سألنى صديق مصرى ثلاثينى من رواد الأعمال بدبى، ما هو السبب الحقيقى الذى يجعل الإنسان سعيدا؟
وللحظات أشفقت على نفسى من مسؤولية الإجابة، فالسؤال قديم جدا ويتجدد بكل الأديان والثقافات والأعمار والمستويات، ولكُل رؤيته ومعياره وضوابطه. تجنبا للفلسفة أجبت سائلى من تجربتى الشخصية فقلت:
بعيدا عن تعريفات السعادة لنعرف أسبابها، دعنا نفرق بين الرضا والسعادة، فلكل منهما مداره. يمكنك قياس أو تقييم الرضا، أما السعادة فلا! ولأكون دقيقا دعنا نرتفع من إجابة سؤالك لمحاولة فهمه، فقد يحمل الفهم لنا السبب الأقرب لمعناها.
يتعود الإنسان حصر حساباته ونظره دوما للأرض فقط!.. لعلاقاته، نجاحه المادى، الاكتفاء الجسدى والعاطفى، الأمان المالى، الترابط العائلى، التكامل المهنى، الالتزام الدينى بالشعائر والطقوس، وغيرها من ظروف وأحوال ترتبط مباشرة بوجوده على الأرض. هذا التعود يجعله مشغولا دوما بما تحت السماء، ويحصره بحواسه الخمس، لإدراك وقياس رضاها بمظاهرها المادية.
حالة رضا الإنسان بهذه الحالات لا تخضع لمعنى السعادة، لأنها عندئذ حالات متباينة ومؤقتة، مرهونة بتوفيقه فيما يدركه بحواسه فقط! فيعتبر أنه سيكون سعيدا لو قام بالحج أو انتظم فى الصلاة أو نجح فى الامتحان أو أكمل أول مليون جنيه أو أرضى زوجه وأولاده أو حقق أرباح مشروعه أو نال استحسان مريديه، أو زود رصيده بالبنك أو تحاليله الطبية ممتازة وهكذا.
كل هذه الحالات وغيرها، مرهونة بوجوده الأرضى لتحقيق رضاه على حساب آخرين! رضا تستوعبه وتقيسه حواسه الخمس من خلال جسده، لتصل لحالة الإشباع والاكتفاء والارتياح.
فمستهدف البطن الشبع، والعين والأذن واللمس الاستمتاع والإشباع، ومستهدف العقل الفهم، والقلب الشعور بالأمان، كلها حالات نفسية مرتبطة بحالة الإنسان بحاضره، كمسكنات آنية تريحه مدة زمنية مؤقتة، لإشباعه أرضيا.
كثير منا يربط التزامه بحياته الأرضية بنيل الثواب المؤجل بالآخرة، وكثيرون ينجزون حياتهم بغض النظر عن مضمونها بنية (إن الله غفور رحيم)، وآخرون يرون تحقق السعادة دنيويا بفضائل الأخلاق كالحكمة والشجاعة والعدالة والعفة، وآخرون يطلبونها بإنجاز الأهداف وسلامة البدن وتأمين الثروة وحسن استثمارها وسلامة العقل والعقيدة والسمعة الحسنة والمعاملة الطيبة، وكلها صحيحة لرضا الحواس بالنتيجة، وليس سعادة الروح ذاتها!
مفهومى عن رضا الحواس يتفق مع الناس فى معناه ويختلف معهم عن وصفهم له كسبب للسعادة!
فمفهومى يحترم حالات الرضا، كواقع البشر لتأمين وجودهم الأرضى، ولكن الإنسان ذاته مجموعة مكونات وليس وحدة واحدة! فهناك الحواس الخمس، والجسد الكامل الظاهرين فيه، ثم النفس.
ومحور فهم سؤالك صديقى عن سعادة الإنسان ككل، وليس رضاء مكوناته، التى تحققه بصور مختلفة. وبالتالى فتوازن مدار مكونات الانسان لن يجعله سعيدا، خارج مدار ذاته الكلية، ومدار روحه الممنوحة من ذات الله.
ضمان أسباب رضا الحواس لا يرتبط بالحلال والحرام، بل بالحالة التى يكون عليها الإنسان وقت تحقق رضاه، بما يجعل فهمى لفصل سعادة الإنسان عن رضا حواسه أقرب! فالقرآن أورد شهادة حواس الإنسان عليه يوم الحساب (اللسان واليد والرجل والفم والسمع والبصر والجلد) ، فتقرر الآيات أن ذاكرة الحواس ستشهد على الإنسان، إما عن حالات رضاها التى خالف فيها الإنسان ونفسه الحق، أو الشهادة لصالحه إن أرضى حواسه ونفسه بالحق والخير.
من هنا، شعرت بأن سعادة الإنسان تكون بتدرج وعيه من مدار مكوناته إلى (أ) مدار وعيه بوجود وقدرة الله بمخلوقاته عموما وفيه خصوصا (ب) ثم مدار وعيه بوجود ودور مكوناته (الحواس والنفس) لاجتياز اختباره الأرضى، ليحقق معنى خلافته لله بالأرض (ج) ثم مدار وعيه وقبوله لمتضادات محتم اختياره لدربها، كالخير والشر، الخطأ والصواب، الذنب والتوبة، الجنة والنار. انتقال وعى الإنسان بين هذه المدارات، يجعله مراقبا لرضا حواسه المؤقت، بحثا عن سعادته الحقيقية الدائمة.
رحلتنا بالأرض مجرد محاولات اجتيازنا لاختبار الخلافة! ونجاحنا فيه يكون بتحقيق التوازن بين مدارات وعينا المذكورة، لنستوعب مفهوم العشم فى الله (أنا عند ظن عبدى بى، فليظن بى ما يشاء)، فماذا لو وعينا، ففهمنا، فمارسنا بشريتنا، فتوازننا، فظننا بالله قبول محاولاتنا؟
إحساس السعادة هنا لا يكمن بالعشم المطلق لمغفرة مع استمرار الخطأ! أو بحرية الحواس وإلهامات النفس بالفجور والتقوى! ولكن السعادة فى قبول بشريتنا بأن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، لتكون السعادة ذاتها هى الحالة الروحية التى يصل لها وعينا بتوازن مدارات الفهم، ليراقب الإنسان أحوال رضا حواسه، فيطور مسار حياته لصراط يمشى عليه وعيه، توجها لسعادته.
من هنا يكون فى تدرج وإحاطة وعينا بمنظومة الخلق (وجود الله ودور الحواس والنفس وقدرية المتضادات)، ما يجعل الإنسان يتلمس دلائل «قبول» الله لمحاولاته لاجتياز الاختبار، هذا التلمس برأيى هو السعادة الحقيقية الأعلى من رضا الحواس الخمسة.
قد تضيع حيوات فى رضا الحواس فقط. أو تذوب باختبارات المتضادات. وقد تضيع أخرى بدون الوصول لهذا الوعى، وقد يكتفى الإنسان بجعل كل حياته محاولات للتوازن فقط بين مكونات المنظومة بداخله. وقد يترقى لاستشراف معنى هذه السعادة بدون دليل القبول!
أما السعادة ذاتها، فقد تتحقق عندما يشرق بداخلك، تيسير محاولاتك لتحقيق التوازن بين منظومة الخلق بداخلك، فتعى بأنك قد تكون إنسانا مقبولة محاولاته حال حياته.
عندئذ فقط ستكون إنسانا سعيدا.
* محامى وكاتب مصرى