يسألونك عن CIFC - مصر؟ (2)

يسألونك عن CIFC - مصر؟ (2)
محمد بكري

محمد بكري

7:02 ص, الأحد, 2 أبريل 23

عرضت، فى المقال السابق، الإطار العام للمراكز المالية الدولية IFCs، وأهميتها لصناعة المال العالمى ودورها فى تنمية اقتصاد الدول، من خلال منظومة متكاملة ومتوافقة من القواعد المالية والقانونية والمصرفية، التى تُعامل صناعة المال كمنتجات تدعم التدفقات الاستثمارية من وإلى خارج الدول المؤسس بها هذه المراكز، بحيث تتم إعادة توزيع هذه المنتجات وتصديرها إلى العالم، وبما تساعده حركة المال من خلال أنشطة هذه الـIFCs فى تنمية اقتصاد هذه الدول، ورفع ناتجها المحلى القومي، وخلق فرص العمل وتنمية المشروعات، وربط هذه الدول بالأسواق العالمية.

وبخلاف IFCs الأصلية بلندن ونيويورك وهونج كونج وباريس وشتوتجارت، نجد أن هذه المراكز ساهمت بصورة مؤثرة فى تطوير الاقتصاد بالإمارات، ورواندا، والمغرب، والدوحة، وربطه بصناعة المال العالمية. من هنا كان من الطبيعى أن يواكب تطور الفكر المستقبلى لمصر الجديدة، أن يشمل تطوير واستحداث الأدوات والآليات الاقتصادية، التى تساعد مصر فى رحلتها نحو الجمهورية الثانية، وتمتين الخطوات المتخَذة فى تطوير البنية التحتية، رقمنة الخدمات الحكومية، التحول للشمول المالي، وغيرها من خطط التطوير، ليكون CIFC إحدى هذه الأدوات المؤثرة- ولكن ماذا سيكون CIFC مصر وفوائده؟

بدايةً، فان إضافة CIFC مصر إلى قائمة المراكز المالية العالمية ستجعل مصر إحدى محطات المعاملات والتحويلات المالية الدولية، خاصة فى أفريقيا وأوروبا، كما سيكون من الأدوات الاقتصادية القوية الداعمة لمشروعات الدولة الجديدة فى جميع أنحاء مصر. تأسيس المركز سيطلق أداة مالية مصرفية مصرية مرتبطة بالنظام المالى العالمي، لتدعيم جذب الاستثمار والمستثمرين لمصر، بما يفيد فى زيادة حجم ومعدلات الاستثمار والادخار بمصر، هذه الخطوة ستقوى تأكيد البعد الاقتصادى للجمهورية الثانية، بوجود نظام يساعد على رفع الناتج المحلى الإجمالي، وهو ما سينعكس فى تصنيف مصر الدولى كبوابة للتجارة الأفريقية وأحد محاور طريق الحرير. على صعيد آخر، وفقًا لقواعد التنمية المستدامة والمسئولية الاجتماعية للشركات، ستساهم الشركات والكيانات المالية والمصرفية العملاقة بالمدينة، فى دعم مشروعات التنمية بمصر، وخلق فرص عمل جديدة مستمدة من مشروعات الشركات داخل المدينة، والتى سيمتد تمويلها واستثماراتها داخل مصر وخارجها. كل هذه الفوائد تحتاج إلى استيعاب تجربة المراكز المالیة الدولیة على أرضها، بما یلزمها من مرونة تشريعية وضریبیة ونظم عمل وتشغیل، ویعزز من ظهور وتمكین استقرارها السیاسى والأمني، واستعدادها العملى والفعلى لدخول سوق المال العالمية، مما ینعكس على دعم تحالفاتها السیاسیة الإستراتيجية وتفعیل مشروعاتها العملاقة الجديدة، فى الطاقة والتكنولوجيا، والبيئة والزراعة والصناعة.

أيضًا فإن استضافة المركز مصادر تمويل آمنة واستثمارات ضخمة ومؤسسات مالیة عالمية، ستدعم زیادة حجم الإنتاج من خلال تنفيذ مشروعات جدیدة، والتوسع فى المشروعات القائمة، وهو أمر من شأنه خلق فرص عمل وحل مشكلة البطالة، وزیادة الصادرات، وحل مشكلة العملة الصعبة، بما يقلص التضخم ويدعم سعر صرف الجنيه المصري.

من جهة أخرى فإن ربط مفهوم وفكرة ووظيفة المركز بهدف المساعدة على رفع الناتج المحلى الإجمالى المصرى سيدعم الحكومة المصرية لتبنِّيه كمشروع وطنى يساعد على تنشيط مصر اقتصاديًّا وماليًّا، ويساعد فى رفع مستوى دخل الفرد، وهو ما سينعكس فى توجيه الحكومة الوزارات للعمل تدريجيًّا فى نظام واحد لتحقيق «رؤية 2030»، بما يجعل التعامل مع CIFC كقاطرة استثمارية اقتصادية ومالية وإستراتيجية لدعم الاقتصاد المصري، بالتنسيق مع الوزارات المختلفة.

كفوائد خاصة للعاصمة الإدارية الجديدة، فان ارتباط افتتاح العاصمة الجديدة بإعلان الجمهورية الثانية سيجعل وجود المركز فيها رمزًا للنهضة الاقتصادية المصرية الجديدة، ويحقق رفع القيمة الاقتصادية والسعرية للأراضى والعقارات بها، فضلًا عن خلق مجتمع دولى بمعايير عالمية داخل العاصمة ينعكس فى ثقافة بقية مناطقها، وهو ما سيرفع قيمة الشهرة العالمية للعاصمة الإدارية الجديدة كمدينة تحتضن على أراضيها أحد المراكز المالية العالمية.

من خلال ما سبق، دعونا نتعرف عن قرب على CIFC كمنظومة عمل تقنية ومالية، لتقديم خدمات ومنتجات مالية ومصرفية دولية، بهوية وطنية مصرية وأدوات تجارية واستثمارية، يتم تنفيذه أساسًا فى موقع متميز بالعاصمة الإدارية الجديدة، ضمن تأسيس مدينة ذكية متكاملة تتضمن تطويرًا عقاريًّا وخدمات كاملة، وفق بيئة تشريعية واقتصادية وعقارية خاصة، طبقًا للمعايير الدولية. وذلك من خلال مفهوم إستراتيجى مهم هو أن يكون (CIFC لمصر، وليس مصر لـCIFC)، وهو ما سينعكس فى توفر الثقة والمصداقية فى المركز كأداة وآلية داعمة لمصر ونموّها، بما يحققه توفير الخبرات العالمية فى المال والاقتصاد والبنوك والقانون والتكنولوجيا والتجارة الدولية والمؤسسات المصرفية والمحاسبة، على أرض مصر.

يأتى التأسيس القانونى لمركز “CIFC” فى صورة منطقة حرة، طبقًا لقانون الاستثمار، أو يصدر به قانون خاص طبقًا لتوصيات دراسة جدوى المشروع والتكليف الرئاسي، بما يكفل له حزمة من الخدمات والمراكز القانونية والضريبية والبنكية والاستثمارية والقضائية والعمالية، التى تسمح بربطه وترابطه مع المراكز المالية الدولية فى حركة المال وإدارته؛ لدعم تنمية الاقتصاد المصرى وجعل مصر قاعدة آمنة ومستقرة للاستثمار العالمي.

من هنا تحضرنى التجربة الغنية والموثقة لنجاح وإنجازات مركز دبى المالى الدولي، والمركز المالى بأبوظبي، فى التعامل مع المال العالمى والجنسيات المختلفة وثقافة الآخر، وأثرها الإيجابى والعملى فى مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة فى إطلاق CIFC مصر، لنقل قصص النجاح والمعرفة الفنية والخبرات العملية فى التأسيس والإدارة والتشغيل، مع العقول والرؤى المصرية بخبرات عالمية، ليبدأ CIFC من حيث انتهى الآخرون.

وهو ما سنتناوله فى المقال المقبل بإذن الله.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]