مظاهرات التضامن مع فلسطين‮ .. ‬فرصة لاستعراض عضلات الحكومة والإخوان

فيولا فهمي:   تحركات شعبية واسعة.. مظاهرات احتجاجية.. اعتداءات امنية مستمرة.. هذه هي مفردات المشهد السياسي الذي اكتسح الشارع المصري من ادناه الي اقصاه تضامناً مع الشعب الفلسطيني في غزة..

فيولا فهمي:

تحركات شعبية واسعة.. مظاهرات احتجاجية.. اعتداءات امنية مستمرة.. هذه هي مفردات المشهد السياسي الذي اكتسح الشارع المصري من ادناه الي اقصاه تضامناً مع الشعب الفلسطيني في غزة. واحتجاجاً علي تراخي النظام المصري حيال القضية ذات الابعاد الاقليمية والقومية.


وقد أثار هذا المشهد العديد من التساؤلات لاسيما عند تصدر الاخوان المسلمين له عن طريق استنفار اتباعهم للخروج في مظاهرات حاشدة اجتاحت أكثر من 17 محافظة في وقت واحد.. وهو الأمر الذي اعتبره البعض نوعاً من استعراض عضلات الجماعة المحظورة داخل المسرح السياسي، بينما اعتبره آخرون مجرد رد فعل طبيعي حيال تراخي النظام تجاه مواجهة الازمة الفلسطينية.

في البداية رفض الدكتور عماد جاد خبير السياسة الاقليمية بمركز الدراسات الاستيراتيجية والسياسية بالاهرام، اختزال المظاهرات والاحتجاجات الشعبية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني في فصيل الاخوان المسلمين لان تلك القضية محل تعاطف شعبي من جميع الفصائل السياسية.

وأكد ان جماعة الاخوان المسلمين تحاول استغلال الغضب الشعبي لاظهار قوتها التنظيمية المحركة للشارع السياسي، بالاضافة الي البحث عن مخرج لحركة المقاومة الاسلامية »حماس« أحد روافد التنظيم الدولي للاخوان المسلمين في فلسطين.. ورفض في السياق ذاته اعتبار ذلك المشهد الاحتجاجي الثائر دليلا علي اختراق الاخوان لمؤسسات الاحزاب والمنظمات الحقوقية التي شاركت في تنظيم المظاهرات.

وأعرب خبير السياسة الاقليمية عن قلقه من تصدر الاخوان المسلمين للمشهد الاحتجاجي في مصر، خوفاً من اتخاذ القيادة السياسية قرارات مضادة تلحق اضراراً بالوضع في قطاع غزة، وتحول الامر الي صراع لاستعراض العضلات بين النظام الحاكم والاخوان المسلمين، بدلا من احتواء أصداء الازمة الاقليمية في فلسطين.

وفي سياق تحليل أسباب وتداعيات تنامي موجة الغضب الشعبي، وصف بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، اختيار الاخوان المسلمين لحشد قوي التحرك الشعبي في هذه اللحظة بـ »الذكاء السياسي«، وذلك لانها لحظة مصيرية اجتمعت حولها معظم القوي الشعبية والسياسية بمختلف اتجاهاتها، مما يسهم بدوره في تعزيز نفوذهم الشعبي وعلاقاتهم الدولية، ولاسيما أن الاجراءات الامنية التي تتخذها السلطات تجاه المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني اوالمناصرين للقضايا الاقليمية عادة ما تكون اقل حدة من مثيلتها تجاه المطالبين بالاصلاح السياسي في الداخل.

ونفي التحليلات السياسية الرامية الي اعتبار تأجيج الغضب الشعبي رسائل تبعثها للنظام السياسية قبيل انتخابات المحليات مفادها ان الاخوان هم اقوي الفصائل المعارضة في المجتمع، وذلك لان النظام يقدر الثقل السياسي للاخوان دون اندلاع مظاهرات شعبية، حيث ظهر ذلك من خلال تاجيل الانتخابات المحلية التي كان من المقرر اجراؤها منذ عامين خوفاً من احكام سيطرتهم علي المجالس المحلية وتنامي فرصة صعودهم الي المناصب السياسية رفيعة المستوي. ومن جانبه شكك الدكتو جهاد عودة، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة حلوان وعضو امانة السياسات بالحزب الوطني، في قوة تاثير جماعة الاخوان المسلمين علي الشارع السياسي، موضحاً ان الاخوان تصدروا المشهد الاعلامي للاحتجاجات الشعبية فحسب ولكنهم لم يمثلوا القوة الدافعة أو المحركة لها، لان القضية الفلسطينية مازالت حية في الضمير الجمعي للشعب المصري، ولذلك اندلعت المظاهرات مؤخراً تعبيراً عن حالة الغضب الشعبي وانعكاسا لجميع اطياف المجتمع ولم يستاثر بها فصيل سياسي محدد، نافيا ان تعكس تلك المظاهرات الشعبية قوة تنظيم جماعة الاخوان المسلمين في المجتمع. وحول انعكاس الغضب الشعبي علي تنامي النفوذ السياسي للاخوان المسلمين في الشارع، اوضح عودة ان اعضاء الجماعة »المحظورة« تحاول استثمار حالة التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية لزيادة معدل النفوذ السياسي والشعبي للجماعة، لاسيما بعد خفوت تاثيرها بسبب التضييق السياسي والملاحقات الامنية لقياداتها، متوقعاً ان تسعي الجماعة في المرحلة المقبلة لاستغلال تلك القضايا القومية لخدمة بعض اغراضها السياسية.

علي الجانب الاخر اوضح الدكتور محمد حبيب، النائب الاول للمرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين، ان الحصار الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني الذي يرمي الي كسر شوكة المقاومة الاسلامية من شانه الزام جميع الشعوب العربية والاسلامية بالتظاهر والغضب للتعبير عن رفض السياسات الانتقائية الدولية في المنطقة، خاصة لما تتمتع به القضية الفلسطينية من شعبية عارمة في الوطن العربي.

وأعلن عن تشكيل لجنة شعبية برئاسته تضم برلمانيين ونقابيين وحزبيين واعضاء حركات شعبية ومختلف القوي الوطنية في المجتمع لبحث وتنسيق ما يتعلق بحشد القوي الشعبية والوقفات الاحتجاجية التي تشهدها الجمهورية خلال الايام القادمة.. ونفي حبيب وجود تربيطات دولية بين جماعة الاخوان وحركة حماس لاستغلال التاثير الشعبي كقوة ضاغطة علي المجتمع الدولي، معلناً عن سعي اللجنة الي جمع تبرعات مالية وعينية لاغاثة المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة. وتعقيباً علي امكانية تصعيد الاجراءت الامنية تجاه التحركات الشعبية ومن ثم الاضرار بالمصالح القومية بين مصر وفلسطين، اكد النائب الاول للمرشد العام للاخوان المسلمين، ان النظام في مصر يتعامل مع الغضب الشعبي الوطني بصورة انتقامية تسهم في تصعيد حدة الاحتقانات الشعبية وتزيد الوضع تأزماً، معرباً عن أمله في اتخاذ قرارات فوقية تتجاوز مرحلة تقديم المعونات والاغاثات وتسعي لمحاولة فك الحصار عن الشعب الفلسطيني وتخفيف الضغوط الدولية علي حركة المقاومة الاسلامية »حماس«.

ومن جانبه اوضح الدكتور عمار علي حسن، خبير الحركات الاسلامية ورئيس مركز دراسات الشرق الاوسط، ان المشهد الشعبي المحتقن الذي اجتاح محافظات الجمهورية من ادناها الي اقصاها لم يقتصر علي الاخوان المسلمين، وانما جاء تصدرهم للمشهد السياسي الملتهب لان الجماعة المحظورة تعبر عن فصيل معبأ سياسياً ومعارض ولديه حساسية خاصة لما يحدث في غزة، فضلاً عن قدرته المنضبطة علي الحشد والتنظيم الشعبي.

وأرجع تبعات تصاعد الاوضاع في غزة علي النظام المصري، مؤكداً هذا النظام عجز عن استيعاب بوادر الازمة قبل الانفجار، حيث توافرت معلومات عقب مؤتمر »انابوليس« تؤكد ان اسرائيل تخطو نحو اجتياح وحصار قطاع غزة وما يترتب علي ذلك من انفجار الاوضاع في فلسطين، فضلاً عن عدم اتخاذ خطوات استباقية وارتخاء المساعي الدبلوماسية وعدم اجراء اتصالات مكثفة مع الاتحاد الاوروبي ــ الجهة المشرفة علي اتفاق معبر رفح ــ وذلك لمنع تدهور الوضع الامني والمعيشي في فلسطين، والذي من شأنه تهديد استقرار الامن القومي في مصر، وأضاف ان الحكومة عجزت عن قراءة مستقبل الازمة وافتقدت آليات احتوائها ــ علي حد تعبيره ــ، مما ساهم في تأجيج الغضب الشعبي واندلاع المظاهرات.

وحول تصاعد وتيرة الاستعدادات الامنية تجاه المظاهرات الشعبية اوضح خبير الحركات الاسلامية ان النظام يخشي استعادة المواطنين لمهارات فن التظاهر، فضلا عن امكانية تحويل المظاهرات حيال قضايا داخلية الي مظاهرات احتجاجية لقضايا محلية تتصاعد وتيرتها ضد النظام الحاكم، ولاسيما بعد ان اتضح للنظام ان المتظاهر المصري يربط بين القضايا الخارجية وانعكاساتها الداخلية.