‮»‬دبلوماسية القمح‮« .. ‬بداية انفراج نسبي‮ ‬للعلاقات بين القاهرة وطهران

أشرف فكري ـ المرسي عزت:   بعد حظر دام عشرين سنة في أعقاب أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1979، وبعد أن تولي الرئيس محمد خاتمي السلطة في إيران، وتحدث...

أشرف فكري ـ المرسي عزت:

بعد حظر دام عشرين سنة في أعقاب أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1979، وبعد أن تولي الرئيس محمد خاتمي السلطة في إيران، وتحدث في خطابه عن الشعب الأمريكى وحضارته والحوار بين الحضارات، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رفع الحظر عن المنتجات الإيرانية، فبرز حينئذ مصطلح "دبلوماسية الفستق" ، وكان هذا إيذانا بانفراج نسبي في العلاقات الأميركية الإيرانية. ورغم جودة الفستق الإيراني فى الذى تستوردة واشنطن بكميات وفيرة، فإنه لم يفتح الطريق أمام علاقات إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية، اذ تولي الجمهوريون الجدد الحكم الأمريكي في عهد جورج بوش "الابن"، وعادت العلاقات أكثر توترا، وعاد »الفستق الإيراني« ليكون عنصرا للمساومة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية من جديد، عندما لوح جورج بوش بعدم الوقوف أمام انضمام إيران لمنظمة التجارة الدولية إذا ما تخلت عن المضي في برنامجها النووي، فكان الرد الإيراني: "وهل سيقبل جورج بوش بشاحنة محملة بالفستق الإيراني الجيد مقابل تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن إنتاجها للوقود النووي"؟


واليوم .. تلوح في الأفق بوادر ظهور نوع جديد من الأساليب الدبلوماسية غير التقليدية ـ شبيه بـ"دبلوماسية الفستق" ـ وهي »دبلوماسية القمح" بين القاهرة وطهران، حيث أعلن البلدان عن اجراء مباحثات لتوريد القمح الايراني الى مصر، وهو ما اعتبره مراقبون سياسيون بمثابة "انفراجة جديدة" للعلاقات المصرية الايرانية شبه المجمدة منذ أكثر من ربع قرن.

ورغم "لافتات" التعاون في المجالات المتعددة التى رفعتها أطراف الزيارة الأولى لوزير الصناعة والثروة والمناجم الايراني على أكبر مهربيان للقاهرة مؤخرا، فإن المباحثات حول صفقة تصدير القمح الايراني الى مصر تصدرت جدول أعمال اللقاء الذي جمع بين الوزير الايرانى والمهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة. وهذه الصفقة ـ التي لم يتم بعد الاتفاق على حجمها أو قيمتها ـ تحمل من الدلالات السياسية ما هو أبعد بكثير من كونها مجرد صفقة تجارية في اطار تدشين مستوى جديد من العلاقات الاقتصادية بين البلدين.. خاصة في ظل ادراك أبعاد "العداء المزمن" بين ايران والولايات المتحدة الأمريكية ، أكبر مورد قمح لمصر.

المهدس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة.. قال في رده على سؤال لـ "المال" حول الدلالات الاقتصادية والسياسية للتحول إلى ايران كمورد للقمح:"إن استيراد القمح عملية تجارية لا تخضع للعوامل السياسية بقدر تحقيقها لمصالح الطرفين".

لكن الدكتور فخري الفقي أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية له توصيف آخر لهذه الدلالات في عبارة موجزة .. حيث يرى أن:"قرار مصر باستيراد القمح الايراني يدل علي أن المصالح الاقتصادية ـ في كثير من الأحيان ـ هي المحرك الرئيسي للعلاقات السياسية بين الدول، وأن مصلحة مصر من الناحية الاقتصادية لها أولوية قصوي لايمكن اغفالها، مشيرا الي أن هذا لا ينفي أهمية العلاقات المصرية الأمريكية، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية".

وفي نفس السياق يرى مسئول بوزارة التجارة والصناعة أن تحول ايران إلى دولة مصدرة للقمح، مع ارتفاع الاحتياجات السنوية لمصر من واردات القمح ساهم فى دفع العلاقات التجارية بين طهران والقاهرة لمربع جديد يعتمد على المصلحة المشتركة دون النظر لأى اعتبارات".

ويتابع المسئول قائلا: "ان ارتفاع أسعار القمح فى الأسواق العالمية دفع هيئة السلع التموينية إلى البحث عن اللاعبيين الجدد فى سوق تصدير القمح، ومن بينهم ايران التى أعلنت منذ سنوات عن تحقيق فائض فى انتاجها يسمح لها بالتصدير.

ويوضح الدكتور فخري الفقي أن ما يدور خلف الكواليس حول "تحريك" ملف العلاقات الاقتصادية مع الجانب الايراني يشير الي توجه جديد في منطقة الشرق الأوسط، يتعلق بزيادة فرص التعاون مع الدول التي تحقق مزايا اقتصادية، بغض النظر عن علاقات هذه الدول بالولايات المتحدة الأمريكية، الي جانب أن الاقتصاد الأمريكي يمر حاليا بأزمة انخفاض سعر صرف الدولار أمام اليورو، مع صعود متزايد لدولة الصين، وأفول نجم الرئيس الأمريكي جورج بوش. وكل ذلك حرك المياه الراكدة، وأعطي مساحة من الحرية للدول التي تتعامل مع ايران.

أضاف الفقي ان من ضمن الأسباب التي دفعت الجانب المصري الي استيراد القمح من ايران، استخدام الجانب الأمريكي لمصادر جديدة لتوليد الطاقة، ومنها استخدام الطاقة الحيوية المستخرجة من الحبوب، سواء القمح أو فول الصويا، مما أدي الي ارتفاع الأسعار العالمية لهذه المنتجات، حيث ارتفع سعر طن القمح الى 400 دولار، بعد ان كان لا يتعدي 150 دولارا، الأمر الذي تتحمل أعباءه موازنة الدولة، وهو ما يشير الى أهمية استخدام مصادر بديلة لاستيراد الأقماح، يمكنها أن تقلل من الأموال المطلوب ضخها للاستيراد.. ومن هنا كان الاتجاه الي استيراد الأقماح من مصادر متعددة، مثل اوزبكستان وايران، الي جانب المصادر التقليدية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكندا وروسيا واستراليا.


من جانبه.. أوضح محمد عبد الفضيل ـ أحد كبار مستوردي القمح المحليين ـ أن فتح باب استيراد الأقماح من ايران سيؤدي الى انخفاض أسعار الأقماح الأخرى المستوردة من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا، مشيرا الى أن القمح الايرني أقل سعرا من الأقماح الأخرى بقيمة تصل الى 5 دولارات بالطن في المتوسط، مشيرا الى أن دولا مثل المملكة العربية السعودية والهند وقطر والامارات العربية المتحدة تستورد القمح الايراني، الأمر الذي يؤكد أن القمح الايراني من الأقماح المشهورة عالميا بجودتها.


أضاف عبد الفضيل أن الهدف من قرار فتح باب استيراد القمح من ايران هو المزيد من تنويع الأسواق المصدرة للأقماح الى السوق المحلية، مما ينعكس ـ بالتبعية ـ علي انخفاض الأسعار. وقال:"ان زيادة عدد الدول المصدرة للقمح الى السوق المحلية يقلل من الأسعار بصورة كبيرة، الأمر الذي ينعكس ايجابيا علي تقليل فاتورة الدعم المقدمة من الحكومة لاستيراد الأقماح".


وأشار عبد الفضيل الي أن المهندس رشيد اتخذ أسلوبا جديدا لم يكن متبعا من قبل في استيراد الأقماح. ويقوم هذا الاسلوب على استيراد الأقماح الأرخص سعرا عند وصولها للمواني المصرية، وليست الأرخص عند الشحن مثلما كان متبعا قبل ذلك، حيث كانت هيئة السلع التموينية تقوم باستيراد الأقماح من الدول الأرخص سعرا عند الشحن، ولم تكن تضع في اعتبارها سعر النولون، والذي كان السبب الرئيسي لارتفاع أسعار الأقماح المستوردة. ودلل علي ذلك بأن القمح الأمريكي هو الأرخص علي مستوى العالم عند الشحن، أوبمعنى أدق "سعره علي ظهر المركب"، الا أن أسعاره ترتفع عند وصول الشحنات الى الموانى، بسبب ارتفاع أسعار النولون.


ونبه عبد الفضيل الي نقطة مهمة، وهي ضرورة استيراد القمح الايراني من خلال موانى السويس وسفاجا، لتوفير ما قيمته 10 دولارات للطن أقل من الاستيراد عن طريق ميناء الاسكندرية مرورا بقناة السويس، وهو فرق سعر "النولون". وتوقع عبد الفضيل أن تتسابق الدول المصدرة للقمح الى السوق المصرية في عرض أقماحها بأسعار أقل من المعروضة حاليا، والا انخفضت كمياتها التصديرية للسوق المصرية التي تعد أكبر مستورد للقمح في العالم، بكمية تصل الى 6 ملايين طن سنويا. وأوضح أن الفترة المقبلة ستشهد تخفيضا في أسعار القمح المستورد. ومن المقرر ان يقوم نائب وزير التجارة الايرانى بزيارة للقاهرة خلال الأسابيع القادمة، لاستكمال المحادثات حول استيراد صفقة القمح، وحسم النقاط الخاصة بكمياتها وأسعار التوريد.


كان المهندس رشيد محمد رشيد قد أكد أن هناك اطارا عاما للتعاون التجاري والاقتصادي بين القاهرة وطهران، تتم مناقشته حاليا مع الجانب الايراني، من أجل دفع وتطوير علاقات التعاون التجاري بين البلدين، وتشجيع المستثمرين ورجال الأعمال خلال المرحلة المقبلة.


الجدير بالذكر أن منظمات الأعمال في مصر تسعى بالفعل ـ منذ فترة ـ إلى تفعيل التعاون الاقتصادي والتجاري مع إيران، الأمر الذي انعكس في تشكيل مجلس رجال أعمال مشترك، مهمته النهوض بالعلاقات بين القطاع الخاص في البلدين، ويضم في عضويته رسميين من الجانبين، إضافة إلى البحث في إقامة منطقة تجارة حرة يمكن الاستفادة منها في تدعيم التبادل التجاري.


كما اجتمع مسئولون عن منظمات الأعمال، لتقويم العلاقات المشتركة، وذلك بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على زيارة وفد تجاري مصري لطهران هو الأكبر من نوعه منذ عام 1979 (في 17 نوفمبر عام 2000) برئاسة خالد أبو اسماعيل رئيس اتحاد الغرف التجارية، وضم الوفد 40 من كبار رجال الأعمال، والتقى هذا الوفد مع حسين غازيه وزير الاقتصاد والتجارة ـ في ذلك الوقت ـ وتم التوصل الى إبرام اتفاق تجاري لتنظيم العلاقات بين رجال الأعمال في البلدين.

ومؤخرا .. أعلن خالد أبواسماعيل عن توقيع اتفاقية بين مصر وإيران لإنشاء مجلس مشترك لرجال الأعمال، بهدف دعم العلاقات الاقتصادية والتجارية. وصرح رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية على هامش مؤتمر الاستثمار الإسلامي بشرم الشيخ، بأن المجلس سيعقد أول اجتماعاته خلال شهرين وذلك بعد الانتهاء من تشكيل كل جانب لأعضائه، ووضع اللوائح الداخلية. وأكد أن المجلس سيسعى إلى استعادة قوة الدفع الاقتصادية بين البلدين.