داوود عبدالسيد
على راشد :شهدت منطقة الخليج مؤخراً تطوراً ملحوظاً فى الاهتمام بالثقافة ومنتجاتها، وذلك التطور بفضل تضافر جهود المؤسسات الثقافية الأهلية والحكومية بتلك الدول، وبصفة خاصة بدول الكويت والإمارات والسعودية، مما يبشر بميلاد حركة ثقافية واعدة، تنعكس على حركة النمو والاقتصاد بها.
أكد الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة، الحاصل مؤخراً على جائزة العويس فى الشعر، وهى الجائزة التى أسسها الشاعر الإماراتى الراحل سلطان العويس، أن بعضا من دول الخليج لها بالفعل دور بارز فى صناعة الثقافة، ضاربا المثل بدور «الكويت» فى نشر المعرفة من خلال اصدار سلاسل متخصصة فى الثقافة والعلوم، مثل مجلتى «عالم المعرفة» و«العربى»، وسلسلة «عالم الفكر» الفلسفية.
كما أشاد أبوسنة بالجوائز التى ترصدها دول الخليج للمبدعين والمفكرين، خاصة فى دولة الكويت أيضاً، مشيراً إلى مؤسسة «البابطين» التى ترعى الحركة الشعرية، من خلال بناء مكتبة للشعر العربى تضم معظم دواوين قدامى الشعراء ورواد الشعر المعاصر، كما تقدم المؤسسة جائزة سنوية تمنح لقصيدة أو ديوان أو مجمل لأعمال الشاعر.
كما تخصص دورات من الجائزة كل عامين، لاحياء ذكرى كبار الشعراء ونشر تراثهم، ليمتد إلى أوروبا، كما حدث أن عقدت دورتين لهذا الغرض بكل من إسبانيا وفرنسا، وتقدم المؤسسة خدمة كبرى للشعر من خلال معجم البابطين الشهير، الذى يغطى مساحات شاسعة من الزمن، ويضم الشعراء عبر العصور المختلفة.
ولفت «أبوسنة» إلى أن الشيخ سلطان القاسمى أمير الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة يقوم بدور رائد فى خدمة الثقافة من خلال معرض الشارقة الدولى للكتاب، والمؤسسات الكبرى، وهناك أيضاً مؤسسة «العويس» فى دبى، كما أن هناك بيتاً للشعر يصدر مجلة ممتازة عن حركة الشعر، وتتابع أعمال الشعراء فى معظم العالم العربى، بالإضافة إلى المؤسسات الثقافية المنتشرة فى دولة الإمارات.
وتوجد أيضاً بعض المساهمات الثقافية لسلطنة عمان، تمثلت فى مجلة «نزوى» وبعض المطبوعات، والمؤتمرات الثقافية.
أما المملكة العربية «السعودية» فإن بها مهرجان الجنادرية للتراث الشعبى، خصوصاً الاجتماعى، وأيضاً مهرجان «عكاظ» للشعر، ويرصد جائزة سنوية للشعر تحمل اسم المهرجان.
وقال الناقد الدكتور شريف الجيار، إن هناك طفرة فى المناحى الثقافية بدول الخليج، خاصة «الإمارات والكويت والسعودية»، ففى الإمارات نجد إشراقات جديدة على صعيد الكتابة الإبداعية، خاصة كتاب المرأة الإماراتية، فضلاً عن أن هناك مؤسسات حقيقية تعمل فى إطار الثقافة لصالح العرب، منها مؤسسة «العويس»، التى عقدت منذ فترة مؤتمرها عن طه حسين.
وأقامت الإمارات العربية المتحدة معرضها الدولى للكتاب فى الشارقة، وضم معظم الاسماء المهمة فى كل الفنون الإبداعية من أمريكا وأوروبا والعالم العربى، وبالتالى ساهمت الشارقة فى تطوير آليات الثقافة العربية.
وقال إن الإمارات متطورة فى مجال أدب الأطفال والرواية والشعر، مؤكداً أنها تتقدم دول الخليج وتقودها نحو ثقافة جديدة فى حين تتكئ فيها على الثقافة المصرية من جهة والثقافة الغربية بشكل عام.
كما أكد أن دول الخليج تغيرت رؤاها تجاه الحضارة الحديثة، وأخذت تساهم بها بشكل واعد مؤخراً، وهو ما يجب أن يلفت نظر وزارة الثقافة المصرية، التى ينبغى عليها أن تلتفت لأهمية تنشيط مكانتها الثقافية فى العالم العربى، خاصة فى الدول الثلاث، وذلك حتى تستطيع الثقافة المصرية، أن تستوعب كل جديد فى هذه الدول الشقيقة، وتساهم فى تطويرها ثقافياً.
وقال مصر هى الرائدة للثقافة العربية على مر العصور بتاريخها الثقافى والتراثى، ويجب أن تستمر على هذا النحو.
وحول الدعم المادى الكبير الذى تقدمه دول الخليج للثقافة، قال الجيار: «أعتقد أن الثقافة الخليجية فى الإمارات والكويت تجاوزت مرحلة إنفاق الأموال - مجرد الانفاق - على النشاط الثقافى إلى مرحلة إنتاج الثقافة وصناعتها، وذلك يصب فى الاقتصاد القومى، فعندما يتم إنفاق 5 ملايين دولار، على معرض ما فإن الدولة تسترد هذا المبلغ مضاعفاً، عن طريق عقد مجموعة من البروتوكولات الثقافية مع الدول الزائرة.
وأشاد الجيار بالكتابة النسوية فى دول الخليج، مشيراً إلى أن تلك الكتابات أخذت تمثل ظاهرة جيدة مع وجود اسماء لكاتبات يمثلن مرحلة جديدة فى الكتابة النسوية للمرأة فى الخليج، حيث أصبحت المرأة تشارك فى إنتاج الثقافة، وتفعيل دورها فى المؤسسات الثقافية، والمشاركة فى تنظيم المؤتمرات والمعارض، وكل ذلك يؤكد أن هناك امرأة خليجية جديدة فارقت امرأة الخيمة، والانعزال لنشاهد امرأة أخرى تعلن عن نفسها بالإسهام فى تطوير دورها، على الأصعدة الاقتصادية والعلمية والثقافية.
وأكدت الكاتبة والمترجمة فاطمة ناعوت، أن دول الخليج تنهض نهضة ثقافية ملموسة، من خلال المؤسسات الثقافية الكبرى، التى تقوم بترجمة الأدب الغربى، مثل دار «كلمة» بالإمارات، ودور نشر أخرى قامت بإصدار عناوين شديدة الأهمية، فى حين تشهد دور النشر بمصر انتكاسة، بسبب انشغال المثقفين بمشكلات مصر السياسية.
وأضافت «ناعوت» أن النهضة الثقافية فى دول الخليج، نلمحها من خلال حركات ثقافية فى السعودية والإمارات والبحرين، مؤكدة أن الكاتبات السعوديات صرن أكثر شجاعة وحرية، حيث علت مؤخراً أصوات المرأة السعودية، لتخترق التابوهات الثلاثة «الدين - السياسة - الجنس».
أما الشاعر عماد غزالى، مدير مكتب موسسة البابطين فى مصر، فقال إن دول الكويت هى أعرق دولة خليجية تنتج الثقافة، ويأتى ذلك من خلال الدور الكبير الذى يقوم به «المجلس الوطنى للثقافة والفنون»، وفرقة «الخليج» التى تأسست فى السبعينيات، وأوضح أن الكويت دولة شديدة الاهتمام بالثقافة، ودائماً ما تقوم بالتواصل مع الدول العربية - خاصة مصر - للاستفادة من القامات الموجودة لدينا فى الأدب والمسرح والسينما، وهو ما حقق تميزاً كبيراً.
ولفت غزالى إلى أن المؤسسات الأهلية التى توجد بدول الخليج تخفف عن الحكومات، كما تخفف من سيطرة الحكومة على الثقافة والفكر، وتحرر الثقافة من القيود الحكومية، مدللاً على ذلك بمراكز «جمعة الماجد»، فى الإمارات ومؤسسة «البابطين» فى الكويت، وغيرهما من المراكز التى يشكلها الأثرياء، لتوظيف أموالهم فى الثقافة، خاصة فى المكتبات الخاصة بالمخطوطات، ومؤسسات الجوائز.
كما أشار إلى أن كل جائزة لها طابع معين، وقد لا يتحكم صاحب المؤسسة فى منح الجائزة لشخص معين، وإنما يختار توجهاً ما للجنة التحكيم، فيختار محكمين كلاسيكيين ليختار النمط الفنى، الذى يريده هو، لذلك يجب أن تتنوع المذاهب الفكرية داخل لجنة التحكيم، دون الانحياز إلى تيار واحد.
من جانبه نفى المخرج الكبير داود عبد السيد، وجود أى صناعة للسينما فى دول الخليج، بل فى الدول العربية، وقال إنه لا توجد تلك الصناعة إلا فى مصر، مشيراً إلى وجود محاولات لإنتاج السينما فى بعض الدول كسوريا ولبنان وتونس، وبعض دول الخليج، لكنها كانت قليلة، لافتاً إلى وجود فارق بين الصناعة والإنتاج، فالصناعة الموجودة فى مصر، جاءت بسبب التاريخ الحافل للسينما فى مصر، ووجود سوق لها واستوديوهات، وهذا التاريخ السينمائى المصرى جعل الدول العربية، تعتاد على سينما مصر، وتقاليدها ولهجتها أيضاً، وكان ذلك هو السبب الرئيسى، فى عدم وجود صناعة للسينما فى الدول العربية، والاكتفاء بالسينما المصرية.