هيبة الوزير في أعين عامة الناس، تحجب عنهم في كثير من الأحيان، حقيقة أنه مجرد واحد منهم، يشاركهم نفس الثقافة، ويرتكن إلى نفس القيم والعادات، يخطئ ويصيب، يكذب و يتجمل، يدعي عن نفسه أشياء، قد يجبره الواقع والمصلحة عند الضرورة على التخلى عنها.
هو في نهاية المطاف إنسان طبيعي، يملك مثلهم مشاعر مرهفة تجاه عائلته، ولك من يحبهم ويهتم بشئونهم، ولا يطيق أن يحيط بهم شر أو أن يصيبهم ضرر، أو أن تحبق بمستقبلهم الشكوك، ويآبى على نفسه بلا أدنى شك،أن يجبرهم -تحت زعم التحلي بالأخلاق الحميدة- على تصرف، قد يسفر عنه اصابتهم، بما لا يحمد عقباه.
أنا شخصيا استفقت على نفس الحقيقة، عندما طالعت الحوار ،الذي اجرته مجلة روزاليوسف الأسبوع الماضي، مع ابنة وزير التربية والتعليم الدكتور أحمد جمال الدين، احتفاء بنجاحها بتفوق في الثانوية العامة بمجموع 79%.
وكما كانت روزا-المجلة- كريمة مع أبنة الوزير، التي لم تعتد بعد على الأضواء مثل الكثيرين منا، فإنها ردت الكرم الصحفي بكرم السبق الصحفي، واعترفت خلال الحوار، بأنها أخذت دروسا خصوصية، وبل وزادت انها وشقيقتها الثانية، قد أخذتا دروسا خصوصية، في جميع المواد تقريبا، طوال المرحلة الثانوية!.
لقد مرت علينا عقود طويلة، تعودنا فيها ألا نواجه الحقيقة، أو لا يفعل المسئولون منا، فلا من وزير سابق جلس على نفس مقعد الدكتور جمال الدين، إلا وتعهد بإصلاح التعليم، ومحاربة ظاهرة الدروس الخصوصية، ومطارة المدرسين »الخصوصين»، الذين يمثلون قلة مأجورة موتورة، تتأمر على أبناء الوطن.
بل أن الوزير السابق الدكتور حسين كامل بهاء الدين، ذهب إلى وصف الدروس الخصوصية بأنها «إيدز» اجتماعي، فماذا كانت نتيجة هذه الحروب والحملات والنضال و المكافحة ؟، المزيد من استشراء الظاهرةو تغلغلها حتى النخاع في جسد المنظومة التعليمية.
فلا أحد منا يملك جرأة، أن يمنع ابنا له من تعاطي درس خصوصي، أو أن يطلب من مدرس أن يتوقف عن منحها، بل أن بعضهم لو أمتنع، لربما ترجاه واستحلفه أولياء الأمور، أن يرجع عن قراره.
وتأملوا معي رد ابنة الوزير على محررة روزاليوسف، حين وجهت إليها سؤالا مباشرا: هل أخذت دورساً خصوصية؟ فعاجلتها بالاجابة المفحمة: إسألي كل طلاب الثانوية في مصر هذا السؤال، وأنا مثلهم جمعياً، فإذا أجابوا بأنهم يأخذون دروسا خصوصية، أكون مثلهم قد أخذت، وإذا قالوا لا، فلن أكن قد تلقيت أى درس خصوصي.
أما والدتها فقد بررت الأمر قائلة: أنه أصبح من المعروف، أن طلاب الثانوية العامة، لابد وأن يحصلوا على دروس خصوصية، حتى يحصلوا على مجموع عال.
وحين لا يخجل المرء من فعل يقوم به، ويستشهد في ذلك بأنه ليس المبتدع الرائد، وإنما مجرد متبع، لما درج على أن يفعله الجميع، فإن هذا الفعل -وهو هنا الدرس الخصوصي-، يكون قد تحول إلى عرف اجتماعي، قد يحتمل الصواب و الخطأ.
أما إذا كان المرء هو أبنة أو زوجة وزير التعليم، المناط به محاربة هذا الفعل، فإن الفعل يكتسب شرعية، يتجاوز بها شكوك نسبية الصواب والخطأ، إلى يقين الصواب المطلق!.
هذا على المستوى الفلسفي، أما من الناحية العملية، فإنه سيكون أمرا باعثا على الدهشة والسخرية في أن واحد، أن يصافح الوزير مبتسماً، مدرس ابنته الخصوصي في الصباح، وهو يسأله في رقة وحنو بالغين عن أحوالها ومدى قدرتها على الاستيعاب، ثم تتحول ملامح وجهه إلى التجهم والعبوس، وهو يخطب في المساء فى حشد من المدرسين، ساقته الأقدار لهم، محذرا إياهم من مغبة ضبط أحدهم، متلبساً بتلقين أحد طلابه درسا خصوصيا!.
وقد أرجع الوزير في حوار له مع جريدة المصري اليوم، نشرته في شهر سبتمبر الماضي، ظاهرة الدروس الخصوصية إلى عدة أسباب، لخصها فى ازدحام الفصول، وسوء حالة المعلم النفسية والمادية، وتدني مستوى الادارة في المدارس، و محدودية عدد الأماكن المتاحة في التعليم الجامعي، مقارنة بعدد الطلاب الراغبين فيه.
ومن الواضح أن هذه الأسباب من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تلافيها في المدى القريب، ذلك لأن الدولة ببساطة، لا تملك الموارد اللازمة، لبناء أعداد ضخمة من المدارس والفصول، للقضاء على ظاهرة التكدس، ولا لرفع مستوى أجور المدرسين، لتحسين حالتهم المادية والنفسية، ولا لتعيين إدارات على أعلى مستوى لتلك المدارس، ولا لتشييد عدد من الجامعات، يكافأ الطلب على الولوج فيها، وانس كل ما يقال عن أهمية التعليم الفني.
ومن هنا لم يجد الوزير -وغير الوزير-، سوى سلاح الدروس الخصوصية، لمواجهة مشاكل الواقع الأليم.
إلا أن ذلك، ربما يتطلب بعض التعديلات الهيلكية، للتكيف مع الشرعية الجديدة، لعل أهمها، أولا: تغيير اسم الوزارة نفسها من التربية والتعليم، إلى التربية والدروس الخصوصية، أو حتى الدروس الخصوصية فقط، فلا أحد لديه الوقت، أن يولي اهتماماً للتربية من الأساس.
ثانيا: إلغاء نسب الحضور، لعدم إعاقة الوزارة والإدارة والمدرسين والطلاب عن تحسين وتجويد مستوى الدروس الخصوصية والتعامل معها بجدية، مع تحويل المدارس إلى أماكن يلتقي فيها الطلاب مع مدرسيهم، للاتفاق على مواعيد وأسعار الدروس.
ثالثا: تطبيق نفس المنهج على الجامعات، فتلقي الطلاب لدروسهم الخصوصية خارجها، يقضي جذريا على مشكلة عدم توافر أماكن كافية، لقبول كافة طلاب المرحلة الثانوية في التعليم العالى، ولا حاجة لأبنية أو معامل أو مدرجات.
رابعا: التخلي عن الشعار القديم «دعم التعليم» أو مجانيته، واستبداله بشعار «تدعيم الدروس الخصوصية »، إذ إن الجميع -بما فيهم الوزير- قد باتوا على قناعة، بأن الدرس الخصوصي هو الحل، الأمر الذي يتطلب ضرورة توفيره، بأرخص الأسعار لغير القادرين، حتى لو اقتضى ذلك، توجيه جزء كبير من ميزانية الدعم، لتسديد الفارق بين سعر الدرس الحقيقي «سعر السوق»، والسعر المدعوم الذي يقدر عليه المواطن البسيط.
إلا أن المشكلة الوحيدة، ستكمن من وجهة نظري، فيما ستثيره تلك التوصية الأخيرة من جدل وصداع، ومزايدات لا نهاية لها، عن كيفية وصول ذلك الدعم إلى مستحقيه!.
.أقرأ أيضا: و