صلاح مسعود:
رغم معاناة معظم دول العالم من التراجع الحاد الذي يشهده الدولار حاليا والذي وصل الي أدني مستوي له أمام الين الياباني منذ 12 عاما وأقل مستوي له أمام اليورو فإن الولايات المتحدة ووسط ما تمر به من أزمات مالية خانقة تنظر الي هذا التراجع علي أنه يمثل بريق أمل في نهاية نفق التباطؤ المظلم الذي يمر به الاقتصاد الأمريكي.
ويبدو أن هذا الأمل بدأ يأخذ طريقه الي التحقيق علي أرض الواقع لاسيما مع الطفرة التي تشهدها الصادرات الأمريكية حاليا وهو الأمر الذي يميز التباطؤ الحالي عن آخر ركود مرت به الولايات المتحدة في عام 2001 حيث مثل ارتفاع الدولار بشكل كبير أمام العملات الأخري عائقا أمام المصدرين وهو نقيض ما يجري حاليا.
وساعدت الصادرات في الحد من التأثيرات السلبية لأزمة الرهن العقاري علي الاقتصاد الأمريكي فعلي مدار الثمانية عشر شهرا الماضية اسهمت الصادرات الأمريكية في إضافة نقطة مئوية الي معدل النمو السنوي في الوقت الذي أدي فيه تراجع القطاع العقاري الي انخفاض معدل النمو بأكثر من هذه القيمة في نفس الفترة.
وقام بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي بتقديم متشائم عن التحديات التي يواجهها الاقتصاد في شهادته أمام الكونجرس الشهر الماضي غير أنه توقع أن تستمر الصادرات في تحقيق نجاحات خلال الفترة المقبلة.
وكانت أخر البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأمريكية قد أوضحت أن الصادرات في شهر يناير الماضي ارتفعت بنسبة %16.6 عن العام الماضي كما ساعدت الصادرات في تخفيض العجز التجاري الأمريكي العام الماضي بنسبة %7 مقارنة بعام 2006.
وتري صحيفة »وول ستريت جورنال« أنه ليس واضحا مدي إمكانية استمرار تلك الطفرة للصادرات علي المدي البعيد مشيرا الي بدء امتداد آثار تباطؤ الاقتصاد الأمريكي الي مناطق أخري من العالم مما ينعكس سلبا علي الإقبال علي تلك الصادرات.
وأضافت الصحيفة أن تراجع الدولار قفز بأسعار البترول السلع الأخري لمستويات قياسية مما يضع مزيدا من الضغوط علي المنتجين المحليين ويرفع معدلات التضخم.
ويري بعض المحللين أن انخفاض الدولار يعطي الأمل في تعافي الاقتصاد الأمريكي من خلال زيادة الصادرات الأمر الذي يقلل من حدة التباطؤ الاقتصادي مشيرين في الوقت نفسه الي أن تراجع الدولار يعكس ضعف الاقتصاد الأمريكي المتمثل في زيادة العجز التجاري وانخفاض معدلات الادخار.
وتختلف رؤية رجال الاقتصاد في العالم بالنسبة للتراجع الحالي للدولار فبينما يري معظم الاقتصاديين الأوروبيين والآسيويين أن انخفاض الدولار سيستمر فترة طويلة يري كثير من نظرائهم الأمريكيين عكس ذلك.
ويري تقرير لصحيفة »وول ستريت جورنال« أن انخفاض الدولار ينعكس علي الاقتصاد الأمريكي بصور شتي ومنها ارتفاع أرباح الشركات متعددة الجنسيات والتي تقوم بتحويل أرباحها من العملات الأجنبية الي الدولار وأعطي التقرير مثالا علي ذلك بشركة يونيتد تكنولوجيس وهي شركة عالمية لانتاج معدات الفضاء والمصاعد وأجهزة التكييف والتي أعلنت أنه مع ارتفاع اليورو بقيمة بنس واحد أمام الدولار فإن الشركة تسجل أرباحا سنوية إضافية بقيمة 10 مليارات دولار.
وقال جريج هايس نائب المدير المالي للشركة إن انخفاض الدولار يعطي منتجات الشركة من الطائرات المروحية والسلالم الكهربائية ميزة تنافسية علي مستوي العالم حيث تبدو أقل سعرا من غيرها.
إلا أن »هايس« أقر في الوقت نفسه بأن تراجع الدولار له بعض الآثار السلبية خاصة في أسعار السلع والتي تسير عكس اتجاه الدولار مما يضع مزيدا من الضغوط علي الشركات التي تستخدم كميات كبيرة من المعادن والمنتجات البترولية وأضاف أن شركته علي سبيل المثال تشتري نحو 125 مليون رطل من النحاس في العام للاستخدام في صناعة أجهزة التكييف.
كما ألحق تراجع الدولار أضرارا بالغة بالشركات القائمة علي الاستيراد مثل شركات التجزئة والتي تعتمد علي السلع المصنعة خارج الولايات المتحدة التي أصبحت أكثر تكلفة ونقلت صحيفة »وول ستريت جورنال« عن مسئولين بشركة جايا للشاي قولهم إن حجم التكاليف لدي الشركة زاد بنسبة %25 بسبب انخفاض قيمة الدولار أمام الروبية الهندية الي جانب ارتفاع مصاريف النقل.
ورغم هذه التحفظات فإن انخفاض الدولار تزامن مع تحسن كبير في أداء قطاع التصدير الأمريكي والذي نما في الفترة ما بين 2004 و2007 بنسبة %8.3 في العام في الوقت الذي كان معدل نمو الصادرات في السنوات الأربع التي تسبق تلك الفترة لا يتجاوز نسبة %0.6.
وتوقع ديفيد روسينبرج ـ المحلل لدي ميريل لينش ـ أن يشهد القطاع الصناعي طفرة طويلة المدي بسبب تراجع قيمة الدولار أمام العملات الأخري.
ولحقت الشركات الصغيرة بقطاع التصدير المتسارع في مسعي منها لتعويض ضعف الطلب المحلي المتزايد وأعلنت شركة كومباكت لتصنيع معدات البناء أن حجم مبيعاتها خارج البلاد تضاعف خلال العام الماضي وفي طريقه ليكرر نفس الإنجاز هذا العام.
ولم تقتصر انتعاشة الصادرات علي القطاع الصناعي بل امتدت الي قطاعات أخري فقد أعلنت شركة ليوايه دالي للإنشاءات أن أعمالها الخارجية توسعت بشكل كبير خلال العامين الماضيين كما استفادت شركات النقل والدعم الفني من الطفرة التي تشهدها الصادرات الأمريكية وأعلنت شركة هوج أوتولينرز للبواخر أن حجم نشاطها في نقل الصادرات من السيارات والمعدات الثقيلة وصل الي معدلات مرتفعة خلال الفترة الماضية