إنهم يتاجرون بحلم الدولة الفلسطينية

حسن الزوام: إنها سلعة فاسدة نشتريها منذ نصف قرن، وخدعة خائبة تنطلي علينا رغم أن السيناريو مكرر بدون رتوش اضافية . السلعة هي حلم اعلان الدولة الفلسطينية والبائع هو ساسة...

حسن الزوام:

إنها سلعة فاسدة نشتريها منذ نصف قرن، وخدعة خائبة تنطلي علينا رغم أن السيناريو مكرر بدون رتوش اضافية .

السلعة هي حلم اعلان الدولة الفلسطينية والبائع هو ساسة البيت الأبيض بغض النظر من اسمائهم وصفاتهم، والشركاء هم الأوروبيون والعرب احياناً والمستفيد دائما هو إسرائيل .

ولعل القفز بالقضية الفلسطينية الآن وسط أصوات القنابل والصواريخ الذكية التي تدك بغداد، والحديث عن اهتمام أمريكي بريطاني بتنفيذ ما يسمي ــ بخطة الطريق التي ستؤدي إلي قيام الدولة الفلسطينية الحلم في 2005 ـ اعطانا الله وأعطاكم الصبر والسلوان ـ ما هو إلا تكرار لما حدث في الماضي ولا ندعي أننا الآن نفهم الخدعة ولن نتركها تؤثر فينا فمنذ عشرات السنين ونحن نفهم، ومنذ عشرات السنين لا نقدم أي خطوة في سبيل الوصول إلي هذا الحلم .

لذلك كان من الطبيعي أن يقابل العرب التصريحات الأمريكية بشأن خريطة الطريق والدولة الفلسطينية المرتقبة بنوع من الاهمال واللامبالاة، ليس مقاومة منا، ولكن الاهمال جاء بسبب الملل من الجري خلف السراب لأننا نعرف جيداً أن طرح الأمر من بوش الابن وتابعه توني بلير رئيس وزراء بريطانيا مرتبط بتهدئة الرأي العام العالمي بازدواجية المعايير الأمريكية ودعم الارهاب الصهيوني في توقيت تضرب فيه قوات التحالف العراق بلا هوادة، اضافة إلي أن أمريكا لم تعد تعبأ بالرأي العام العربي بعد ان وصفته في رسالة وجهتها إلي العواصم العربية ابرزها القاهرة والرياض عبر قنوات دبلوماسية ونشرها موقع «ايلاف» الالكتروني نقلاً عن مسئول رفيع في الادارة الأمريكية مفادها ابتعدوا عن طريقنا عندما نقرر ضرب العراق طالما لستم معنا .

وقالت الرسالة التي ضمت خمسة بنود في قسمها الأخير اننا ــ والكلام لواشنطن ــ لن نستمع مرة أخري إلي خرافة الرأي العام العربي التي استخدمتموها معنا مراراً، والنتيجة ان الرأي العام العربي بالونة فارغة تطلقونها .

لذلك تأتي لعبة خريطة الطريق من أجل تهدئة العالم غير العربي في الأساس وهو ما دفع توني بلير إلي التصريح بأن الخريطة المعجزة ستؤجل لحين الانتهاء من ضرب العراق وتصفية نظام صدام في بغداد وهو ما يعني متاجرة جديدة بالدولة الفلسطينية تجبر القادة العرب علي الجلوس في مواقع المتفرجين لما يحدث في العراق أملا في أن يرضي عنهم بوش الابن ويلتفت إلي القضية الفلسطينية ــ أس النزاع في المنطقة ــ بعد تصفية جيب المقاومة العراقي .

والصحيح أن التفاتة أمريكا القادمة لفلسطين ستأتي فعلا بعد الانتهاء من العدوان علي العراق، ولكن ليس لاعلان الدولة وانما لتصفية ياسر عرفات شخصيا وابعاده عن فلسطين، وتسوية الأمر وفقاً لرغبات رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون وبالتالي اعلان الحرب علي الارهاب الفلسطيني وتصفية منظماته بعد ان ابدلت واشنطن المقاومة ومحاربة الاحتلال بلفظ الارهاب المطاط الذي اجادت استخدامه في أعقاب احداث 11 سبتمبر 2001 .

وإذا ما انتهت الحرب العراقية خلال هذا الشهر أو حتي هذا العام فإن البند الخاص باعلان الدولة الفلسطينية في خريطة الطريق والمزمع موعده في عام 2005 سيتعرض للتأجيل حتما وذلك لان المرحلة الأولي من الخطة والتي كان مقررا ان تنتهي في مايو 2003 لم تبدأ اصلا وهي الخاصة بوقف العنف واتمام الاصلاحات الفلسطينية المطلوبة .

هذا التأجيل لن يكون الأول للدولة الفلسطينية بل هو الخامس علي الأقل منذ انطلاقة مسيرة التسوية واتفاق أوسلو 1992 ففي الموعد الأول وهو الرابع من مايو كانت ذريعة أمريكا واسرائيل للضغط علي عرفات حتي لا يعلن الدولة هي أن الاعلان سيؤدي إلي فوضي وربما مواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بينما كان بنيامين نيتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك يستعد للانتخابات الإسرائيلية في 17 مايو من نفس العام، ولعب الاسرائيليون علي هذا الوتر من أجل تمديد المرحلة الانتقالية لاوسلو التي ماتت مع اغتيال اسحق رابين ولم يجرؤ أحد علي طرحها كخيار نهائي علي الشعب الصهيوني لذلك كان موعد الرابع من مايو 99 وهو تاريخ انتهاء المرحلة الانتقالية غير مناسب اسرائيليا ولكن كان فرصة فلسطينية سانحة لاعلان الدولة تحت غطاء دولي واضاعتها تحت تأثير الضغوط الأمريكية والاوروبية واستجاب عرفات مؤجلاً الأمر إلي 13 سبتمبر 2000 وهو اخر تاريخ تمنحه الفترة الانتقالية في اتفاقية اوسلو لاعلان الدولة .

وفي الفترة ما بين الرابع من مايو 99 إلي 13 سبتمبر 2000 كانت لإسرائيل فرصة ذهبية لدفن اوسلو وتغير شكل الواقع علي الأرض والاسراع وببناء المستوطنات والانتظار ربما لتغير شكل القيادة السياسية في فلسطين وعندما حان الموعد الثاني قامت أمريكا بلعب نفس الدور ومارست كل الضغوط الممكنة علي عواصم العالم وهو ما أدي إلي تراجع تأييد اعلان الدولة الفلسطينية واعطي فرصة لواشنطن وتل أبيب للمناورة وتقزيم الجهد العربي الضعيف اصلا منذ حرب الخليج الثانية وتقليل حجم الاعتراف العالمي بدولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس .

وعلي الرغم من ان اعلان الدولة أمر غير قابل للتفاوض أو الربط بانتهاء مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا أن عرفات أجل للمرة الثانية بعد اوسلو الاسراع بالأمر، علي الرغم من ان اعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 قد وحصد اعتراف 130 دولة وهو كان يفوق عدد الدول التي تعترف باسرائيل في ذلك التاريخ وكان هذا التجاوب الفلسطيني هو الرابع من نوعه منذ نشوب الصراع .

وإذا كان التأجيل في 4 مايو 99 كان بسبب الانتخابات الاسرائيلية واستخدام نيتنياهو للمخاوف الأمنية علي اسرائيل من اعلان الدولة الفلسطينية فإن التأجيل في سبتمبر 2000 جاء بسبب عدم الانتهاء من مفاوضات الحل النهائي ووضع قضيتي القدس واللاجئين .

وأمام هذا التسويف اشتعلت الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر 2000 ضد المماطلة الإسرائيلية واستفزازات شارون بتدنيس المسجد الاقصي ليبقي الوضع كما هو عليه ويزداد سوءا بوصول السفاح شارون إلي الحكم في تل أبيب ليغير الأمر تماما علي أرض الواقع ويعلن حربا بلا هوادة ضد المدنيين العزل والمنتفضين مرتكباً جرائم حرب لا جدال فيها في كل ارجاء فلسطين ومستخدما الأسلحة الأمريكية في تصفية واغتيال الفلسطينيين .

وعندما جاء بوش إلي البيت الأبيض كانت استراتيجيته الأساسية هي اقتفاء أثر اليمين المسيحي الموالي لليكود الإسرائيلي وهو ما دفع شارون أن يرقص ويغني بعد أن أعلن بوش عن رؤيته للسلام في يناير 2001 في الشرق الأوسط وتجاهله للقيادة الفلسطينية المتمثلة في ياسر عرفات شخصيا مطالبا بتغييره بالقوة أو بالمؤامرات أو بعامل الوقت .

إلا أن وزير خارجية أمريكا كولن باول اعلن في 2001/11/19 عن تفاصيل أكثر فيما يتعلق بالقضية كثر فيها الحديث عن الدولة الفلسطينية والسلام الذي سيعم المنطقة مطالبا كل الدول العربية بالاعتراف باسرائيل وكان للحديث علاقة بنية أمريكا في الاستمرار في حربها المقدسة علي الارهاب والتي أعلن بوش في بدايتها أنها حرب صليبية بدأت بأفغانستان قبل أن يقول إنها مجرد ذلة لسان .

فالدولة الفلسطينية هي اللعبة الدائمة التي يمكن لأمريكا أن تعبث بها وقتما تريد .

وبعد انتهاء أمريكا من أفغانستان أعلنت مع اللجنة الرباعية عن خطة الطريق من أجل تنسيق جهودها قبل غزو العراق أملاً في تهدئة الرأي العام العالمي الذي كان يرفض الحرب واستمر علي هذا الحال وعندما ادركت أوروبا اللعبة طالبت بتقديم الخطة كاملة في ديسمبر 2002 واعلان بنودها إلا أن ذلك لم يرض أمريكا والتي تذرعت بتأجيل تقديمها لحين انتهاء الانتخابات الاسرائيلية التي لم تفرز تغييراً في تشكيل حكومة الارهاب الصهيوني ولان شارون لم يكن قد اعطي موافقته بعد علي الخطة ولم يضع تعديلاته عليها .

ثم ان طرحها كان سيعطل خطط حكومة اسرائيل في استكمال بناء السور الواقي أو الجدار العنصري الشبيه بسور برلين للفصل بين اسرائيل وفلسطين واستكمال التهام اجزاء جديدة من الأراضي العربية والتوسع في بناء المستوطنات .

هذا كله يجعل من خريطة الطريق التي تتحدث عنها أمريكا منذ قرابة العام مجرد وهم وقنبلة دخان ويكفي ان تعرف ان الادارة الأمريكية وضعت الأمر برمته في يد «ابرامز» مدير مكتب الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي وهو معروف بتوجهاته اليمينية الليكودية المسبقة .

كما أن خريطة الطريق تغفل وفقاً للرغبات الاسرائيلية قضيتي تجميد المستوطنات ووضع القائمة منها علي الأراضي العربية رغم انها حاولت تهدئة العرب بقبول خطة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت العام الماضي .

ففعليا تبقي خريطة الطريق مشروعا محكوما عليه بالموت لا لارتكازه اساساً علي تحقيق الأمن لاسرائيل وجعله البند الأهم فيها وهو ما دفع الجهود المصرية من أجل توفيق وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية لوقف العمليات الاستشهادية، تلك الجهود التي اجهضها شارون بضرب الفلسطينيين لمدة شهرين امتنعوا فيها عن القيام بأي عمليات ضد المدنيين الاسرائيليين لانه باختصار لن يلتفت إلي أية جهود تسفر عن قيام دولة تحمل اسم فلسطين ولها سيادة .

تماما كما فشلت من قبلها خطتا «تينت» و«ميتشيل» رغم ان كل هذه الاتفاقيات والخطط لم تكن لتمنح الفلسطينيين إلا دولة مؤقتة غير محددة المساحة والسيادة مع اغفال قضايا القدس واللاجئين وبقاء وضع المستوطنات كما هي عليه .

فالدولة الفلسطينية لا يعترف بها شارون ويرفضها نيتنياهو ويري شاؤول موفاز أنها مليئة بالثغرات وطالما أن هؤلاء لا يريدونها وعلي بوش أن يطيع الأوامر أما نحن العرب ــ فهل نستمر في تصديق الوعود الأمريكية التي تتاجر بالدولة الفلسطينية الحلم.. أم آن علينا أن ننتبه ولا نلدغ من الجحر نفسه للمرة العاشرة؟