من غباء الحركات المتشحة بالدين فى تطلعها للوثوب إلى الحكم، أنها لا تفطن إلى أنها إن باتت دولة فقدت جوهرها الدينى الذى تتشح به، وفقدت بالتبعية المصداقية التى تدعيها.
فالدولة معنى مدنى دنيوى سياسى، واقتصادى اجتماعى دفاعى، وهذا المعنى لا يمكن أن ينظر إلى الملل والنحل إلاَّ من منظار هذه الأعماق العامة التى تنظم المجتمع كله بمختلف أجناسه وأعماره وأوضاعه وعقائده ومذاهبه.
حصر أغراض الدولة فى أغراض العقيدة الدينية ناهيك عن كذب الإدعاء بها محال. فذلك الحصر يفك عقد المجتمع ويبعثر عناصره ويذهب بوحدته العامة التى تجمعه فى السلم والحرب، وفى الكساد والضيق قبل الرخاء..
هذا الانحصار فى الأغراض المتشحة بالدين، يجعل الدولة كائنًا شاذًا فى مجتمعها، وغريبًا على العالم أجمع.
هذه الحركات الملبوسة لا سبيل أمامها لتحقيق أغراضها سوى تكبيل العقل وتعقيم التفكير.. وهى بهذا تفتقد دون أن تدرى مقومات الدين الذى تدعيه..
فقدسية الروح مقررة فى جميع الأديان، وهم يغتالون الأرواح، والتفكير فى الإسلام فريضة حتى فى أمور التبعة والتكليف، وهم لا يريدون تفكيرًا ويحكم كوادرها الأمر والسمع والطاعة !
إلغاء العقل ارتداد إلى الطفولة، بل الطفولة البلهاء المحاصر نموها.. فالعقل هو الذى ينمو بالطفل من استعداداته البدائية.. هذه الاستعدادات البدائية تتوارى تدريجيًا مع نمو العقل ونمو الجسم أى فى النضج والخطى التى يخطوها النضج الفردى نحو النضج العام..
لذلك كان إلغاء العقل ومصادرة التفكير ارتداد إلى طفولة بدائية لا تنمو لتتعامل مع معطيات وتحديات ومطالب الحياة.
رأينا بجلاء أن الإخوان حين وثبوا للحكم بدغدغة المشاعر وإثارة الأشواق واستجلاب العطف، افتقدوا الكوادر التى تلزم للحكم وإدارة شئون الدولة بكافة سلطاتها وعناصرها السياسية والتعليمية والقضائية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية..
ونضوب الكوادر يفرض إما استخدام من لا دراية ولا كفاءة له فى اضطلاع بما أعطى إياه، وإما بمحاولة شراء الولاء بما فى ذلك من محاذير وما يؤدى إليه من تداعيات لا تقوم عليها الدول.
لذلك سقط بسرعة حكم الإخوان!
سقط لأنه بدا مفلسًا إزاء الشعب الذى اكتشف الخديعة وضاق بما يراه من قصور ومن انحراف عن الجادة والعدالة والمواطنة، ومن الانحصار فى الأهل والعشيرة، وأخونة مفاصل وسلطات الدولة، والبدء فى تدمير الحضارة التى بنيت بكد السنين وعقول الصفوة العالمة.
الاتجاه المؤكد الذى حققه الإخوان، أنهم بحكم سنة واحدة كشفوا ما كان يستغرق عشرات السنين للإبانة عن حقيقة مذهبهم وتطلعاتهم وأهدافهم!
والانجاز المؤكد الثانى، أنهم نقلوا مواجهتهم السابقة لنظم الحكم والحكومات والحكام إلى مواجهة الشعب الذى اكتوى بنار رد فعلهم الذى أهلك الزرع والضرع واغتال الأرواح، بعد أن عانى من سنة حكمهم التى كشفت ما وراء الستار !
والإنجاز المؤكد الثالث، أنهم فقدوا حجتهم فى الاتشاح بالإسلام!
ليس من الدين أن يُتخذ القتل سبيلاً إلى الحكم!
ولا من الدين أن يكون الخيار الحكم أو القتل!
من ألف وأربعمائة سنة فقد الأنصار أى أمل فى الحكم، ولكنهم بقوا على إسلامهم ومؤازرتهم للإسلام والمسلمين.
هذا هو الإسلام!
[email protected]
www. ragai2009.com