احتياج المجتمعات للعظمة والأبهة
فى قلب قضية الاستعلاء التى أثارها أستاذنا محمد عبد الله محمد فى رائعته «معالم التقريب»، تقع مشكلة احتياج المجتمعات البشرية إلى العظمة والأبهة فى سياستها وضبطها.. وحين يقول القائلون إن اصطناع العظمة والأبهة لا غنى عنه لحكم الناس، وهو ما تذرع به معاوية بن أبى سفيان للتخلص من نظرات عمر بن الخطاب اللائمة، يقابله بالحتم والضرورة إشاعة الخوف والخنوع فى المحكومين وتشجيع الملق والصغار بينهم، وإفشاء الوهم والخداع فى أفكارهم.. ثم شيئًا فشيئًا تصير هذه الآفات ضرورة لا غنى عنها لحكمهم أو التحكم فيهم!
نعم. إن وجود أقلية مهيبة لا تنقطع الحاجة إليه، إلاّ أنه لا يخفى أن اصطناع العظمة والأبهة يؤدى إلى تسلط الماديات والأشياء المادية على عقول الناس ونفوسهم. وهذه الآفات لا تتفشى إلاّ فى جماعة تعتقد أو تصدق أن «الأشياء» أكثر وأهم قيمة من « الإنسان» أو «الناس».
إن أطر الأبهة والعظمة، تحيط المتحلى بهما بجو قاهر، يعطل أو يحجب المشابهة والمماثلة الطبيعية بينه وبين بقية خلق الله تعالى.. ومن ثم لا يعود قادرًا وقد دار رأسه بمظاهر العظمة التى يلتصق بها ـ لا يعود قادرًا أن يرى نفسه واحدًا من الناس، يمكن أن يسرى عليه ما يسرى عليهم، وربما لا يعود قادرًا على إدراك أن سنن الكون والوجود تسرى عليه كما تسرى على كل مخلوق ! يرى فى عين نفسه أنه يكبر ويتضخم باستمرار، وأن الآخرين يضمرون ويصغرون فى عين أنفسهم وفى عين نفسه.. يغذى ذلك وينميه ويرسخه اعتياده وهو على التفرد والتميز واعتياد الآخرين على التسليم والتزلف والإغناء والاسترضاء!!
فكيف إذن يحدث التقارب أو التقريب ؟! إن إطار العظمة يخاطب أولاً غريزتى الطمع والخوف، ويتعامل ابتداءً وانتهاءً مع النوازع الأنانية، وعلى أطراف هذه وتلك تتغذى عوامل النفور لا التقارب !
إن القرآن المجيد يرفض كل صور الاستعلاء فى علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وفى علاقة الحاكمين بالمحكومين، والأغنياء بالفقراء.. كما يرفض أن تكون السلطة سببًا أو فرصة للعلو والركوب على رقاب الناس، ويرفض أن تكون العظمة أو الأبهة إطارًا يتحاكم إليه الناس، أو درجًا يتسلقون به أو ينتظرون منه مغانم لذلك سواء فى الدنيا أو فى الآخرة.. وفى القرآن الحكيم: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » (القصص 83)،.. وفى القرآن أيضا: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ» (الزمر 60).. «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الأَرْضِ» (الأعراف 146).. «فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» (الأحقاف 20).
إن تقارب الله تعالى يبدأ وينتهى من «لا إله إلا الله».. ومتى وجد هذا الولاء الحقيقى لله تعالى فى قلب المسلم السوى ـ ابتعد يقينًا عن مظاهر العظمة والأبهة، وتَجَنَّبه حاكمًا كان أو محكومًا، وعافت نفسه وكرهت أوهام وتهاويل هذه المظاهــر،مدركة أنها لا تنتفـــع ولا يم كن أن تنتفع بشىء من ذلك الباطـل الذى لا يرى فى عماه أن حقيقة الله تعالى حاضرة قاهرة فوق عباده.
قد أمرنا النبى عليه الصلاة والسلام ـ أن نعلو على الله فى بلاده وعباده، وأوصانا أن نحثو التراب فى وجه المداحين.. الذين هم مروجو العظمة الباطلة وأعوان الظالمين والطغاة ومسوغو عبادة الأصنام البشرية !!
لا يقر القرآن المجيد والسنة المطهرة، من صور الحكم، إلاَّ الصورة الرشيدة التى تلغى كل المسافات وأنواع البعد والغربة والانفصال بين الناس وبين حكامهم.. لا يرتضى من الحكام إلاَّ التعرى من كل أغطية الأبهة وستائر العظمة والاستعلاء، مراعيًا فى ذلك أن ألا تحتجب بشريتهم وعبوديتهم لله عز وجل، وألا ينخدع الناس عن حقيقتهم.. وأن يكونوا صورةً مثلى يتجرد فيها الحكم من كل الامتيازات المادية، وكل ما يجعله مطمعًا أو مغنمًا للراغبين فى التملك والعلو فى الأرض والركوب على رقاب الناس !
www. ragai2009.com