نسيج أسامة أنور عكاشة (الجزء 8)

نسيج أسامة أنور عكاشة (الجزء 8)
طارق عثمان

طارق عثمان

7:02 ص, الأحد, 27 فبراير 22

المصير فى المصراوية

البيت فى وجداننا الراحة والأمان- ولكنه أيضًا المركز- وللبعض نقطة الانطلاق.

فى نهايات المصراوية نرى اكتمال بيت العمدة ونوراى. وذلك طبيعي؛ لأن اكتمال الوجدان لا بد له من مكان يتمثل فيه.

الراحة والأمان- وبعدهما العز فى العمق المتمثل فى ثراء على الظاهر- يظهران فى مساحة واسعة، فى أثاث مريح يعبر عن أصحابه، يظهران فى حديقة جميلة، وفى شارع تحفُّه الأشجار.

اختيار المكان مهم. البيت فى نهايات القاهرة الخديوية وبدايات القاهرة الملكية- وذلك (كما تحدثنا فى المقال السابق من هذه السلسلة) انتقال مَهول فى جوهر القاهرة.

لكن النقطة المهمة هنا- بعد كل الرحلة الطويلة التى أخذت العمدة من جنوب الدلتا إلى القاهرة- هى فكرة المركز. إنها نقطة الوصول فى المصراوية. النقطة التى يتحول فيها مكان العمدة وبيته (مع نوراي) إلى عنوان لشىء معين، وفى المصراوية هذا الشيء هو الوجدان المصرى الجديد (المزيج بين العمدة ونوراي) الصاعد فى القاهرة الملكية.

هذا ما أراد أسامة أنور عكاشة أن يوصلنا إليه فى المصراوية. غايته كانت اكتمال الوجدان المصرى فى لحظة ولادة مصرية جديدة وأن يتمثل هذا الوجدان الكامل والجديد (بعد كل هذه الرحلة الطويلة)؛ ليس فقط فى العمدة ونوراى، ولكن أيضًا فى مركز جديد، فى بيت جديد.

البيت، كما قال أجدادنا، أصل، بداية سلسال، عائلة تتكون تأخذ من رحلتى الأب والأم وتصبح نفسها لحظة بدء. بيت العمدة ونوراى فى القاهرة هو ذلك البدء. شجرة جديدة عملاقة ارتوت جذورها من بدايات العمدة- مما أخذه عن أمه- ذلك الذى بدأنا منه وعنده فى شمال الصعيد وجنوب الدلتا، وذلك الذى فهمه وعرفه فى وقفاته فى طنطا وقلب الدلتا، وذلك الذى تكوّن ثم ثبت فيه مع وصوله القاهرة. ومع كل هذا ذلك الذى جاء مع نوراى، ذلك الذى اكتسبه الوجدان المصرى من هواء الشمال ومما عبر البحر الأبيض المتوسط من وجدان غربى.. امتزج الاثنان فى جذور قوية اخترقت الأرض- والأرض (كما قلنا فى الحديث الماضي) كان لا بد أن تكون مركز الوجدان المصرى، القاهرة- تلك الجذور هى البداية الجديدة، هى الغاطس تحت الأرض التى يقف عليها بيت العمدة ونوراي.

لذلك فإن البيت فى القاهرة كبير وواسع- وكما يُقال بالعامية المصرية شِرح- لأنه فيما يمثل استيعاب كل ذلك الذى عرفنا مع العمدة ونوراى طيلة الرحلة.

الشجرة ستكبر وستتفرع. إنه السلسال الجديد الذى سيبتدئ بأولاد وبنات العمدة ونوراى الذين سيكبرون فى بيت القاهرة. هؤلاء هم مستقبل الوجدان الكامل الجديد. هؤلاء هم قوة تجسِّد ما يحمله الجذر الغاطس تحت الأرض من احتمالات ستظهر بعد سنين على شكل أوراق وورود وأشواك. هؤلاء هم تجربة مصر- بوجدانها الجديد- فى القرن العشرين بما كان فيه من فرص وصراعات، ومن احتمالات وضربات.

لحظة الوصول فى المصراوية هى ثبوت تجربة العمدة ونوراى، وتحول الوجدان الجديد الذى كونه اتحادهما إلى مرجعية أفكار جديدة لها بيت، لها مكان. مرجعية أصبحت، بعد الرحلة الطويلة، أصلًا وجذرًا. ذلك هو المعنى الثري فى رحلة العمدة ونوراى- فى رحلة الوجدان المصرى عبر تحولات القرن التاسع عشر وتغيرات بدايات القرن العشرين. ذلك هو المعنى فى البداية من أسئلة ومن تحديات مفروضة عليه، من كون المصري ناظرًا ومتلقيًا لأحداث جسام، إلى تطوره لمتابع ومحاول للفهم، إلى مشارك قادر على التغيير وعلى صياغة ما يريده من واقع لمجتمعه، وأخيرًا اكتسابه من تلك التجربة الطويلة وعيًا أعمق وأوسع غير وجدانه إلى ما هو أكبر وأرقى مما كان عليه أول الرحلة. إذا حدث ذلك التغير- وقد حدث فى التجربة المصرية الحديثة- فإن الوجدان الجديد يصبح عن حق مرجعية جديدة، والمرجعية ضروب فى دروب التاريخ ، كما هى هداية لسفر فى آفاق المستقبل.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن