التجربة التركية لن تتكرر في مصر

حسن الزوام:   جاء فوز حزب "العدالة والتنمية" بالانتخابات التركية للمرة الثانية علي التوالي، بحصوله علي %47 من أصوات الناخبين ليجدد التساؤلات الكلاسيكية حول مدي إمكانية تكرار تجربة صعود ت

حسن الزوام:

جاء فوز حزب "العدالة والتنمية" بالانتخابات التركية للمرة الثانية علي التوالي، بحصوله علي %47 من أصوات الناخبين ليجدد التساؤلات الكلاسيكية حول مدي إمكانية تكرار تجربة صعود تيار الاسلام السياسي في مصر؟ ومدي قدرة هذا التيار علي التعامل في مناخ سياسي علماني؟ وهي التساؤلات التي ووجهت بردود واقعية صادمة حول استحالة تكرار التجربة، ليس لأسباب تتعلق بحال جماعات الاسلام السياسي في مصر، أو طبيعة الحالة التركية فقط، ولكن لافتقاد الواقع السياسي المصري جميع عناصر حرية الاختيار، وتراجع الممارسة الديمقراطية علي النحو الذي أفرزته انتخابات مجلس الشوري الاخيرة، الأمر الذي وصل الي حد اعتبار تكرار التجربة التركية في مصر -سواء فيما يتعلق بالتيار الاسلامي أو غيره أقرب الي "أفلام الخيال العلمي".


الدكتور أشرف عبد الغفار عضو مجلس نقابة الأطباء والكادر الاخواني الخبير بالشئون التركية.. يؤكد أن الأزمة ليست في تعامل الجماعة مع المناخ العلماني من عدمه، ويعتبر أن ما حدث في تركيا ليس وليد نشاط حزب العدالة بقدر ما هو ناتج عن مناخ الحرية الذي تتمتع به الحياة السياسية في تركيا، والتي وفرت لجميع التيارات السياسية حق التحرك، واحتكمت في النهاية الي انتخابات نزيهة ونظيفة خالية نهائيا من تدخلات الأمن أو تزوير إرادة الناخبين.

وأضاف عبد الغفار ان الشعب التركي اختار حزب العدالة ليس باعتباره حزبا اسلاميا فقط، ولكن لنجاحه في تحسين حياة الأتراك.


واشار الي أن الشعب التركي ليس متدينا بطبعه، وأنه تعرض لضغوط كثيرة من العلمانيين باعتبار أن الدين الاسلامي دين تخلف ورجعية، علي عكس الشعب المصري المتدين بطبعه -علي حد وصفه- مؤكدا أن ما حدث استند إلي توفيرحرية الحركة لجميع الأحزاب والتيارات وترك الامر النهائي للناخب.


وعلي الرغم من صعوبة مقارنة الحالتين المصرية والتركية.. فأن عبد الغفار يستبعد إمكانية تكرار التجربة بوصول جماعات الاسلام السياسي وفي مقدمتهم الاخوان المسلمين الي السلطة، في ظل النظام الانتخابي الحالي الذي تخوض فيه المعارضة الانتخابات وهي علي يقين تام بأنها خاسرة مسبقا، بل خاصة في اعقاب التعديلات الدستورية الاخيرة.


ونفي عضو مجلس نقابة أطباء مصر وجود أي ارتباط تنظيمي بين الاخوان في مصر وحزب العدالة في تركيا وسابقه الرفاة برئاسة أربكان.


واشار الي أن صعود تيار الاسلام السياسي في المنطقة مرجعه فساد الايديولوجيات الأخري التي أدت الي تفكك المجتمع مثل العلمانية المفرطة، او نتيجة الضغوط الامريكية علي الاسلاميين الامر واجهه الناخبون بالعكس عبر منح أصواتهم للاسلاميين، وهو ما حدث في تركيا وفلسطين ومع الاخوان الذين حصلوا علي 88 مقعد نيابيا.


من جانبه قال الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية بالأهرام: إن حزب العدالة في تركيا استطاع أن يحول الحلم الأيديولوجي والمشروع الإسلامي إلي فكر معاش علي أرض الواقع، ولم يضع الحزب أفكارا سياسية فقط، بل أنزلها إلي الأرض ومن ذلك (حقوق الأقليات _ الديمقراطية _ حقوق الإنسان _ دخول الاتحاد الأوروبي) فقد نجح الحزب في ترجمة الشعارات إلي مفاهيم تطبق علي أرض الواقع"، بالاضافة الي نجاحه في التعامل مع الاتحاد الأوروبي، من خلال تغيير %80 من النظام السياسي التركي وقوانينه حتي تكون أكثر انسجاما مع الغرب.


وحول الوضع المصري ومدي صحة المقارنة بينه وبين التجربة التركية، فقال: إن الوضع مختلف تماما في تركيا، فالأمر غير واضح في مصر حول ما يحكمها، هل هو الإسلام أم غير ذلك، والنظام غير مبني علي قواعد مؤسسيه، الي جانب أن الصراع بين التيار الإسلامي والعلماني يأخذ شكل صراع سياسي حيث تم قبول التيار الإسلامي كحزب سياسي وكجزء من النظام، أما في مصر فالوضع يتسم بالمواربة، فلا يوجد وضوح وليس هناك صراع سياسي، بل هناك حيز سياسي مقلق بين الإخوان والنظام، ففي التجربة التركية نستطيع أن نعرف قواعد اللعبة السياسية.. أما هنا في مصر فلا توجد قواعد أصلا، الي جانب رغبة تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي- وهي حالة خاصة بها- وبالتالي فهم يتعاملون مع الغرب وضغوطه بنظرة تختلف تماما عن مصر.

وأضاف ان التجربة التركية تمتعت بدرجة عالية من التحول والتطور والتأثر والتأثير بالواقع منذ 30 سنة وحتي الآن، بما يعني أن شكل الحركة السياسية يمثل إضافة جديدة للجماعة، نظير تراجع مصري في الحريات، مما يجعل تكرار التجربة التركية في مصر شبه مستحيل.

أما الدكتور ضياء رشوان الخبير بجماعات الاسلام السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فاعتبر التساؤل حول إمكانية تكرار التجربة التركيةفي مصر نوعا من انواع "العبث"، بسبب تردي احوال الممارسة السياسية في مصر.

واشار الي أنه مهما اجتهد الاخوان كنظير لحزب العدالة التركي فإنهم وفقا للأحوال الحالية لن يصلوا للسلطة وخاصة بعد تعديلات الدستور وصياغة قانوني مجلسي الشعب والشوري القادمين وتحديدطريقة الانتخابات "بالقائمة أو بالنظام الفردي او بالمزج بينهما"، ليغلق الباب بالضبة والمفتاح -علي حد تعبيره- أمام الإخوان.

وأضاف رشوان أن الفارق الذي يجعل القياس مستحيلا بين الحالتين هو أن تركيا دولة تبتعد عن الاستبداد ومصر تتراجع عن الاصلاحات المحدودة التي أفرزت انتخابات جيدة في حدها الادني عامي 2000 و 2005.

ويشدد رشوان علي الخصوصية الشديدة للحالة التركية بين دول العالم الاسلامي من مشرقه الي مغربه فيما يتعلق بكونها دولة علمانية، وبالنظر الي الطابع القومي التركي، والطريقة التعسفية في التحول الي دولة علمانية في سيناريو غير قابل للتكرار، ولم يحدث من قبل في أي دولة اسلامية، وبالتالي فالحديث عن "ماذا لو خاض الاخوان المعركة السياسية في مناخ علماني" غير منطقي لاستحالة تحول مصر الي العلمانية، التي تتدرج ما بين التطرف في النموذج الفرنسي الذي يعتمد علي الدمج القسري للأقليات والعرقيات وبين النموذج البريطاني الذي يرمي اليه حزب العدالة الذي يعتمد علي الدمج مع الاحتفاظ بالخصائص الثقافية، وكلا النموذجين غير متوفرين في أي من الدول العربية أو الاسلامية في العالم، معتبرا أن السؤال الأبرز في مواجهة الحدث التركي، هو : هل تستطيع الدولة المصرية التحول الي النموذج الديمقراطي التركي وتغيير أطر الممارسة السياسية فيها وفقا لقواعد العدل والشفافية والنزاهة أم لأ؟