من تراب الطريق (934)

من تراب الطريق (934)
رجائى عطية

رجائى عطية

9:40 ص, الأثنين, 14 سبتمبر 20

الاستعلاء بعد الخلافة الراشدة

ظل الإسلام فى فترة الخلافة الراشدة، حريصا على إبعاد كل مظاهر الاستعلاء والتعاظم ـ عن صور الحكم والحكام والولاة.. يدرك جلال ومثالية هذه الصورة الراشدة ـ من يقارنها بما يراه الناس ويحسونه الآن فى نظم الحكم التى أغرقت ـ رغم اختلافها ـ فى اتخاذ الأسماء والأوضاع والأغراض فى البلاد المختلفة، وفى الإغراق فى مظاهر وتهاويل الأبهة والعظمة على قدر المتاح فى كل بلد، مما أوجد ويوجد انفصالاً حادا بين الحكام والمحكومين من ناحية، وبين الأغنياء والأكابر والأقوياء والأحياء ـ وبين بقية الناس من ناحية أخرى !!

يتساءل محمد عبد الله محمد، وهو يبحث فى التأثير السلبى للاستعلاء ـ على التقريب الواجب بين المسلمين ـ يتساءل أو دعنا نقول : ينبه إلى ملمح هام للإسلام، تجلى فى أنه فى عنفوان العقيدة أيام النبوّة والخلفاء الراشدين الأربعة رضوان الله عليهم، قد استبعد كلية إطار العظمة فى الحكم، ولم يتصور النبى عليه السلام ولا المسلمون فى عهده، ولا الخلفاء الأربعة ولا من كان فى عهدهم بالمدينة ومكة ـ لم يتصوروا أن يكون للخليفة قصر يحكم منه الناس، ولا حاشية تحف به أو حرس يحوطه ويحميه، ولم يتصوروا أن ينعموا بأطايب الطعام أو يرفلوا فى الغالى من الثياب.. ولم يتصور أحد من الصحابة والتابعين والعامة، أن عليه أن ينحنى إجلالاً وتعظيما للخليفة حين يلقاه، أو ينكسروا أو يطروا ويمتدحوا أو يتملقوا.. ولم يدر بخلد أحد منهم أن يخاطبوا النبى أو أحدًا من الخلفاء الأربعة بشىء من ألقاب العظمة أو الفخامة أو التبجيل أو السيادة!

وبرغم رفض الاستعلاء فى الحكم بشتى صوره وأشكاله ومعانيه، فإن ما باشره النبى عليه السلام والخلفاء الأربعة من شئون الحكم على الرعية لم يكن ضئيلا ولا ضيقا، بل ساسوا أمور الدين والدنيا فى سلاسة بعيدة عن الاستعلاء، ونجحوا فى إقامة إمبراطورية واسعة الأطراف !

يبدو للمتأمل أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الأربعة من بعده، قد جردوا حكم الناس ـ تجريدًا تامًا ـ عن فكرة الملكية ومن فكرة الانتفاع.. والمسئولية التى كانت فى يد كل منهم، هى مسئولية ومشقة بلا عوض ولا مقابل ولا أطماع ولا مزايا.. ولأن الحكم كان على هذا المعنى، فإنه برىء فى ذلك الزمان من أى محاولة للوثوب على السلطة أو غصبها، ولا احتاجت الدولة لاصطناع الموالين أو البطش بالمعادين. بل إن عمر بن الخطاب أوقف إبان خلافته سهم المؤلفة قلوبهم.

وهذا النوع من الحكم الذى سبق به الإسلام نظم الحكم فى أوروبا التى لم تفارق فكرة الملكية إلاّ بعد الثورة الفرنسية ـ هذا النوع الفريد من الحكم فى الإسلام، بلا عوض ولا مقابل، اللهم إلاّ الكفاف، جنب الحاكم الاشتغال بالمحافظة على سلطانه بين المحكومين.. فلم يضيع أحد منهم فى ذلك مالاً أو يسفك دماءً للمحافظة على حكمه!

وهذه التجربة فى الحكم، التى امتدت نحو ثلاثين عامًا استغنت فيها كلية عن إطار العظمة والشوكة، هى قطعة ثمينة جدًا فى تاج الإسلام.. وإذا كانت هذه الصورة الرفيعة للحكم قد تعرضت لانتكاسة بعد خلافة الإمام علىّ كرم الله وجهه، إلاّ أن ذلك لم يكن كرهًا فى تلك الصورة، وإنما للعجز إثر استشهاد الإمام عن استنقاذها بسبب الخلافات والمنازعات والفتن التى قطعت أسباب التعاون والتساند فيما بين المسلمين، ودفعت بفكرة حماية السلطة إلى الساحة التى آلت إلى الذين نازعوا الإمام فى خلافته، فانشغلوا بالسلطة وتكريسها ووقايتها.. ولعل هذا هو الذى أسلس إلى نوع من اليأس جعل غالبية المسلمين ينصرفون حتى اليوم عن الاهتمام بشئون الحكم فى بلادهم!

ومن المؤسف أنه على أنقاض هذه التجربة الفذة، أو القطعة الثمينة فى تاج الإسلام ـ قامت أو نشأت فكرة الخليفة الملك ، بما استتبعها من وراثة الملك التى امتدت طوال اثنى عشر قرنا عبر الدولة الأموية ثم العباسية وما تفرع عن كل منها وما تلاهما.

وعبر هذه القرون التى سادت فيها فكرة الخليفة الملك، وانتهت عملا بانتهاء الدولة العثمانية فى العشرينيات من القرن الماضى، صاحب الملك انتفاع الخليفة بالدين واستخدامه فى توثيق ولاء المسلمين لشخصه وملكه ودولته، وهيمنة الملك ـ استنادًا إلى ذلك ـ على توزيع المناصب الكبرى فى الدين والدنيا.. واتخذ الإسلام تبعًا لذلك جنسية كلية أو وطنية عامة انتهت إلى الإقرار للملك الخليفة بملكه وخلافته معًا، وحملت الإسلام بغير حق طغيان وظلم وحماقة الطغاة والظلمة والحمقى من ملوك الأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين وغيرهم.. كما حملت الإسلام بغير حق مسئولية تجذر الاستبداد وشيوعه تلك القرون الطويلة!!

www. ragai2009.com
[email protected]