء بعض المهمات أو أجزاء منها لا ينفي وجود بعض المسئوليات لا يجوز تكليف موظفين آخرين بأدائها ويتعين ان يقوم المدير بانجازها شخصياً وعادة ما يتسم بدرجة عالية من السرية مثل فرض العقوبات التأديبية أو المالية، أو القرارات الشرائية التي تفوق السلطات المالية الممنوحة للموظف داخل القسم .


أحمد الحسيني رئيس مجلس إدارة شركة روتس للاستشارات الإدارية يؤكد ان المدير المتميز هو الذي يدرك دائماً أهمية دور الآخرين في تحقيق النجاح عبر توظيف طاقات وجهود العاملين وتحديد مهام كل منهم بالطريقة التي تجعل منه «ترس» مهم في ماكينة عملاقة قوامها الموظفون الآخرون الذين يعتمد كل منهم علي الآخر في اداء مهماته وواجباته وذلك باتباع سياسة التفويض والتكليف المتبادل بينهم والتي تشكل القاعدة الأساسية التي يعتمد عليها نجاح تلك المؤسسات ويؤكد الحسيني أنه علي الرغم من أهمية تفويض وتكليف الموظفين بأداء بعض المهمات يردد بعض المديرين أو المسئولين حتي وان كان بين أنفسهم عبارات عدم الارتياح لحين الانتهاء من المهمة بنفسه متسائلاً عن أيهما أفضل القيام بإنجاز العمل بنفسك بما يؤدي إلي إدمان العمل بدرجة لا تسمح بالتمتع بالحياة أم التأكد من ان المهمة قد أنجزت؟ ويؤكد الحسيني علي انه حتي وإن كان المدير مقتنعاً بفكرة قيام الموظف بإنجاز المسئوليات يكفي أن يسأل نفسه(من الذي كان يقوم بالمهمة قبل ظهوره أو حتي في حالة الغياب لفترة في الشركة؟ والإجابة واضحة شخص آخر بالطبع .


ويشير الحسيني إلي حقيقة ان التطور الإداري الحديث سيدفع عمليات تفويض السلطات للموظفين بقوة حتي في حالة رفض البعض لذلك حيث لن يرغب المسئولون عن الشركة بمن فيهم مجموعة الملاك ان يتوقف العمل في حالة غياب شخص محدد .


بدوره يضع المهندس مصطفي والي مدير عام اتحاد الصناعات سابقاً تفسيرا آخر لعدم شيوع ثقافة التفويض داخل الشركات المصرية وهو رغبة بعض رؤساء الشركات بل ورؤساء الاقسام في معرفة كل ما يجري داخل المؤسسة، لاحساسهم الوهمي بأهمية مناصبهم ودورهم ويقول ان تطور العمل المؤسسي وتشابك العلاقات الإدارية داخل الشركات الصناعية فرض علي القيادة الإدارية داخل المؤسسات ثم تطبيق أنظمة إدارية متقدمة وعلي رأسها تفويض السلطات التنفيذية داخل الهرم الإداري بهدف مواجهة ظروف السوق المتقلبة والمتسارعة خاصة مع ارتفاع قيمة وأهمية الوقت لدي رجال الأعمال وهو ما يدفعهم إلي توزيع السلطات لاتخاذ القرارات المطلوبة في أسرع وقت مشيراً إلي ان التجارب اثبتت انه كلما ارتفعت مستويات التفويض الممنوح لموظفي قطاع معين في ظل ظروف مواتية كلما ارتفعت انتاجية القطاع وزادت فرصة تفادي وقوع المشكلات الناجمة عن التأخير والتعطيل، ويؤكد «مصطفي والي» أن التسلسل الإداري المتوازن يكون عاملاً مساعداً في تصرف العاملين بمسئولية في الوقت المناسب، وفي حالة عدم وجود ضغوط من جانب الإدارة التي يشدد علي أن دورها الحقيقي داخل المؤسسة هو ضمان ممارسة الموظفين حق وحرية اتخاذ القرارات المناسبة فالتطبيق الحقيقي لمفهوم التفويض يسهم بطريقة مباشرة في حيوية الهيكل التنظيمي ومجموعة علاقات العمل داخل المؤسسة بما يسمح للموظفين بتقديم مستوي انتاجية مرتفع، في المقابل يرسخ تركيز السلطات مفهوم الأداء الاعتيادي للعاملين طالما الأمور تسير بدون احساس بأهمية قراراتهم حتي وان اقتصرت علي الجوانب الفنية والإشرافية المحدودة. فإحساس الموظف البسيط علي خط الانتاج بأهمية عمله وسلطاته يجعله أكثر قدرة علي الإنجاز والأداء، وهو يتضح كما يشير «والي» في نجاح العديد من المؤسسات الاقتصادية في مصر مثل مجموعة العز والعربي رغم كونها مؤسسات عائلية بسبب تطبيق القائمين علي هذه المؤسسات لمفاهيم الإدارة الحديثة وبينها تفويض السلطات Authority of Delegation.


ويحدد سمير يونس العضو المنتدب لشركة «توب بيزنس» شروط نجاح التفويض بالاهتمام والتدقيق في اختيار كفاءة متخذي القرار بحيث تصبح مؤهلات وقدرات المشارك في اتخاذ القرار عملية مضمونة النتائج، وتؤدي إلي ارتفاع قدرات جميع العاملين في المؤسسة من خلال التدريب المستمر للموظفين علي تحمل مسئوليات المنصب والوظيفة، في ظل خوف الناس العاديين وليس الموظفين فقط من تعرضهم للالتزام بواجبات، دون استعداد حتي وإن سمحت لهم الإدارة بممارسة السلطة التي تتم من خلال تحقيق المعادلة الشهيرة (K.S.A) Knowledge, Skills, Ability المعرفة والمهارة والقدرة علي التنفيذ وهي الأسباب التي لعبت ومازالت دوراً كبيراً في نجاح الشركات العالمية مثل «زيروكس» وجونسون أند جونسون، وآي بي إم وغيرها مؤكدا أن ذلك يظهر في مجال إعطاء الموظفين في كافة الأقسام بدءاً من المبيعات والصيانة والتحصيل الفرصة في ممارسة السلطات بشقيها «التمكين لجميع العاملين والتفويض للأشخاص» بما يرفع من مبيعات وأرباح الشركات سنوياً نتيجه الجو الصحي الذي يعمل فيه هؤلاء العاملون كما يؤكد أحمد الحسيني علي أن تطبيق مجالس الإدارة بالمؤسسة المصرية لمفاهيم الإدارة ومن بينها توزيع السلطات بما يتناسب مع طبيعة العمل، يشعر العاملين بالانتماء للشركة ويشجع المبادرات والإبداع وثقة العاملين في اعتراف المؤسسة وتقديرها للعمل الجيد بشكل يساعد العاملين علي النمو والتطور وتحمل المسئولية ويساهم في تبسيط اجراءات العمل وتوزيعه علي الموظفين بطريقة سليمة