اشرف راضي:
يتحدث بعض المسئولين الامريكيين صراحة عن أن الحرب التي يخططون لشنها علي العراق ستفتح الباب أمام تغييرات سياسية في الشرق الاوسط ويشيرون الي أن الحرب تستهدف الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين لافساح المجال امام تطور ديمقراطي في العراق سيكون له تداعيات ايجابية علي باقي دول المنطقة التي صممت نظمها ـ التي تفتقر لأبسط مقومات الديمقراطية ـ أمام الرياح العاتية التي أثارتها الموجة الثالثة للديمقراطية في نهاية العقد الثامن من القرن العشرين واستمرت خلال التسعينيات وأطاحت بنظم شمولية في شرق اوروبا واخري تسلطية في امريكا اللاتينية وآسيا بل وافريقيا.
اعلن وزير الخارجية الامريكي كولن باول في 12 ديسمبر الماضي عن مبادرة جديدة للشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط قيل انها توفر اطارا وتمويلا يمكن للولايات المتحدة أن تعمل من خلالهما مع الحكومات والشعوب في العالم العربي علي توسيع الفرص الاقتصادية والسياسية والتعليمية للجميع وأشير الي أن المبادرة ستتضمن ما يزيد علي مليار دولار تقدمها الولايات المتحدة سنوياً كمساعدات للدول العربية بالاضافة الي 29 مليون دولار اخري تعهدت الولايات المتحدة بتقديمها كتمويل مبدئي لمشروعات رائدة لدعم الاصلاح في المجالات الثلاثة المشار اليها. وتعد المبادرة بالمطالبة بتخصيص المزيد من الأموال لهذا الغرض في الاعوام القادمة.
وبعيدا عن الشكوك التي قد يثيرها بعض حلفاء واشنطن الاوروبيين في ان الحرب علي العراق ستؤدي الي تغييرات تعزز الديمقراطية في العالم العربي، وبعيدا عن الشكوك والتحفظات التي قد يثيرها كثير من المعلقين السياسيين في مصر والعالم العربي بشأن مبادرة باول لا بد من الاعتراف بضرورة بدء عملية اصلاح شامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهي ضرورة تدركها بعض القيادات السياسية وعلي سبيل المثال يتردد ان القيادة السعودية تطرح مشروعا لاصلاح الاوضاع السياسية وتعزيز المشاركة السياسية في العالم العربي في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين تجاوبا مع المبادرة الامريكية.
لكن بعض المحللين يشيرون الي ان هذا الادراك الامريكي لاهمية الاصلاح السياسي والديمقراطية والذي تعمق في اعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 لن يكون له تأثير كبير في تشجيع الديمقراطية في العالم العربي حيث يتوقعون استمرار النمط نفسه من المساومات المدفوعة برغبة واشنطن في الحفاظ علي مصالحها والذي أدي الي تحصين السياسات العربية في مواجهة التغيير والاصلاح السياسيين مما أوجد ظاهرة تعرف باسم «الاستثناء الديمقراطي».
وبدلا من التشكيك في النوايا الامريكية ومدي التزام الادارات الامريكية بتشجيع التحول الديمقراطي في العالم العربي تجدر الاشارة الي ان هذا الادراك الامريكي لضرورة الديمقراطية في هذا المنطقة وربط هذا الادراك بتصور الادارة الحالية للأمن القومي الامريكي يوفر «لحظة ديمقراطية» فريدة في تاريخ الشرق الاوسط ومن الأفضل ان يركز النقاش في هذه المرحلة علي كيفية الاستفادة من هذه اللحظة لاستكمال الديمقراطية التي كانت دائما احدي ركيزتي النضال السياسي للشعوب العربية في القرن العشرين.
وربما تكون المسألة الأهم في هذه اللحظة هو ما يشير اليه عالم السياسة العربي شفيق الغبرا من انه «كي تعمل الديمقراطية في جزء من العالم فلا بد وان يدير دفتها تحالف تحديثي.. يضع تصورآ لعملية تطور تعمل ضد القبلية والمحسوبية والفساد وتركز علي الجدارة والاستقلال والاعتماد علي الذات» وفي تقدير أن هذا الرأي ليس جديدا علي واقع تجارب الحركات الوطنية في العالم العربي التي ظهرت في مطلع القرن العشرين. وعلي سبيل المثال قاد النضال السياسي من اجل الاستقلال والدستور (الديمقراطية السياسية) في مصر تحالف تحديثي سياسي واجتماعي بقيادة حزب الوفد المصري والطبقات الوسطي في المدن. وادرك هذا التحالف من اللحظة الاولي ان الديمقراطية الدستورية التي تضع السلطة في يد الشعب من خلال الانتخابات الحرة بين احزاب سياسية متنافسة ركيزة اساسية للاستقلال السياسي والوطني بدونها يكون هذا الاستقلال منقوصا.
وتجدر الاشارة في هذا الصدد الي ان هذه الرؤية لم تتبلور في اطار الاحتلال البريطاني لمصر وحسب وانما تبلورت علي خلفية المقدمات التي أدت الي هذا الاحتلال وادراكها بان القوي المناهضة الديمقراطية (الشوري) في مصر في اواخر القرن التاسع عشر كانت ظهيرا متحالفا مع الاستعمار لكن المفارقة المهمة التي يجدر الاشارة اليها في هذا الصدد هو أن هذا التحالف التحديثي نما في احضان التجربة الاستعمارية بل قاده سياسيون وموظفون انتموا الي تيار اصلاحي تعاون مع المشروعات البريطانية لتحديث مصر ولم تمنعه حساسيته الوطنية وموقفه الرافض للاحتلال والمطالب بالاستقلال من الارتباط بقيم الحداثة والتقدم التي تشكل جزءا من ثقافة قوة الاحتلال.
ومن المهم الآن تأكيد هذا الجانب كي لا يقف البعض ضد قيم الحداثة والتقدم والديمقراطية تحت تأثير تصوراته الوطنية والقومية ضد هذه القيم اعتقادا منهم بأنهم بذلك يقفون في وجه المشروع الاستعماري الامريكي وفي وجه السياسة الامريكية المؤيدة تأييدا أعمي لاسرائيل واحتلالها الاستيطاني في مواجهة نضال الشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال ويري البعض ـ عن حق ـ ان التأييد الامريكي لاسرائيل سيقوض أي جهود حقيقية للديمقراطية في المنطقة.
وفي هذا الصدد يشدد «مرهف جويجاتي» وهو باحث سوري الأصل بمعهد الشرق الاوسط في واشنطن علي ضرورة «انتهاج السلام في الشرق الاوسط حتي يصبح لدي الطبقات المتوسطة قوي ديمقراطية» ويشير الي أن «مناخ الحرب والاحتلال الاسرائيلي يجعلان من السهل للحرس القديم تأخير الاصلاحات».
ويضيف ان بعض الحكام العرب يبررون حملتهم الصارمة ضد الحرية بتهديد اسرائيل وقمعها للفلسطينيين.
وهذا الرأي وان كان يكشف عن ضرورة ارتباط النضال العربي من اجل الديمقراطية الآن بالنضال من اجل السلام مما يدعو الي ضرورة توسيع التحالف التحديثي ليضم قوي السلام العربية جنبا الي جنب مع القوي الديمقراطية الا انه يكشف كذلك عن ملمح اصيل للسياسة الامريكية تجاه المنطقة يتمثل في ان هذه السياسة متناقضة دائماً علي مايبدو. وتقاعس الادارة الحالية عن القيام بدورها في عملية السلام نتيجة لانحيازها لاسرائيل في وقت تدعو فيه الي تغيير سياسي في المنطقة يعد احد صور هذا التناقض الذي يتعين علي القوي الديمقراطية العربية ادراكه والتعامل معه بما لا يضر بقضيتها.
يتحدث بعض المسئولين الامريكيين صراحة عن أن الحرب التي يخططون لشنها علي العراق ستفتح الباب أمام تغييرات سياسية في الشرق الاوسط ويشيرون الي أن الحرب تستهدف الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين لافساح المجال امام تطور ديمقراطي في العراق سيكون له تداعيات ايجابية علي باقي دول المنطقة التي صممت نظمها ـ التي تفتقر لأبسط مقومات الديمقراطية ـ أمام الرياح العاتية التي أثارتها الموجة الثالثة للديمقراطية في نهاية العقد الثامن من القرن العشرين واستمرت خلال التسعينيات وأطاحت بنظم شمولية في شرق اوروبا واخري تسلطية في امريكا اللاتينية وآسيا بل وافريقيا.
اعلن وزير الخارجية الامريكي كولن باول في 12 ديسمبر الماضي عن مبادرة جديدة للشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط قيل انها توفر اطارا وتمويلا يمكن للولايات المتحدة أن تعمل من خلالهما مع الحكومات والشعوب في العالم العربي علي توسيع الفرص الاقتصادية والسياسية والتعليمية للجميع وأشير الي أن المبادرة ستتضمن ما يزيد علي مليار دولار تقدمها الولايات المتحدة سنوياً كمساعدات للدول العربية بالاضافة الي 29 مليون دولار اخري تعهدت الولايات المتحدة بتقديمها كتمويل مبدئي لمشروعات رائدة لدعم الاصلاح في المجالات الثلاثة المشار اليها. وتعد المبادرة بالمطالبة بتخصيص المزيد من الأموال لهذا الغرض في الاعوام القادمة.
وبعيدا عن الشكوك التي قد يثيرها بعض حلفاء واشنطن الاوروبيين في ان الحرب علي العراق ستؤدي الي تغييرات تعزز الديمقراطية في العالم العربي، وبعيدا عن الشكوك والتحفظات التي قد يثيرها كثير من المعلقين السياسيين في مصر والعالم العربي بشأن مبادرة باول لا بد من الاعتراف بضرورة بدء عملية اصلاح شامل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهي ضرورة تدركها بعض القيادات السياسية وعلي سبيل المثال يتردد ان القيادة السعودية تطرح مشروعا لاصلاح الاوضاع السياسية وتعزيز المشاركة السياسية في العالم العربي في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين تجاوبا مع المبادرة الامريكية.
لكن بعض المحللين يشيرون الي ان هذا الادراك الامريكي لاهمية الاصلاح السياسي والديمقراطية والذي تعمق في اعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 لن يكون له تأثير كبير في تشجيع الديمقراطية في العالم العربي حيث يتوقعون استمرار النمط نفسه من المساومات المدفوعة برغبة واشنطن في الحفاظ علي مصالحها والذي أدي الي تحصين السياسات العربية في مواجهة التغيير والاصلاح السياسيين مما أوجد ظاهرة تعرف باسم «الاستثناء الديمقراطي».
وبدلا من التشكيك في النوايا الامريكية ومدي التزام الادارات الامريكية بتشجيع التحول الديمقراطي في العالم العربي تجدر الاشارة الي ان هذا الادراك الامريكي لضرورة الديمقراطية في هذا المنطقة وربط هذا الادراك بتصور الادارة الحالية للأمن القومي الامريكي يوفر «لحظة ديمقراطية» فريدة في تاريخ الشرق الاوسط ومن الأفضل ان يركز النقاش في هذه المرحلة علي كيفية الاستفادة من هذه اللحظة لاستكمال الديمقراطية التي كانت دائما احدي ركيزتي النضال السياسي للشعوب العربية في القرن العشرين.
وربما تكون المسألة الأهم في هذه اللحظة هو ما يشير اليه عالم السياسة العربي شفيق الغبرا من انه «كي تعمل الديمقراطية في جزء من العالم فلا بد وان يدير دفتها تحالف تحديثي.. يضع تصورآ لعملية تطور تعمل ضد القبلية والمحسوبية والفساد وتركز علي الجدارة والاستقلال والاعتماد علي الذات» وفي تقدير أن هذا الرأي ليس جديدا علي واقع تجارب الحركات الوطنية في العالم العربي التي ظهرت في مطلع القرن العشرين. وعلي سبيل المثال قاد النضال السياسي من اجل الاستقلال والدستور (الديمقراطية السياسية) في مصر تحالف تحديثي سياسي واجتماعي بقيادة حزب الوفد المصري والطبقات الوسطي في المدن. وادرك هذا التحالف من اللحظة الاولي ان الديمقراطية الدستورية التي تضع السلطة في يد الشعب من خلال الانتخابات الحرة بين احزاب سياسية متنافسة ركيزة اساسية للاستقلال السياسي والوطني بدونها يكون هذا الاستقلال منقوصا.
وتجدر الاشارة في هذا الصدد الي ان هذه الرؤية لم تتبلور في اطار الاحتلال البريطاني لمصر وحسب وانما تبلورت علي خلفية المقدمات التي أدت الي هذا الاحتلال وادراكها بان القوي المناهضة الديمقراطية (الشوري) في مصر في اواخر القرن التاسع عشر كانت ظهيرا متحالفا مع الاستعمار لكن المفارقة المهمة التي يجدر الاشارة اليها في هذا الصدد هو أن هذا التحالف التحديثي نما في احضان التجربة الاستعمارية بل قاده سياسيون وموظفون انتموا الي تيار اصلاحي تعاون مع المشروعات البريطانية لتحديث مصر ولم تمنعه حساسيته الوطنية وموقفه الرافض للاحتلال والمطالب بالاستقلال من الارتباط بقيم الحداثة والتقدم التي تشكل جزءا من ثقافة قوة الاحتلال.
ومن المهم الآن تأكيد هذا الجانب كي لا يقف البعض ضد قيم الحداثة والتقدم والديمقراطية تحت تأثير تصوراته الوطنية والقومية ضد هذه القيم اعتقادا منهم بأنهم بذلك يقفون في وجه المشروع الاستعماري الامريكي وفي وجه السياسة الامريكية المؤيدة تأييدا أعمي لاسرائيل واحتلالها الاستيطاني في مواجهة نضال الشعب الفلسطيني من اجل الاستقلال ويري البعض ـ عن حق ـ ان التأييد الامريكي لاسرائيل سيقوض أي جهود حقيقية للديمقراطية في المنطقة.
وفي هذا الصدد يشدد «مرهف جويجاتي» وهو باحث سوري الأصل بمعهد الشرق الاوسط في واشنطن علي ضرورة «انتهاج السلام في الشرق الاوسط حتي يصبح لدي الطبقات المتوسطة قوي ديمقراطية» ويشير الي أن «مناخ الحرب والاحتلال الاسرائيلي يجعلان من السهل للحرس القديم تأخير الاصلاحات».
ويضيف ان بعض الحكام العرب يبررون حملتهم الصارمة ضد الحرية بتهديد اسرائيل وقمعها للفلسطينيين.
وهذا الرأي وان كان يكشف عن ضرورة ارتباط النضال العربي من اجل الديمقراطية الآن بالنضال من اجل السلام مما يدعو الي ضرورة توسيع التحالف التحديثي ليضم قوي السلام العربية جنبا الي جنب مع القوي الديمقراطية الا انه يكشف كذلك عن ملمح اصيل للسياسة الامريكية تجاه المنطقة يتمثل في ان هذه السياسة متناقضة دائماً علي مايبدو. وتقاعس الادارة الحالية عن القيام بدورها في عملية السلام نتيجة لانحيازها لاسرائيل في وقت تدعو فيه الي تغيير سياسي في المنطقة يعد احد صور هذا التناقض الذي يتعين علي القوي الديمقراطية العربية ادراكه والتعامل معه بما لا يضر بقضيتها.