نجــاح الگتاب يبدأ من الغــلاف

  كتبت - ميادة الدمرداش:   نادرا ما ينتبه القراء " لغلاف الكتاب" باعتباره عملا ابداعيا في حد ذاته، فكثيرون يعتبرونه مجرد مدخل هامشي للكتاب وربما ساهم في تعميم هذه...


كتبت - ميادة الدمرداش:

نادرا ما ينتبه القراء " لغلاف الكتاب" باعتباره عملا ابداعيا في حد ذاته، فكثيرون يعتبرونه مجرد مدخل هامشي للكتاب وربما ساهم في تعميم هذه النظرة السلبية بساطة الوعي التشكيلي الشعبي وإهمال المؤسسات الثقافية المصرية لهذا الفن المعتني به عالميا والذي تقام له مئات المسابقات والمعارض والفصول الدراسية حول العالم.

التقينا بمجموعة من فناني الغلاف والمهتمين به لإلقاء الضوء علي تاريخ هذا الفن وتقنياته وماضيه وحاضره.

في البداية اكد الفنان جمال قطب انه لايوجد في مصر الآن ما يمكن تسميته بفن الغلاف، والموجود الآن صناعة الغلاف، فاي شخص لديه جهاز كمبيوتر يستطيع ان يصنع غلافا، اما الفن القديم فقد اندثر بسبب الاستسهال والاعتماد علي التقنيات الحديثة.

وعن التقنية التي كان يستخدمها في رسم الاغلفة المختلفة قال : كنت اراعي في كتب الاطفال ان يكون الغلاف بسيطا ومبهرا واحاول ان استدعي روح الطفل بداخلي لاكون قريبا من جمهور هذه الكتب. فرسم كتب الاطفال يختلف عن رسم أغلفة المجلات التي كانت تصدر قديما في طبعات مشابهة جدا لطبعات الكتب ونادرا ما كانت تستخدم فيها الفوتوغرافيا.

واشار قطب الي ضرورة تخصيص قسم لتدريس فن الغلاف في كليات الفنون حتي لا يندثر هذا الفن، للعمل علي تطويره والنهوض به.

ويحكي الفنان عدلي رزق الله ذكرياته مع رسم الغلاف قائلا: أغلفة الأعمال الاولي لمعظم كتاب جيل الستينيات كانت من تصميمي، قدمتها هدايا لهؤلاء الاصدقاء تقديرا مني لإبداعهم ولصداقيتنا المشتركة، فرسمت مثلا »بحيرة المساء« لابراهيم اصلان و»الحداد« ليوسف القعيد وديوان »صياد وجنية« لسيد حجاب و»اوراق شاب عاش منذ الف عام« لجمال الغيطاني، واذكر ان الغيطاني قدم لي هذه المجموعة القصصية لاقرأها وأبدي رأيي فيها متمنيا ان ارسم له غلافها ولكنه لم يصارحني بتلك الامنية نتيجة دماثته، وقد رسمت غلاف المجموعة بالفعل وفاجأته به اثناء ردي للكتاب بعد قراءته.

وعن الاغلفة التي رسمها ولم يصادفها الحظ للنشر أوضح رزق الله أن الغلاف الاول لكتاب الاديب عبد الفتاح الجمل (الخط والقوس) وقد اضاعه الجمل بعد ان سلمه اليه مرسوما ورفض ان يعيد تنفيذه اعتراضا علي إهمال صديقه، اما الغلاف الثاني والذي يعتبر رزق الله ان لعنة اصابته فهو الخاص بكتاب ( ايام الإنسان السبعة ) لعبد الحكيم قاسم.

واوضح انه لا يغضب من بعض الذين يقتبسون اعماله ويطبعونها علي اغلفة كتبهم دون علمه فهذا يشعره بالسعادة لان هناك أناساً يعتبرون ابداعه شيئاً يخصهم وبالتالي هم احرار بالتصرف فيه، موضحا انه يعتبر رسم الغلاف إحدي هواياته،فهو لايرسم إلا الاعمال التي ينفعل بها فقط، حيث يقرأ النص ويترك نفسه ليعيد انتاجه تشكيليا بعد مدة طويلة او قصيرة واحيانا لا يرسم لعدم توحده مع الكتاب.

أما الناقد التشكيلي حسن عثمان فيمر سريعا علي تاريخ صناعة الغلاف في مصر، موضحا ان الغلاف الفني ظهر في مصر قبل قيام الثورة بعدة سنوات وكان مقصوراً علي الاعمال الادبية واعتمد تصميمه - آنذاك - علي وضع صورة الاديب علي الغلاف واللعب بفنون الخط العربي لكتابة اسم المؤلف وعنوان النص.

وأكد ان تلك الفترة لم تشهد ظهور انواع اخري من الكتب العلمية او النقدية وانما فقط الكتب الادبية والمدرسية بل ان هذه الاخيرة ليس لها اغلفة بالمعني الدقيق وكانت رديئة الطباعة، مشيرا الي انه بعد قيام الثورة ازدادت الامور سوءا بزيادة رغبة المسئولين في خفض النفقات العامة حيث صدرت اوامر بطبع الكتب علي اختلاف انواعها بمطابع "الروتاتيف" وهي المطابع الخاصة بطباعة الصحف وتعتمد علي خامات حبر رخيصة وورق قليل السمك فانعدم الفارق بين نوع الورق المستخدم داخل محتوي الكتاب وورق الغلاف.

ومع ظهور دورالنشر المصرية فيما بعد مثل دار القلم والمعارف وهيئة الكتاب اخذت صناعة الغلاف في التحسن وصار هنالك منافسة واضحة بين دورالنشر لتحسين مطبوعاتها بشكل عام واغلفتها بشكل خاص، موضحا ان حسين بيكار ومحمد لبيب كانا من اوائل رواد فن الغلاف وساهما كثيرا في تطوره.

واضاف ان مصممي الأغلفة اعتمدوا علي الاستفادة من التجارب الفنية في اوروبا وامريكا ومعرض فرانكفورت الدولي للكتاب وكان سيلتهم لتحقيق هذا الهدف، حيث كانت الحكومة المصرية ترسل سنويا وفداً من فنانيها ومثقفيها لحضور المعرض الكبير الذي تتجمع فيه ابداعات وكتب مئات الدول الاخري. علاوة علي ذلك كان معرض القاهرة الدولي للكتاب فرصة ـ فيما بعد ـ للاطلاع علي آخر ما وصل اليه فن تصميم الاغلفة.

وعن تصميم الاغلفة في الوقت الراهن اوضح عثمان ان الطباعة الحالية للاغلفة المصرية تتم علي ماكينات "الاوفست " ذات الامكانيات الكبيرة فهي مصممة لطباعة من ثلاثة الي اربعة الوان في الورقة الواحدة، مشيرا الي ان انتشار الاتجاهات الحديثة في الفن ادي حاليا لظهور مستويات فنية اعلي في تصميمات الاغلفة الا ان عملية صناعة الغلاف لا تحكمها فقط موهبة الفنان المصمم بل هناك عوامل اخري ادت الي تاخير وصول صناعة الغلاف في مصر الي المستوي المطلوب ربما من اهم تلك العوامل ربحية الناشر، فاغلب الناشرين يسعون لطرح كتبهم في الاسواق باغلفة جذابة ولكنها في الوقت نفسه تجارية اقتصادية بسيطة التكلفة، مما يحد من انطلاق مخيلة الفنان ويحبطه ويحوله من مبدع الي موظف

واضاف عثمان : من العوامل الاخري التي ادت الي تاخر ازدهار فن الغلاف المصري بساطة الوعي التشكيلي والثقافي لدي معظم الجمهور، وبالتالي جاءت اغلب تصميمات الاغلفة سطحية، موضحة لمحتوي الكتاب لا تحمل ابعادا رمزية او تحفيزا ذهنيا للمتلقي.

واشار عثمان الي ان الكتب ذات الغلاف المتكامل اي الغلاف جيد الطباعة والورق والتصميم نادرة ومقصورة علي اكبر الكتاب وليس كبارهم مثل ثروت عكاشة ونجيب محفوظ وغالبا ما تكون تلك الكتب ممولة من ناشر خليجي ليس لديه حد ادني لتكلفة الكتاب ككل. وعاب عثمان علي الوسط الثقافي المصري افتقاره للمسابقات والمعارض الخاصة بفن الغلاف واعتبار هذا الفن مجرد مكمل لاحدي السلع الثقافية، وليس فرعا ثقافيا قائما بذاته، مشددا علي ضرورة العناية بتصميم اغلفة الكتب المدرسية ايضا لتنمية الذوق الفني في نفوس الاجيال القادمة وتدارك الفجوة الحالية بين كبار السن من المصريين والفنون والثقافة بشكل عام وعدم اقبالهم او فهمهم لها، واشار الي الفارق الكبير الذي يلاحظه جميع المعنيين بالثقافة بين اغلفة الكتب المصرية الصادرة بالعربية والاخري المترجمة عنها فالاخيرة تكون ذات مستوي افضل مراعاة لذوق المتلقي الغربي ولاتاحة فرص اكبر لتسويق الكتاب.

ومن جهة اخري اكد الناشر محمد هاشم ان الغلاف هو عنوان دار النشر فهو بمثابة العلامة التجارية لها اذا صح التعبير، وعادة ما يحرص الناشر بالاتفاق مع مصمم اغلفته علي صنع روح مميزة وخاصة جدا لاغلفة الكتب الصادرة عنه، حتي يصنع لنفسه شكلا يميزه في الساحتين الثقافية والتجارية، وحتي يسهل علي المتلقي او القارئ تمييز اصداراته من بين الاصدارات الاخري الخاصة بباقي دور النشر، وقال انه من المحزن لجوء بعض الدور وبكثرة حاليا لتقليد الطابع العام لاغلفة دور اخري مما يؤدي الي محو شخصية الطرفين بعكس ما يتصوره البعض من ان تكرار او تقليد اغلفة دار ناجحة قد يضمن النجاح للاخري المقلدة بل ربما يساهم في هبوط اسهمها علاوة علي موقف الدار الاصلية المنقول عنها.

واوضح هاشم انه من الافضل ان يكون لكل دار مصممها الخاص بها لان التعامل مع نفس المصمم من قبل اكثر من دار يؤدي لاختلاط الهويات الا اذا كان الناشر لديه رؤية خاصة واضحة حول ما يجب ان يكون عليه الطابع العام لاغلفته.