نظافة داخل الإسلام
من أهم وظائف الإسلام نظافة داخل الإنسان التى تنتشله أو تخلصه من ألوان عديدة من الاستعباد. استعباد المصالح الشخصية أو الزوجة والأولاد، أو الذل للمال أو للملك، وتخلصه من الخضوع للطمع والشره، أو الرغبة فى الهيمنة والسيطرة على مصالح الآخرين، كما يخلصه هذا الاغتسال ونظافة الداخل من حقارة الزيف والغش والاصطناع والكذب.. أو قبول ذلك وتقبله والرضا به، كما يخلصه من ضيق الأنانية والانحصار فيها.. هذه الأنانية التى تخادع النفس فتعتبرها حقاَّ لها بينما هى عند الله باطل..
هذه الوظيفة للإسلام هى التى تعطينا الفرصة لنكون ـ بإخلاص ـ أرقى من مجرد أسماك شرهة نهمة تتعارك فى مياه الحياة وتتنافر وتتخاطف ما تلقاه، ويأكل بعضها بعضا فى خضم بحر واسع يسيطر عليه الغباء وتتخلله المآسى التى تجرى فيه بلا انقطاع. هذه الوظيفة الخامسة للدين، هى التى تعطينا الفرصة الحقيقية لنجعل لحياتنا معنى فيه شىء من الكرامة التى تعوض ما يعترض الحياة من تفاهات حقيرة يقذف بها الغرور والرياء والجبن والخوف من الألم أو من المعاناة، أو من الخطر والعزلة، وهى التى تأخذ بيدنا لنجاوز حبنا للسلامة وإيثارنا للعاجلة واستعدادنا للتسليم لغير الله عز وجل. هذه الوظيفة هى وحدها التى تنقذ الدين من ارتخاء تأثيره على عقول أتباعه، وهى الوظيفة التى بدأ بها الإسلام وجوده، وهى وحدها التى يمكن أن يجدد بها الإسلام وجوده فى كل عصر مهما اختلفت وتفاوتت ثقافته وحضارته.
ذلك أن الحاجة إلى الإنسان النظيف من الداخل ـ لا تنقطع قط، واحترام هذا الإنسان لا يتأثر بتغير الثقافات والحضارات ولا بتطور الأفكار والمعارف، ولا بالتقدم العلمى والتكنولوجى وما يوفره أو يبنيه من أشياء هائلة، أو يقدمه من علماء فائقى القدرات والمهارات، فذلك كله على ما فيه من اقتدار فى حاجة ملحة على الدوام إلى ذلك الإنسان النظيف من الداخل، ولا يسعه والمجتمع بأسره إلاّ أن يحنى الرأس له احتراماً وتقديرا، لأنه الملاذ الحقيقى مما يمكن أن يتقاذف كل هذا الخضم الهائل من شرور وأخطار على الإنسانية كلها.
إن الإنسان النظيف من الداخل هو حجة الإسلام فى وجه العالم الحديث والثقافة الحديثة والحضارة الجديدة المبنية عليهما. وعلى المجتمعات الإسلامية أن تعنى بهذه النظافة الداخلية وأن تكثر من إنتاج هذا الإنسان إذا أرادت أن تنقذ نفسها ودينها مما يعترضهما من أخطار التى لا يجديها الكلام فى النجاة منها!
والدعوات الإسلامية ـ ومنها الدعوة إلى التقريب ـ تكون مغالية فى حسن الظن إذا تصورت أن فى مقدورها أن تحول المسلمين فى كل بلد إسلامى إلى التمسك بهذه الوظيفة، بل يجب أن يكون فى حسابنا جميعا أن كتلة الناس ستظل تعبر عن تدينها بالمحافظة « الظاهرية » « الآلية » على أداء الفرائض دون تمثل معانيها.. وإنما حسبنا أن يلتفت ويتحول إلى هذه الوظيفة : نظافة الداخل ـ عدد من الشباب يوفقه الله جل وعلا إلى ذلك، ويسترهم سبحانه وتعالى بعونه ومدده حتى يزدادوا ويزداد بهم الإسلام إشراقاً وإمعانا فى طريقه المطرد إلى خير العالم.
هذا الشباب الذى نأمله وننشده، هو الذى سيتنفس عندئذ إسلامه ويعيشه كما يجب أن يُعاش، لأنه سيأخذه من يد الله عز وجل مباشرة، ومن كتابه سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيكتتب فى الحياة الإسلامية بحياته ككل.. أى بتفكيره وثقافته وعلمه ومعارفه وأذواقه وعواطفه وحماساته.. تماما كما اكتتب المسلمون فى القرون الهجرية الأولى.
وبطبيعة الحال فإننا لا ننتظر أى مطابقة حقيقية بين ما سيقوله أو يكتبه أو يحاوله أبناؤنا حين يهتمون بالإسلام هذا النوع من الاهتمام الذى ننشده لهم، وبين ما قاله أو كتبه أو حاوله آباؤنا رضوان الله عليهم، أو بين ما قلناه نحن وكتبناه أو حاولناه. وإنما المأمول أن يكونوا على الجملة أفضل إسلاماً منا، لأنهم سيكونون أكثر إخلاصا وفهما واندماجا فى روح الإسلام الباقى الدائم، وفى روح زمانهم، يعيشون فى الإسلام كدين حى كله حياة فى حاضر كله حى.. وليس كمجرد جزء من ماضٍ فى حاضر لم ولما يمتزج معه. هذا الشباب المنشود سيرى بفهم وشجاعة ـ حين يمسك بوظيفة الدين الحقة ـ ما لانقوى نحن على الاعتراف به حتى فيما بيننا وبين أنفسنا، من أننا توقفنا عند ظاهر تراث دون أن نغوص فى أعماقه أو نتمثل معانيه ونتذوق تذوقا حقيقيا حكمته وقيمه ومثله.. سوف يفطن هذا الشباب المأمول إلى أن قيمة التراث المجيد فى أنه خطوات جليلة خطاها المسلمون سبقوا بها زمانهم وعالمهم نحو المزيد من الاستنارة والمعرفة والعلم.. يجد فيها المسلم الذكى المستنير المحب لدينه ـ ذلك الروح العظيم القابع الكامن من خلف الفكرة والغرض والنظرية والتفسير والتعليل.. هذه الروح التى تدفع المسلم إلى الله والحق، وإلى المزيد من الالتصاق بهما والإخلاص لهما.. هذا الإخلاص هو ملاذ المسلمين ليهتدوا إلى معالم خطواتهم لتحقيق المزيد ومزيد المزيد الذى يتفق مع روح وجوهر الإسلام.
www. ragai2009.com