لسنوات طويلة عانت الصحافة فى مصر، فتكلست وتجمدت- إن لم تكن قد تراجعت- تحت وطأة اقتصار التعامل معها على منظورين اثنين لا ثالث لهما، أولهما أمني وسياسي من جانب الحكومة، تجسده التشريعات والقوانين المقيدة لإصدار الصحف وحرية الرأى والتعبير، واحتكار ملكية المؤسسات الصحفية الكبرى، وإحكام سيطرتها عليها من خلال اسناد قيادتها إلى صحفيين، يدينون لها بالولاء، بغض النظر عن الكفاءة المهنية والإدارية.
أما الثانى فهو منظور سياسى نقابى مهنى ضيق، يتحرك فى إطاره، وتتبناه الجماعة الصحفية وفى الطليعة منها النشطاء النقابيون، ومن خلفهم من يطلق عليهم حكماء الصحفيين، ويقودهم هذا المنظور دائماً لرفع شعارات، تطالب بحدة- تتصاعد وتنخفض وتيرتها من وقت لآخر- بتحسين شروط عمل الصحفيين، دون أن تنجح- طول الوقت- فى تحقيق نجاح ملموس على أرض الواقع.
ومن الطريف- والمؤسف فى آن واحد- أنه بالرغم من التناقض وتعارض المصالح الشكلى ما بين المنظورين السابقين، إلا أنهما يفرزان سلوكاً وممارسات عملية من كلا الفريقين، تتفاعل فيما بينها، كى تستمر فى إعادة إنتاج نفس الشروط والأوضاع والمشكلات.
فعلى سبيل المثال، فإن تقييد حرية إصدار الصحف من جانب الحكومة، يساعدها على استمرار سيطرتها سياسياً على الجسد الصحفى، ويتمثل فى الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، والتى يمثل الصحفيون المعينون فى الصحف المملوكة للدولة أكثر من %80 من أعضائها، أما المفارقة فتأتى من تبنى النشطاء النقابيين وجماعة الحكماء لمفهوم نقابى ضيق- البعض يرى أنه غير نقابى على الإطلاق- ، يعرف الصحفى بأنه عضو النقابة، لا عضو النقابة بأنه الصحفى الممارس للمهنة، لتستبعد من عضويتها فى غرابة شديدة عدداً كبيراً من الصحفيين، كان دخولهم كفيلاً، بتعديل الكفة لصالح توفير الضغط والدعم الكافي، لتحقيق المطالب النقابية!
وما بين هذا وذاك، يظل هناك منظور هام غائباً عن كلا الفريقين، يتمثل فى التعامل مع الصحافة كصناعة، فلا الحكومة تتعامل مع الصحافة بمنطق قدرتها على الاستمرار وتحقيق الأرباح، وإنما بما تحققه لها من استقرار «أمنى» ودعم سياسى، ولا على الجانب الآخر زعماء النقابة لديهم تصور ولو محدود، لماهية الشروط الواجب توافرها، لانطلاق وازدهار صناعة الصحافة، لأنهم ببساطة، لا يدركون علاقة الترابط بين تحقق هذه الشروط وإنجاز مطالبهم الأزلى، متمثلاً فى تحسن شروط العمل للصحفيين.
إن ثقافة تأسيس الصحف فى مصر فى مجملها- سواء كانت حكومية أو حزبية أو مستقلة- لا تزال قائمة على فكرة الممول أو مجموعة الرعاة، وغالباً ما يكون ممول لا يستهدف الربح، وإنما مجرد امتلاك أداة إعلامية بغرض تحقيق هدف أو أهداف محددة «أيديولوجية أو أمنية أو سياسية”، بل وأحياناً تصدر صحف لتحقيق أهداف انتخابية، وسرعان ما تغلق بعد استيفاء الغرض منها بانتهاء موسم الانتخابات.
وفى ظل سيادة مثل هذه الثقافة، يصبح من الصعب أن يخرج أحد، ليطرح السؤال الجوهرى- من وجهة نظرنا-: كيف ومتى ولماذا تنفق الأموال؟، ومن أين ومتى ستأتى الإيرادات ومن ثم الأرباح والقدرة على الاستمرار والنمو؟
ماذا سيدفع المسئول عن أحد الصحف الحكومية على سبيل المثال فى مثل هذه الظروف إلى أن يطرح تساؤلات من النوعية السابقة، وهو يعلم تماماً، أنه يرأس مؤسسة خلقت لكى تستمر، وأنه بمقدوره ألا يفى بالتزاماته المالية من كهرباء وضرائب وتأمينات، دون أن يحاسبه أحد! وأن تهبط إيراداته وتزداد خسائره وعجزه المتراكم، فتكون النتيجة لا أن يشهر إفلاسه، بل أن يتوسع، فيؤسس مطبعة حديثة معتمداً فى ذلك على الممول «الحكومة»!
إن استمرار الأوضاع كما هى عليها الآن، كفيل ليس فقط بإحداث المزيد من التدهور فى المستوى المهنى للصحافة الوطنية، وإنما أيضاً بتفاقم الأوضاع المعيشية وشروط العمل للصحفيين الممارسين للمهنة.
وللخروج من تلك الدائرة الجهنمية، ينبغى توافر مجموعة من الشروط المترابطة. أولها- ولحسن الحظ أنه مطلب جماعى للصحفيين وللقوى السياسية المختلفة- يتمثل فى إطلاق حرية إصدار الصحف.
وثانيها إجراء تعديلات تشريعية على القوانين القائمة، سواء كانت قوانين الصحافة، أو قانون النقابة ذاتها، تشمل الآتى:
- التخلص من شرط الـ%10 التى يحددها القانون كحد أقصى للملكية فى الصحف المستقلة، بما يسمح بوجود مستثمر رئيسى أو مجموعة من المستثمرين، ذات مصلحة قوية فى إدارة المشروع الصحفى بكفاءة، وبما يكفل أيضاً قيام أنماط مختلفة من الملكية، بحسب طبيعة كل مشروع ونوعية المؤسسين له.
- السماح للصحفيين بامتلاك حصص فى الصحف والمجلات، سواء كان ذلك فى صورة أسهم عادية أو فى شكل خيارات شراء أسهم، تمنحها الإدارة كحافز للصحفيين المتميزين، على أن يتواكب مع ذلك، تأسيس اتحاد للناشرين يضم ملاك الصحف والقائمين على إداراتها، بما فيهم الصحفيون، على أن يحتفظ الصحفى «المالك» بعضوية نقابة الصحفيين- التى هى فى الأساس نقابة تعبر عن مصالح المحررين- ولكن مع تجميد صوته فى الجمعية العمومية- لدرء لتعارض المصالح.
- إلغاء جميع القيود التى تكبل قدرة المشروع الصحفى على الاستمرار، وفى مقدمتها ضريبة التمغة النسبية على الإعلانات وتبلغ ،%36 والتى تستقطع بحسبة بسيطة نحو %26 من إيرادات الإعلانات، والتى ما تمثل عادة العمود الفقرى لدخل هذه المؤسسات.
- إحداث تغيير جذرى فى المفاهيم النقابية، بحيث تسمح بتشجيع الصحف والمجلات على استقطاب أفضل الكفاءات، للعمل بها بصرف النظر عن عضويتها بالنقابة من عدمه. أى ومرة أخرى ممارسة المهنة شرط لعضوية النقابة وليس عضوية النقابة شرط للممارسة.
- منح حوافز للاستثمار فى مجال الصحافة المطبوعة، باعتبارها صناعة تعانى من أزمة، ينبغى أن يتكاتف الجميع كى تخرج منها.
- إنهاء الشروط الاحتكارية للمؤسسات الصحفية الحكومية فى المجالات المختلفة، وبصفة خاصة فى مجال الطباعة والتوزيع.
وفى ظل شروط كهذه فقط يمكن أن تزدهر صناعة الصحافة، وفقط فى ظلها تستطيع نقابة الصحفيين، أن تحقق هدفها المرفوع دائماً دون أن تتمكن من تحقيقه، ويتمثل فى تحسين شروط العمل للصحفيين.
ولعل هذه الصناعة هى ما غابت، عن المؤتمر العام الرابع للصحفيين، الذى شهدته نقابتهم الأسبوع الماضى، رغم كون شعاره المرفوع: نحو إصلاح أوضاع الصحافة والصحفيين.