مساء الخميس الماضي، وبينما كان الجميع يتابع أنباء الانفجارات الثلاثة في منطقتى نويبع وطابا عبر مختلف الفضائيات ومواقع الإنترنت، كان التليفزيون المصرى يتحدث- ولن نقول يبث خبراً فهذه مسألة أخرى لا علاقة له بها- عن انفجار أنبوبة غاز في فندق هيلتون طابا!.
أكثر من هذا، فإن الفلاح المكسيكي، والعامل السنغافوري، ورجل الأعمال الغاني، كان بمقدور كل منهم في مكانه، متابعة تطور الأحداث ليس عبر القنوات عابرة القارات، ولكن من خلال أى وسيلة إعلام محلية، والتي تنقل في مثل هذه الظروف، عن وكالات الأنباء العالمية الكبرى.
فقط المواطن المصرى البسيط «عديم الدش»، الذي أعلن الحزب الوطنى وأكدت حكومته مراراً وتكراراً استهدافه بإصلاحاتها الأخيرة، فقط هذا المواطن، بات ليلته دون العالم أجمع، وهو يظن أن أنبوبة بوتاجاز، قد انفجرت في وجوه بعض الخواجات السياح في طابا، وهو حدث لو صح، وهو بالطبع غير صحيح، لما فاق فى تأثيره، انفجار «بمبة» الغاز في وجه الست أم أحمد، التي تسكن في طرف الحارة المجاورة.
لقد تفاءل الكثيرون خيراً مع انتقال الدكتور ممدوح البلتاجي إلى موقعه الحالى كوزير للإعلام، ودعم هذا الانطباع التفاؤلي، بعض التحركات والتصريحات الأولية للبلتاجي نفسه عن ضرورة تخفيض ساعات الإرسال والاهتمام بالكيف لا الكم، واصطدامه بعدد من قيادات هذه الآلة البيروقراطية العتيدة المسماة اتحاد الإذاعة والتليفزيون، إلا أنه وبمرور الوقت، تبين أنه لا يوجد ثمة فرق، وأن المشكلة ليست في الوزير، وإنما في جوهر الوعي، الذي تفرزه الثقافة السائدة في دوائر صنع القرار.
وليس الأمر بعيداً عما أكده مؤتمر الحزب الوطني مؤخراً من التركيز على التسريع في خطوات الإصلاح الاقتصادى وتأجيل الإصلاح السياسي إلى أجل غير مسمى، أي تأجيل المشاركة السياسية للمواطن البسيط، والعديد من حقوقه الأخرى، ومن بينها حقه في المعرفة، إلى أجل غير مسمى، والاعتماد بدلاً من ذلك على إملاء الإصلاح عليه من أعلى.
مع أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن تحقيقه سوى بالمصارحة والمكاشفة والمشاركة، لأن يد الحكومة «للأسف الشديد»، لا يمكن أن تصفق وحدها، دون مشاركة من «الأخوة» المواطنين، وهؤلاء بدورهم لن يتبرعوا بمد أيديهم للتصفيق، ما لم يقتنعوا بفحوى وجدوى خطوات الإصلاح وانعكاساته على مستوى معيشتهم في الأجل البعيد، مقابل تحملهم تبعات إنجازه على المدى القصير.
وعودة إلى نظرية «الأنبوبة» في التعامل مع الحقائق، والتي يبدو أنها ليست متغلغلة فقط في الدوائر الحكومية، حيث سارع بعض العاملين في قطاع السياحة فور اتصالنا بهم عقب وقوع الأحداث، بالتأكيد على أن الأمور لن تتأثر، وأن السياح لم يغادروا، بل ظلوا صامدين فى مواقعهم بفنادق طابا ونويبع وشرم الشيخ!.
باختصار، إن تجاوز الأزمة والخروج مرة أخرى من عنق الزجاجة «الأنبوبة»، يتطلب أولاً ضرورة الحصر الواقعي، لكافة الخسائر المترتبة على واقعة التفجيرات، ليس فقط في قطاع السياحة، ولكن في مختلف القطاعات، ووضع خطة تتضمن سلسلة من الإجراءات، لامتصاص الصدمة وتجاوزها، والعودة مرة أخرى إلى طريق الإصلاح.
أما نظرية الأنبوبة فعلينا أن نقر، ولو مؤقتاً، بضرورة حصارها في داخل هذا المبنى الهائل الكائن في ماسبيرو إلى أن يحين الوقت المناسب، لاستئصالها نهائياً، والذى نأمل أن يكون غير بعيد.