يسألونك عن CIFC ؟ (1)

يسألونك عن CIFC ؟ (1)
محمد بكري

محمد بكري

6:04 ص, الأثنين, 27 مارس 23

تداول الإعلام المصرى والعالمى خبر توقيع الرئيس التنفيذى للهيئة العام للاستثمار مع تحالف “مركز القاهرة المالى الدولي” فى 22 مارس 2023، لمذكرة تفاهم دراسات وتنفيذ المركز، كأول مركز مالى دولى بمصر ينطلق من العاصمة الإدارية الجديدة، تتويجا لجهود عامين من العمل المتواصل، بدأت بطرح رؤية المركز وأهميته للاقتصاد المصرى على فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى، والتى توافقت مع رؤيته الذهبية لمصر الجديدة، وأصدر عنها تكليفا رئاسيا للجنة الاقتصادية بمجلس الوزراء ووزارة التخطيط وهيئة الاستثمار والرقابة الإدارية وأعضاء التحالف، لدراسة وتنفيذ المشروع. ومن وقت الإعلان عن المشروع وبدأ السؤال عن CIFC وأهدافه، وهويته، وفوائده لمصر، والمصريين؟

CIFC اختصار “مركز القاهرة المالى الدولي”، وهو العضو 22 فى أسرة المراكز المالية العالمية التى تغطي؛ أبو ظبى، أمستردام، بروكسل، بوسان – كوريا الجنوبية، الدار البيضاء، الدوحة، دبى، فرانكفورت، هونغ كونغ، كيغالى – رواندا، لندن، نيويورك، لوكسمبورج، مسقط، نور سلطان – كازاخستان، باريس، بورت لويس – موريشيوس، روما، شتوتغارت، طوكيو، تورونتو.

ولفهم أهمية ودور CIFC مصر، حتما نتعرض أولا لمفهوم المراكز المالية الدولية، وأثرها على الاقتصاد العالمى واقتصاد الدول المنفذة فيها. المركز المالى الدولى نوعا من البنية التحتية الخدمية لخدمة المستثمرين والشركات، لإدارة المدخرات وتمويل مخاطر ريادة الأعمال لدفع النمو الاقتصادى فى بيئة مستدامة. فالمركز مزيج من المتطلبات التقنية (البنية التحتية المادية، والقانون، والإطار الضريبى والتنظيمى، والمواهب) وظروف العمل (تكامل خطوط الأعمال فى الخدمات المصرفية للأفراد والشركات، وأسواق رأس المال، وإدارة الأصول والثروات، والتأمين، والاستشارات، والمشورة الضريبية والقانونية، والبنية التحتية).

ومع التحديات التى تواجهها صناعة المال عالميا بشأن خلق القيمة والمخاطر والمساهمة فى النمو وتعقيد سلسلة الوساطة (الخدمات مقابل المنتجات)، بجانب الأطر التنظيمية والتكنولوجيات الجديدة الثقيلة، والتى تعمل معا على تغيير توازنها الاقتصادى ونماذج أعمالها بشكل كبير، كان من المهم تطور الصناعة المالية العالمية مع هذه التحديات، بضرورة إحاطة الكوكب بشبكة من المراكز المالية الدولية، التى تنشر أفضل الممارسات المالية البينية والشبكية، وتجعل الوظائف والخدمات المالية أقرب ما يمكن للمستخدم النهائى، بصورة تحترم التنوع الثقافى والتشغيلى، من خلال العمل فى إطار متوافق ومتقارب من القواعد والنظم وبيئات العمل. وهو التطور المنسجم مع حجم ونوع الاستثمارات الترليونية المتداولة، وما تحتاجه من توحيد الفهم مع باقى المراكز الدولية حول نظم معیار الإبلاغ الموحد، الشركات، العقود، فض المنازعات، التشغیل، حمایة البیانات، المعاملات الإلكترونية، الشروط الضمنیة فى العقود والشروط الغیر عادلة، الملكية الفكرية، الإعسار، التعویضات، الأمن، تطبيق القوانین المدنیة والتجاریة، الإیجار، الملكیة الشخصیة، الملكیة العقاریة، الثقة، المنظمات غیر الربحیة، وغیرها.

نوعيا؛ تنقسم المراكز المالية الدولية ل٤ أنواع: مركز رئيسى أو عالمى، ومصدر أمواله عالمى واستخدامات أمواله عالمية مثل لندن ونيويورك 2-مركز حجز: أو مركز شكلى، يتكون من مجرد مكتب تستخدمه البنوك للاستفادة من التشريعات المرنة كالتسهيلات الضريبية، مثل شركات OFFSHORE، وتكون مصادر الأموال الخارجية للمركز وكذا استخداماتها خارجية 3- مركز تمويل: وهو مركز تكون مصادر أمواله خارجية واستخداماتها داخلية مثل سنغافورة وبنما 4- مركز تجميع: مصادر أمواله داخلية واستخداماتها خارجية مثل البحرين.

ومن خلال استيعابنا لوجود منظومة مالية عالمية للمراكز المالية تتحدث بلغة واحدة، يمكن معرفة مميزات عملها من؛ السماح للشركات المرخص لها بالعمل بالعملات المحلية والأجنبية؛ البيئة الضريبية الجاذبة بالإعفاء الضريبى أو تخفيضه؛ السماح بالملكيات الكاملة للشركات الأجنبية، وتحويل جميع الأرباح للخارج، البيئة المصرفية ونظم العمل المتطورة وغيرها. من جهة أخرى تشكل الأجور والرواتب العالية جدا أغلب مصاريف المركز المالى الدولى، وهو ما ينعكس مع جملة فوائده للدولة الحاضنة وجود خبرات ومؤسسات عالمية على أرضها تدعم تنويع الاقتصاد، وتطوير قطاع الخدمات المالية، والارتقاء ببيئة الأعمال للمستويات العالمية عبر توفير منصة داعمة للنمو المحلى والإقليمى والدولى، ورفع القدرات التنافسية للبنوك المحلية نتيجة لتزايد عملية المنافسة من قبل البنوك والمؤسسات وبيوت التمويل الأجنبية العاملة بالمركز، بما يطور إيجاد فرص عمل فى قطاع الخدمات المالية والمصرفية؛ ويثمر فى النهاية المساعدة على تحسين معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى وزيادة دخل الفرد، وحل مشكلة البطالة والفقر، وزيادة فرص المشروعات التنموية، وازدهار المسؤولية الاجتماعية لكل المؤسسات والشركات العاملة بالمركز المالى، فى تنمية المجتمع المحلي. لذلك فمن أهم العوامل التى تحدد القدرة التنافسیة للمركز المالى هى بیئة business ورأس المال البشرى والمعرفى، والسمعة، والبنیة التحتية، وتطویر القطاع المالى والقانونى فى بلد التأسيس.

لا تعرف المراكز المالية الدولية طريقها، إلا وسط دولة تتوفر لها مقومات بيئية مواتية للنمو، واستقرار سياسى وأمنى، ورؤية وإجراءات اقتصادية تستوعب التغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية، بحيث تكون للدولة الحاضنة أو المستضيفة لمنظومة عمل وخدمات وثقافة المركز المالى الدولى على أرضها، علامة على استقرار ظروفها وتوقعات مستقبلها، لتبادل مركزها مع باقى المراكز العالمية أنشطة تجميع وتصدير الأموال العالمية، وجذب الاستثمارات لمساعدة التدفقات الاستثمارية، كمنتجات مالية من داخل الدولة وخارجها، ليتم إعادة توزيعها وتصديرها للعالم بواسطة المؤسسات المالية المحلية والأجنبية، من البنوك وأسواق الصرف الأجنبى وأسواق رأس المال وشركات التأمين والوسطاء الماليين المختلفين، من خلال العقود والعمليات المالية والتحويلات.

عمليا وواقعيا، فتصور البنية التحتية للمركز المالى الدولى، لا يعنى مشروعا للتطوير العقارى المميز لتواجد شركات وبنوك أجنبية فحسب، بل أساس المركز ملكية فكرية لبنیة تحتیة لتكنولوجیا معلومات واتصالات متقدمة، التكنولوجیا المالیة، البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعى، والمنظومة القانونية وفض المنازعات. بحيث ينطلق تسويق المركز المالى لجذب رأس المال البشرى وشركات ومؤسسات القطاع المالى العالمى، ليبدأ المركز فى ترسيخ وجوده ونجاح دوره مع توفر هذه العناصر، كوسيط حياتى يستوعب تواجد وعمل ومعيشة جنسيات مختلفة على أرضه، يجمعهم الاحتراف والنجاح والثقافة العالمية، فى مكان عالمى يجذب المجموعات المتشابهة لبيئة تنظيمية مقبولة من البداية كمعيار لتشغيل مركز مالى دولى، بما يجعل عمالقة كيانات الخدمات المالية والمصرفية والتجارية والقانونية والمحاسبية العالمية، تهتم بالعمل فى بلد تأسيس المركز، إذا وثقت باستيعابها وشعبها وكياناتها لمفهوم ودور وقيمة المركز المالى الدولى لديها.

من خلال ما سبق يمكن استحضار تجربة نجاح مراكز دبى وابوظبى ومساهمتهما الفعالة فى الإمارات القرن 21، وتجربة مركز كازابلانكا والطفرة الاقتصادية للمغرب، وتطورات رواندا غول الاقتصاد الأفريقي. فى المقال القادم سنترجم كل ما سبق على CIFC مصر وقيمته لها وللمصريين، لنبدأ من حيث انتهى الآخرون!.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]