كان نجاح آدم فى أولاده محدودًا، وقد نبه القرآن المجيد إلـى أن الله تعالى اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (آل عمران 33).. وذلك كأنبياء هادين مهتدين أولهم آدم بعد تلك المحنة التى مَرّ بها.
ووجود الأنبياء كل فى زمنه ومحيطه كهادين واعين عارفين فاهمين، قد استلزمه وجود الكثرة الكافرة من البشر، الجاهلة الغافلة اللاهية المنصرفة فى بدائيتها وتأخرها فى عاداتها وأخلاقها ومفاهيمها وغاياتها وأغراضها.
ومع تطور المجتمعات فى القرنين الأخيرين، والتفاتها واحتياجها اقتصاديا وسياسيا إلى نشر التعليم فى جـميع الطبقات، ومع ما واكب ذلك من اتساع نطاق الإعلام والثقافة بين الجماهير، كثر دعاة الهداية والتبشير، وكثرت مراكزهم ووسائلهم وأساليبهم، وقلت استجابة الجمهور إلى الدعـاة الجدد، ولم يعد ظهور بعض الزاعمين يجتذب الأنظار والأسماع والأنصار إلاّ بقدر محدود جداً.. خاصة وقد اتسعت وتعددت ألوان الدعوات لاجتذاب الجماهير دينية ولا دينية، وسياسية وغير سياسية، ووطنية وثورية، ومحافظة وراديكالية، وصوفية ويوجية وكريشنامورية وثيوصوفية.. وظلت عامة الناس فى البلاد المتطورة وغير المتطورة، منتمية برغم ذلك إلى أنبيائها ودياناتها انتماًء خاليًا فى الأغلب الأعم من الحماس والعمق !
هذا وأكثر أفكار الآدمى خواطر داخلية بلا واقع فعلى يحركها ويثيرها.. وهى فيما يبدو تستعجله إلى الحركة والتحرك.. وهو إذا اعتاد عليها دون أن يتحرك، فقد أو كاد معظم ميله الغريزى إلى الحركة والفعل، وأدمن ذلك النوع من التفكير العقيم، وصار أسير الخيالات والخواطر الفارغة لا يتركها ولا تتركه!
ويبدو أن هذا الفقدان المتواتر السائد، يرجع إليه معظم ما لدينا من مخالفة أفعالنا لأقوالنا، وكثرة وسهولة وعودنا وعزومنا وعهودنا وقلة ما ننفذه ونلتزم به منها، وتقلص التمسك بالإخلاص والأمانة والوفاء، وتعذر الصبر الطويل على احترام كلمتنا والتزام حدود عقيدتنا فى الإصرار على الامتثال الفعلى لمبادئنا المعلنة ، وهو المقصود الحقيقى من الاستقامة.
كما يبدو أن هذا الفقدان سبب من الأسباب الرئيسية لما نتصف به مما بلغناه من أنواع وصور القسوة وعدم المبالاة، وقلة الشفقة والرحمة حتى لمن يستحقونها من أهلنا أو جيراننا ومعارفنا.. ثم يرجع أيضا لهذا الفقدان بعض أسباب ولع الآدمى بترديد العموميات أو التجريد والحكم والقواعد، لأنها خالية بالنسبة له من الإلزام فى التطبيق الفعلى.. وهذا يغرى الآدمى بحفظ أمثال تلك المقولات العامة، وقد يدفعه إلى تقصيها وينتهى به إلى التعالم وسعة المعرفة والتبحر فى العلم.. وإلى اعتباره عند نفسه وفى بيئته متعلماً أو عالماً أو عـارفاً، دون أن يتحقق لديه وفى أعماقه رسوخ الأمانة والإخلاص والتراحم. ومن هنا كانت تنفصل الأخلاق والتدين عن المعارف والعلوم، بانفصال القصد الفعلى فى كل ما لدى البشر، وذلك قبل أن تتداخل هذه فى تلك، نتيجة الاحتراف والارتزاق!
● ● ●
ويجب ألا ننسى أن عواطفنا حتى الآن تعيش أكثر ما تعيش على ميلنا الذى يكاد يكون فطريا إلى الإيمان المريح، وهو دائما مبنى على الاعتقادات ووجهات نظر دينية أو أخلاقية أو سياسية أو علمية أو اجتماعية أو أسرية.
وهذا الإيمان بشىءٍ ما لا تخلو منه نفس بشرية، والذى يصعب على كل منا تركه، يعطينا راحة التسليم والكف عن الانشغال والقلق لأمر من أمورنا موجودٍ فعلا أو توهما. وهذه الراحة تساوى عندنا وتزيد على العناء الذى نكابده فى استمرار البحث والتحقيق والتمحيص العقلى.. فهو من هذه الزاوية ينقذنا من حيرة العقل وشكوكه وتمرده على الغيب الذى يجتاحنا.. وهو أيضا سهل الانتشار واجتذاب المرافقين والأنصار والأتباع، وتوفير المحيط أو البيئة التى تفسح لنا مجال الحركة الميسرة الموالية والمواتية، ويعطينا فرصاً طيبة للإنشاء والبناء إنْ أردنا ذلك بعزم.. كما قد يعطينا فرصاً متسعة للهدم والتخريب والتدمير فى تيارات الأحقاد والعداوات والفتن التى تجرى وتشتد فى محيطنا !!
وللإيمان دوره فى وجود الحضارة الحالية كما كان له دوره فى كل حضارة سابقة وللاعتقاد فى العقائد الملبوسة دور فى الفتن والقلاقل والحروب فى قرننا الحالى والقـرن الماضى، كما كان فى كل القرون السابقة.. لأننا بالغين ما بلغنا من المعرفة والفهم والتطور والرقى، لم نتخل عن الانصياع للعواطف والانزلاق فى تياراتها إيجابا وسلبا !
ويدين تقدمنا وترقينا وتطورنا بالكثير للإيمان الصادق الصحيح الذى يدفعنا إلى المثابرة والإصرار على العمل والإتقان، والرضا ببذل الجهود وأحيانا بالمخاطرة بالحياة نفسها وببذلها.
فالإصرار والمثابرة على العمل الجاد فيهما دائما ووراءهما، دافع إيمانى بشىء قد لا نعيه، لكنه موجود وباق يؤدى مهمته فى صمت وبلا ضجيج. قد نفخر بنتائج أعمالنا وبما كلفتنا من عناء ومشقة، لكن لا نتذكر القوة الداخلية الدافعة وراء رضانا بهذه المكاره. هذه القوة الدافقة هى إيماننا العميق بشىء معين اعتنقناه وأطعناه بلا أى تردد أو مناقشة.
وتصعيد الإيمان بهذا الشىء المعين، إن جاز التعبير، إلى الخالق جل وعلا خطوة ترقٍّ.. ليس فقط فى إنجاز هذا أو ذاك من أعمالنا، وإنما فى غاياتنا وأغراضنا ومقاصدنا من تلك الأعمال، وفى ألا يشذ من أغراضنا ومقاصدنا هذه غرضُ أو مقصد إلى شر خاص أو عام نندم من أجله على ما أتيناه ونفذناه أو شرعنا فى تنفيذه فى سبيله !
وتعلقنا بالقيم العامة التى لا تخلو من ذكرها مناسبة، وهى قيم بشرية أكثر بكثير من حيث العدد والأهمية من تعلق آبائنا وأجدادنا الذين لم يعرفوا الكثير منها.. وهذا التعلق ضرب من الإيمان، يحفزنا ويقود كلا منا فى موقفٍ ما إلى موقف معين أو تصرف من التصرفات، وذلك دون أن نعرف بالدقة ما هى فحوى هذه القيمة، مكتفين بأن نعرف مفهومها العام وإن كان غامضا مبهما غير محدد، ودون أن نحتاج أو نشعر بالاحتياج إلى إزالة هذا الغموض والإبهام وعدم التحديد. لماذا ؟!.. لأننا فى صدد إيمان لا فى صدد واقع يفتقر إلى معرفة كاملة لشىء معين!
www. ragai2009.com