لعل ما نضيق به الآن فى مجتمعاتنا المزدحمة، مرجعه الأكثر تأثيرًا، شيوع عدم الإتقان وقلة الاهتمام بالصدق فى الأداء والعناية بالفن واختيار الأذواق .. جريًا وراء الاكتفاء بالضجيج والتظاهر، وأملًا فى الطمع والجشع للفوز بالثراء الذى صار الآن قبلة الجميع .. لكن هذا الثراء المنشود دائمًا شحيح ! .. ولذا زاد غضب الغاضب وحقد الحاقد، وقل حب القريب وصدق الصديق، ووهنت ثقة الجار، واضمحلت أسباب الطمأنينة والأمن فى هذا الزمان .. بات زماننا فى طريقه إلى زيادة لا تتوقف .. وصارت المسكونة حافلة بمليارات الآدميين .. ضاقت بأغلبيتهم سعة هذه الأرض بما رحبت، ولم يعد فى إمكان أية جهة ضبطهم وردهم إلى الاعتدال والتوافق والتعايش السليم المتماسك ..الذى لا يمكن أن تستغنى عنه حياة مجتمعٍ يقظٍ واعٍ يحسب ولا يجازف، ويتحقق ولا يندفع، ويساير الممكن ولا يجرى وراء الأحلام والأوهام متعلقًا بالحظوظ والمصادفات!
والآن ربما نكون قد نمنا وغفونا تمامًا عن المخاطر المتتابعة التى تزداد كل لحظة وتحيط بحاضرنا ومستقبلنا معا .. نتعلق بالأقوال لا الأفعال، وبالاجتماعات والمؤتمرات وبياناتها ومهرجاناتها، وبالانتقادات والاعتراضات التى تملأ الصحف والإذاعات والمجالس!
والبشر عادة فى أى زمان يتقاربون ويتباعدون، ويستحيل أن يتطابقوا بأية حال تطابقًا تامًا .. ولذا كان ويكون وسيكون لكل آدمى أناه هو .. يجدها فى يقظته ونومه كأساس وحكاية وبداية ونهاية لنفسه، لا تختلط بنفوس الآخرين، ولا حتى بنفوس آبائه أو أولاده، وقليل جدًّا من يحاول بأمانة وإنصاف أن يبعد الأنا ـ عن فهم ما يمكن فهمه عن غيره قريبًا أو صديقًا أو شريكًا أو جارًا أو أجيرًا .. فأحكام كل منا على سواه قريبًا أو بعيدًا، تخطئ أو تصيب، لأنها أحكام مصدرها مختلف بعضها عن بعض .. لم ولن تخلق متطابقة .. إذ لا معنى للتطابق الملازم مع انفراد الأفراد .. فالتشابه أو التقارب وحده هو الذى يمهد للبشر اتصال بعضهم ببعض فى قرابة أو صحبة أو اقتران أو صداقة أو عمل .. وهذا الاتصال مرن جدًّا، قد يتسع وقد يضيق وقد ينقطع، لكنه لا يلغى الاختلاف لأنه لا ينفى وجود الأنا المختلفة لدى كل منا ـ دائمًا ودون انقطاع .. وكثيرًا ما تقلد الأنا غيرها، دون أن تمحو نفسها أو تبطلها، وإن كانت أحيانًا تضيق بنفسها ويملؤها اليأس لعجزها عن إتقان المحاكاة أو لفشلها فى الحصول على ما كانت تطمع فيه من سعيها!
ويبدو أن البشر فيهم مقاومة فطرية للعقل الناضج، وينتهزون الفرص والحيل للإفلات من مواجهته .. خاصة إن قاوم الأنا واجتهد فى صدها عما تريد أو تشتهى .. وقد يلاحظ هذا فى سرعة الالتواء للتخلص من مواجهة البدايات الفعلية المستقيمة الرشيدة التى ظهرت وفُرضت، أو نُصحت ووضح صوابها الجلى النافع .. مثلما كان من فرحة الناس فى بدايات عقلانية العلم الطبيعى الوضعى، ومع ذلك ها نحن نرى أنه برغم سعته العظيمة فى نواحى حياة الآدمى الخارجية وما يعطيه ويقدمه باستمرار للحضارة أو المدنية، قد انتهى به المطاف إلى خدمة الثراء والأثرياء، وتحويل هذه الحضارة إلى حضارة أغنياء فقط، وتعريض الغالبية الغالبة من الخلق لضغط الفقر والتشرد وتوابعهما من المرض والهوان والامتهان والتعاسة!
قد يتكلف الأغنياء وأصحاب الحول والطول ـ يتكلفون الإشفاق على هؤلاء الذين أضناهم الفقر وضربتهم الحاجة، ولكنه إشفاق مصطنع لا يخلو من الحرص على إبراز الفارق الهائل بين مكانتهم ونعيمهم وبين تواضع حال وجحيم تلك الأغلبية المحتاجة ! .. إلى هذا يرجع ما نشهده الآن فى الجماعات من انقسام وقلق واضطراب وهياج، وأحيانا إرهاب وتمرد وثورة وانفصال! هذه الشواهد ترينا حدة وعمق الخلل الذى تعانى منه الآن كافة المجتمعات البشرية .. دون أن يفلح فى مداواة آفاتها علاج أو يشفى خللها دواء!
لا تخطئ عيون المراقبين الفاهمين أن معظم الاقتصاد العالمى قد صار من عشرات السنين خاليًا من الذمة! .. وزاد خلوه منها فى السنوات الأخيرة مع زيادة الثراء الهائل فى الدول الثرية بأثريائها .. معظمه إن لم يكن كله ـ نتاج نهب وغش وخداع وتلفيق .. يساهم فى ذلك أعضاء ورؤساء مجالس إدارات وكثير من الحكومات والشركات والبنوك والتعاونيات والاتحادات ! .. فقد نمت تلك المؤسسات الكبيرة ومازالت تنمو ـ فى ظل وستار نمو الاقتصاد المالى العالمى الحالى .. وقد تنتقل تلك الفئات من اسم إلى آخر لتحريك نشاط الكسب وتفادى خموله، كما قد يتبارى أعضاؤها على المراكز والمقاعد، انتقالا من باب إلى باب أو من ميدان إلى ميدان غيره يبدو أمعن أو أكسب، دون أى التفات إلى الدقة وتوابعها، لأن « الأنا « منفردة أو مجتمعة دائمًا أولى بغناها وأرباحها!