القوي العظمي الجديدة ظهرت في حربها المتبادلة بين فرنسا وأمريكا

يبدو أن العالم سيحتاج إلي وقت طويل ليعالج الاثار التي نجمت عن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة جورج بوش الابن .   فمنذ أن توحدت القوي الشعبية في العالم أجمع...

يبدو أن العالم سيحتاج إلي وقت طويل ليعالج الاثار التي نجمت عن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة جورج بوش الابن .

فمنذ أن توحدت القوي الشعبية في العالم أجمع في 14 فبراير الماضي علي الخروج والتظاهر لاعلان الرفض القاطع للعدوان الأمريكي علي العراق والأمور تسير تجاه الانحدار بسرعة ربما لم يكن احد يتخيل أن تصل إليها يوماً .


فالرأي العام العالمي الذي تحول كما يقول بعض المراقبين إلي قوي عظمي جديدة وفاصلة، أفرز من باطن الأزمة العراقية عدد من الأفعال والسياسات والثقافات الجديدة، والتي ربما تختلف تماما مع احلام العالم الوردية والتي كانت تسير في اتجاه التكتلات والتوحد وتنسجم مع عولمة الحياة البشرية ليعيش الإنسان علي هذا الكوكب الذي تحول إلي بيت واحد كبير في حالة من الترابط والتكامل وخلق المصالح بعيداً عن الحروب والصراعات .


تلك كانت الصورة المثالية التي رسخت في أذهان الشعوب حتي صدمتهم الخطوة الأمريكية بإعادة العالم إلي أجواء الحرب العالمية الثانية وعصور الاستعمار فكانت انتفاضتهم في الشوارع رفضاً للحرب علي العراق، ليس عشقاً في نظام صدام حسين ولكن حباً في أن يعم الاستقرار العالم خاصة أن الشعوب قد ملت مشاهد الدمار والدماء في فلسطين والشيشان والفلبين واندونيسيا وفي أعقاب كارثة الحادي عشر من سبتمبر .


ولعل تنامي ثقافة المقاطعة كانت أهم افرازات غضب الشعوب علي مستوي العالم، تلك الثقافة التي وردت إلي المنطقة العربية خلال السنوات القليلة الماضية في مواجهة التعسف الأمريكي والانحياز دائما تجاه إسرائيل .


ولكن لم يتخيل أحد قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر أن ثقافة المقاطعة ستظهر في أوروبا تجاه الولايات المتحدة الأمريكية بسبب قضايا سياسية وهو ما وضع الشعوب في مواجهة الساسة كطرفي مقص لا يلتقيان الا بتمزيق الحقيقة بينهما .


ففي دولة مثل فرنسا مع تنامي مشاعر الغضب إلي حد الفوبيا من السياسة الأمريكية نشطت ثقافة لدي مناهضي الحرب تجاه المنتجات الأمريكية إلي الدرجة التي جعلت ثلث الفرنسيين يتمنون هزيمة أمريكا في الحرب ضد العراق .


وعلي الرغم من أن السياسة الرسمية الفرنسية كانت ضد رغبات البيت الأبيض إلا أن ذلك لم يمنع السياسيين في باريس من كبح جموح معارضتهم لأمريكا بالاعلان المتكرر عن عدم رغبتهم في هزيمة أمريكا وبريطانيا للعراق لانهم حلفاء قدامي في حين التزام شيراك المناهض للحرب الصمت تجاه غضب الرأي العام الفرنسي من أمريكا وسياستها ومقاطعة منتجاتها بينما جابيروافاران رئيس الوزراء زحام المبادرة في تذكير الفرنسيين بأن الولايات المتحدة دولة حليفة منذ فترة طويلة وأن صدام حسين ديكتاتور .


الاتجاه السياسي الفرنسي يحاول أن يبطء من عجلات الكراهية الفرنسية تجاه أمريكا ومن باريس خرجت عبارة «شخصيتك بما تشتريه من منتجات» مؤكدين علي ضرورة مقاطعة المنتجات الأمريكية إذا كانت هناك نية لدي الشعوب أن يكون لها صوت وشخصية .


وفي المقابل لجأت الحملات الأمريكية تجاه مقاطعة السلع الفرنسية أكثر عنفاً وشراسة إلي الحد الذي طالب فيه النواب الجمهوريون بالكونجرس الأمريكي إلي مقاطعة السلع الفرنسية ونادوا بتسمية البطاطس الفرنسية الشهيرة «فرانش فرايز» التي تقدم في مطاعم مجلس النواب إلي بطاطس الحرية «فريدوم فرايز» وكذلك «الفرانش توست» أو «فريدوم توست ».


في الوقت الذي اعاد فيه جندي أمريكي سابق شارك في الحرب العالمية الثانية شهادة شكر منحتها له باريس وكتب علي الشهادة وهو يسلمها إلي القنصلية الفرنسية «عندما تتصرفون كأصدقاء للولايات المتحدة تستطيعون اعادتها إلي ».


ويبدو أن الحملات الإعلامية التي يقدوها «روبرت موردوخ» رئيس شبكة فوكس التليفزيوينة والتي يدعو فيها لمقاطعة كل البضائع والمنتجات الفرنسية وتم تخصيص مواقع علي شبكة الانترنت لدعم ثقافة مقاطعة السلع الفرنسية أبرزها موقع «نيوماكس» الذي وضع قائمة طويلة بالمنتجات الفرنسية التي يجب مقاطعتها، وبالفعل تراجعت مبيعات تلك السلع في الولايات المتحدة إلي حد كبير ولدرجة دفعت سلسلة الفنادق الفرنسية الشهيرة «سوفيتيل» بالولايات المتحدة إلي تنكيس العلم الفرنسي قليلاً فوق مبانيها حتي لا يبدو واضحا كل الوضوح أمام نزلاء الفندق وزواره .


في مقابل ذلك تجاهل الرئيس الأمريكي التعامل مع نداءات أنصار المقاطعة للمنتجات الفرنسية وقال المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض رداً علي سؤال حول ترجيح الإدارة الأمريكية بمطالب النواب الجمهوريين وضغوط بعض الجهات الإعلامية في أمريكا «ان الرئيس الأمريكي لديه أمور أهم يعالجها» ليبتعد عن التورط الرسمي في دعم المقاطعة في الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان أن باريس مستعدة لاقامة علاقة ثقة وتقارب مع الولايات المتحدة .


وهكذا تتضارب المواقف السياسية الرسمية مع المواقف الشعبية في قضية المقاطعة لأن حسابات السياسة معقدة، بالشكل الذي يمتنع القائمون عليها من التورط في منح المقاطعة مرجعية ودعما سياسيا رسميا، وفيما تتنامي مشاعر الكراهية للسياسة الأمريكية في عواصم أوروبا والعالم أجمع، لا يقوي رؤساء الدول عن مباركتها لأن ذلك سيقوض النظام الاقتصادي في العالم بشكل متسارع وسيؤدي إلي انهيار اقتصاديات دول وبورصات وانتهاء مصالح يخشي عليها الساسة من الفناء .


لذلك لم يكن غريبا أن يعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية «عمرو موسي» النداءات بمقاطعة أمريكا سياسيا واقتصادياً وطرد سفرائها بأنه كلام غير واقعي .


فإذا كان الشارع العالمي المناهض لأمريكا وبريطانيا وسياستهما ومنتجاتهما يتنامي، كما يتنامي العداء الأمريكي لفرنسا ومنتجاتها فإن الساسة يؤكدون علي الأقل حفاظا علي ما تبقي من مصالح كانت تحكم النظام العالمي الذي اهتز بشدة «لا داعي لتوريطنا ».


والأدلة كثيرة.. فعلي الرغم من انخفاض الصادرات الأمريكية إلي المملكة العربية السعودية وفقاً لبيانات رسمية بمقدار %23 في الشهور الستة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ثم ارتفاع هذا التراجع إلي %43 في النصف الأول من العام 2002 بما يعادل 920 مليوناً في مقابل ارتفاع الصادرات اليابانية والفرنسية بنسب تتراوح بين 13 و %20 خلال نفس الفترة، إلا أن ذلك لم يدفع السعودية إلي مباركة المقاطعة سياسياً والمناداة بها، بل علي العكس ارتفعت وتيرة التصريحات التي تؤكد علي عمق الصداقة والمصالح السعودية الأمريكية وما حدث في السعودية تكرر في كل العواصم العربية بل وحتي في الشرق الأقصي الذي تتواصل فيه حملات المقاطعة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في تايلاند واندونيسيا وماليزيا إلا أن ذلك لم ينتج عن موقف سياسي، بل علي العكس تماما يهرب الجالسون علي مقاعد الحكم من اعلان مواقفهم في هذا الشأن، خاصة أنهم الآن يواجهون قوي عظمي بلا حدود أو بنية تحتية أو كوادر اسمها الشعوب .