التصدي لجرائم التعذيب‮.. ‬مشكلة تعريف أم تفعيل؟

هبة الشرقاوي:   أعلنت كندا منذ أيام ادراج مصر ضمن قائمة الدول التي يواجه فيها السجناء خطر التعرض للتعذيب ، ورغم اعتذار ماكسيم بيرنييه وزير الخارجية الكندي عن الحرج الذي...

هبة الشرقاوي:

أعلنت كندا منذ أيام ادراج مصر ضمن قائمة الدول التي يواجه فيها السجناء خطر التعرض للتعذيب ، ورغم اعتذار ماكسيم بيرنييه وزير الخارجية الكندي عن الحرج الذي سببه الكشف العلني لقائمة هذه الدول الا أن ما حدث أعاد طرح قضية التعذيب في مصر وما يثار حول وجود أوجه قصور عديدة في قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية فيما يخص جرائم التعذيب والمعاملة القاسية واحتجاز وحبس المواطنين دون وجه حق، خاصة ان القضية باتت تمس سمعة مصر في المحافل الدولية مما استدعي تقدم البعض بمشاريع قانون في هذا الشأن .


في البداية أشار النائب الاخواني حسين ابراهيم ، الذي تقدم بمشروع قانون بهذا الشأن ، إلي خطورة السجل المصري في قضايا التعذيب علي سمعة مصر الخارجية وأوضح أن مشروع القانون الذي اقترحه يهدف الي تغليظ العقوبة علي التعذيب مما يردع رجال الشرطة كخطوة أولية لا غني عنها لبدء اصلاح الاوضاع داخل الاقسام والسجون. أما الخطوة الأخري التي لا تقل أهمية من وجهة نظر ابراهيم فهي ضرورة اعادة تعريف مفهوم التعذيب في قانون العقوبات ليصبح متوافقا مع تعريفه في الاتفاقيات الدولية ، ويشير إلي ضرورة اضافة فقرة جديدة للمادة 126 من قانون العقوبات تتضمن تفصيلاً لجميع أشكال التعذيب ، وكذلك الغاء »القصد الخاص« الوارد بهذه المادة والذي يجعل تعريف التعذيب قاصرا فقط علي الممارسات العنيفة التي تمارس لحمل المتهم علي الاعتراف ، أما الحالات الأخري مثل حالات استخدام العنف ضد شخص ما بغرض الحصول علي معلومات أوكعقاب له علي عمل ارتكبه _ أويشتبه في أنه ارتكبه - أومحاولة تخويفه أوتخويف أشخاص آخرين بغرض حملهم علي تسليم أنفسهم لأي غرض آخر ، فكل هذه الحالات لا تعتبر تعذيبا حسب نصوص قانون العقوبات.

ويضيف ابراهيم أن مشروع القانون المقترح استهدف أيضا معاقبة الشركاء الذين سهلوا ارتكاب جريمة التعذيب أوالموافقة عليها ، كما تضمن تشديد العقوبة بجعل الحد الأدني لها خمس سنوات مع الشغل أوعقوبة القتل العمد في حالة اذا ما توفي المجني عليه. وتضمن مشروع القانون كذلك عدم جواز استعمال الرأفة أوالظروف المخففة مع مقترفي هذه الجريمة وتضمنت التعديلات كذلك تعديل المادة 280 من قانون العقوبات والخاصة بالقبض علي الأشخاص أوحبسهم دون أمر الجهات المختصة كما تتضمن تعديل المادة 63 إجراءات جنائية والمادة 232 إجراءات بحيث يتم السماح للمجني عليه أوأهله برفع الدعوي مباشرة في قضايا التعذيب أواستعمال القسوة أوحبس المواطنين دون سند من القانون وكانت هذه المادة قبل التعديل تجعل النيابة العامة وحدها هي المختصة بذلك .


واتفق محمد زارع ، رئيس المنظمة العربية للاصلاح الجنائي مع »ابراهيم« علي ضرورة تعديل مواد قانون العقوبات التي تصف وتعاقب التعذيب ، وأكد أن القانون المصري لا يرعي التعذيب ، مدللا علي ذلك بان الضابط الذي يكتشف انه قام بالتعذيب ويقدم للمحاكمة يتخلي عنه مديروه ووزارته ، وأرجع زارع ظاهرة التعذيب لضعف امكانيات جهاز الشرطة في ضبط الجرائم ، مؤكدا ان دوافع الضباط انفسهم لارتكاب العنف تحمل اطاراً نفسيا واجتماعيا يجعلهم يشعرون داخليا بتقديمهم شيئا جليلا بدافع العثور علي مجرم اوارجاع حق مجني عليه اوتأديب الجاني اوحتي محاولة للوصول


وعلي الجانب الآخر اعترض المستشار عمر الشريف مستشار وزير العدل علي مشروع القانون مؤكدا ان التعديل الجديد يتعارض مع المادة 63 من قانون العقوبات التي تنص علي انه " لاجريمة اذا وقع الفعل من موظف اميري في الحوال الاتية :اذا ارتكب الفعل تنفيذا لامر صادر اليه من رئيس وجبت عليه اطاعته أواعتقد انها واجب عليه ، أواذا حسنت نيته وارتكب فعلا تنفيذا لما امرت به القوانين اوما اعتقد ان اجراءه من اختصاصه " ، فكيف يتسق ذلك مع مشروع القانون المقدم الذي تنص المادة 126 منه علي " أي موظف اومستخدم عمومي امر بالتعذيب لمتهم اوفعل ذلك بنفسه لحمله علي الاعتراف يعاقب بالاشغال الشاقة اوالسجن من ثلاث سنوات الي عشر سنوات واذا مات حكم عليه بعقوبة القتل العمد كما وصف القوانين المصرية بانها تحمي المواطن ايا كان وتعاقب أي فرد مهما بلغت وظيفته.


ورفض عادل مكي ، رئيس جمعية مساعدة السجناء ، الاكتفاء بتعديل المادة 126 من قانون العقوبات ، مؤكداً انه _ حتي اذا أقرت هذه المادة _ فان أي فرد لا يستطيع ان يشكوضابطا اويحيله الي الجنايات بدون اذن النائب العام في الوقت الذي يستطيع فيه أي مواطن ان يرفع دعوي ضد أي وزير!!


ويري مكي ان تعديل القوانين ليس هوالحل، بل تفعيلها هوالاهم، مشيرا الي ان الحكومة صدقت علي الاتفاقية الدولية لمناهضة جميع أشكال التعذيب بتاريخ 25 يناير 1986 ونشرت في الجريدة الرسمية بتاريخ 7 يناير 1988 علي أن يعمل بها اعتبارا من 15 يوليو1986 وصدق عليها مجلس الشعب إلا أن القضاء المصري لا يعترف بها ، رغم ان الدستور يؤكد أن الاتفاقيات التي تم التصديق عليها تعامل معاملة القوانين الداخلية، وبالفعل فإن أحكام هذه الاتفاقية كافية - في حالة تفعيلها - لردع أي تجاوز ، لان المادة الاولي منها عرفت العنف واشكاله وعقوباته عكس المادة 126 من قانون العقوبات التي لا تقدم تعريفا للتعذيب فهي فقط تواجه حالة التعذيب الواقع علي متهم بقصد حمله علي الاعتراف ، أما إن وقع التعذيب من موظف عمومي - وفقا لمفهوم المادة 126 - علي غير المتهم أوعلي المتهم بقصد إجباره علي الاعتراف فإن ذلك لا يعد تعذيبا بل مجرد جريمة استعمال قسوة وتخضع للمادة 129 عقوبات .


ويقول مكي: المشكلة أن العقوبات المنصوص عليها في هذه المادة الأخيرة هزيلة للغاية وغير رادعة ، أما جريمة التعذيب بالتعديات البدنية الواردة في المادة 282 عقوبات - والتي ترتفع بالعقوبة إلي مصاف الجنايات إذا ما وقع القبض بدون وجه حق مصحوبا بالتهديد بالقتل أوالتعذيب بالتعديات البدنية _ فهذه المادة لم تفرق بين وقوع هذه الأفعال من فرد علي فرد أوسلطة علي فرد وكان الواجب تشديد العقاب في الحالة الأخيرة لأن ممثلي السلطة يرتكبون هذه الجريمة ليس بصفتهم الشخصية بل اعتمادا علي سلطات وظيفتهم ومكانتها.


واكد محمد القطري المحامي (عميد شرطة سابق) ان ردع عمليات التعذيب لن يتحقق بالتعديلات التشريعية ، ويري القطري أن هذه التعديلات مجرد مسكن للرأي العام أمام ازدياد انكشاف عمليات التعذيب وفضحها للشارع المصري ، وأكد ان الحل الفعلي يجب أن يتمثل في تغيير سياسات وزارة الداخلية وأساليبها في الوصول الي الجاني وارغامه علي الاعتراف مشيرا الي ان هذا لا ينفي ان يعاقب المخطئ .


ويري القطري أن المشكلة الرئيسية التي يجب الاشارة اليها هي كيفية تفعيل القوانين لان كثيرا من حالات التعذيب التي رصدتها جمعيات حقوق الانسان سقطت قضائيا نتيجة تواطؤ أفراد أجهزة الامن خوفا من فضح زملائهم ، كأن يقوم مأمور القسم - علي سبيل المثال - بالإفادة بان الضابط المتهم بالتحقيق كان في تحقيق اخر وقت ارتكاب الجريمة ، فهم يحمون بعضهم بعضا ولكن من يقع منهم يقع وحده ولا يحاسب الباقون

ومن ناحيته أكد المستشار محمود مخلوف ، مساعد وزير العدل لحقوق الانسان ، ان المادة 63 يجب ان تطبق علي أي موظف الا في حالات الأمر بارتكاب التعذيب لأن هذه المادة إذا تم تفعيلها ستكون مبررا لكل قائم بالتعذيب بان يلقي بتهمته علي رئيسه اوحتي يخرج منها تحت مسمي حسن النية ، وأكد مخلوف أن القانون ليس به مشكلة ولا يحتاج الي التعديل المقدم ، مؤكداً انه لا أحد فوق القانون ، بدليل ان من يثبت عليه تهمة التعذيب يقدم للمحكمة ولكن باذن النائب العام حتي يستطيع تقنين المسالة وحرصا علي جهاز الامن الداخلي بمصر ، كما أن الاعتراف الذي يقع تحت التعذيب يعتبر باطلا قانونا ، وعن كون الدعوي لا تقبل الا من متهم اكد مخلوف ان أي شخص يتقدم للنيابة بشكوي تعرضه للتعذيب يحول للطب الشرعي ويحاكم مرتكب الجريمة اذا ثبتت .