العناد جبلّة بشرية، لا ينجو منها إلاَّ العقلاء.. والعاقل صاحب عقل وزيادة. تأتيه الزيادة من كونه يستخدم هذا العقل، فكم من أصحاب عقول لا يستخدمونها ولا يفكرون، وتغلب عواطفهم وانفعالاتهم ـ تغلب عقولهم التى تتضاءل وتضمر من قلة أو عدم الاستعمال !
والعناد يقترن غالبًا بالسلبيات التى تُبعد الآدمى عن الصواب والموضوعية.. وتبلغ النفس ذروة الانحصار فى الذات حينما تستسلم كلية للعناد، وتنقاد له، فيقودها إلى مواقف تنحاز فيها الميول بشدة إلى تمسك الذات بموقفها والإصرار عليـه، بلا تفكيـر، فيقودها العناد إلى ما لا تحمد عقباه، وقد جرت الأمثال من قديم، ولا تزال، على أن العناد من عمائه يورث الكفر !
أخطر من عناد الأفراد، وأشد عنفًا وضررًا، عناد الجماعات والطوائف والفرق.. ثمرة هذا العناد تعصب مقيت يؤدى حتمًا إلى امتلاء الأفراد بالكراهية والبغض والحقد والعـداوة لكـل من لا ينضوى فيها !
ونحن حين نفكر، ننسى أن عقلنا المفكر ـ أى وعينا ـ ليس إلاَّ جزءًا منا.. يصاحب تنفسنا ودورة دمائنا، وجهازنا الهضمى والحركى، ويقظتنا ونومنا.. ويلازمنا فى الزمان والمكان وفى كل الأوقات..
فعقلنا مهما علا، صوت من جوقة أصوات عديدة عالية مثله، وربما أعلى، تتصايح فى داخلنا. ولذلك فإحساسنا بعقلنا إحساس جزئى يشاركه إحساسنا بباقى العناصر التى يتكون منها وجودنا.. فلا حياة لكل منا إلاَّ بهذه العناصر مجتمعة..
مدى نطاق العقل البشرى فى الفرد وفى الجماعات، محدود خلقةً بملازمة تلك الصحبة الكثيفة من العناصر والوظائف اللازمة لحياتنا.
وهذه المحدودية الملازمة لحياتنا لا تنتهى إلاَّ بنهاية حياتنا فى هذه الدنيا.
بيد أن هذه المحدودية تسمح فقط لوعينا بالتسليم والإيمان بوضع كان أو كائن أو سيكون مما لا دخل فيه للنشاط العقلى المعتاد.
كل ذلك صعب على العقل أن يتعقّله وأن يفهمه فهمًا كاملاً. وهذا ساتر ضخم بين رؤية العقل التحليلية وإمكاناته المليئة بالفروض والاحتمالات ؛ وبين الإيمـان والتسليـم بما خلف ذلك الستار الضخم الكثيف الذى لا حيلة للعقل فى رؤيته رؤية تامة، مباشرة أو غير مباشرة.
أما استدلالنا على صحة المقدمات بنتائجها الملحوظة، فلا يكون قاطعًا إلاَّ إذا كان بمراقبة العقل وإحاطته بكل واقع المقدمات، ثم ملاحظته الدقيقة الصحيحة للنتائج، والربط عقليًّا بين هذه وتلك، ربطًا يقوم على علاقة السببية.
ونحن نحتاج للإذعان للغيب فى كل ما يتجاوز أبعاد دنيانا وحدود بشريتنا، وذلك عوضًا عن الاحتكام إلى نشاطات عقلنا ووعينا وفهمنا التى تقصر حتمًا عن الإحاطة بما يتجاوز حدود دنيانا وإمكانات عقولنا.
ومقاييسنا البشرية صحيحة صحة نسبية قابلة دائما للتصحيح والتعديل وإعادة النظر والمراجعة.. لأنها دائمًا مقاييس بالنسبة للنظام المعمول فيه بهذه المقاييس التى لا يمكن أن تحيل إحالة معتبرة إلاّ عليه هو بذاته.. فلا يمكن أن نحاسب الكون الهائل ببديهياتنا البشرية التى كثيرًا ما لا يشاركنا فيها هذا الكون العظيم !
وعقولنا تعرف منذ القدم معنى «الغير محدود».. الذى لا يعرف آخره أو نهايته، سواء فى الكبر والصغر، أو فى الامتداد والحجم، أو فى الطول والقصر، أو فى القدم والجدة.. ليس فى وسع العقل البشرى أن يحدد أيًّا من هذه النهايات الممكنة أو المحتملة وبتلك المقادير والأوزان والأوصاف والمقاييس.
ذلك أن الآدمى لا يقف حتما عند حدود ما يحسه وتحيط به حواسه وتعيّنه له إدراكاته، بل يمدها خياله بعض المَدّ ثم يبقى الباب مفتوحا لخيال من يريد.. فلفظة «غير» المضافة إلى كلمة المحدود ـ هى هذا الباب المفتوح فى استعمال العاديين من البشر للتعبير عمّا تجاوز مقدورهم المألوف فى العد والقياس والوزن والتقدير والحساب.. وهم بذلك ينفضون أيديهم من حساب بعد السماء وسعة الأرض وسرعات الرياح ومياه البحار وعدد الأرواح والأحياء وكمية النجوم والكواكب والأفلاك وقدم الأزل وطول الأبد وما شابه ذلك.. لأن حدود محدودية البشر ترسمها بالحتم حواسهم ومشاعرهم وذاكرتهم، وهى حدود دائما وبالضرورة نسبية بنت وقتها وعصرها غير عينية ولا كونية.
والعلم الوضعى حاول ويحاول وسيظل يحاول الخروج بالبشر من تلك النظرة الساذجة البدائية بالاتفاق بين أهل العلم والعمل على رموز بعينها للقياسات والأوزان والأحجام والطاقات والعناصر والذرّات والجزئيات والبللورات، وتحديد معان منضبطة متعارف عليها وحدها فى دوائر العلم والأحمال للأجناس والأنواع والأصول والفروع والعائلات والأعضاء والأجزاء وأجزائهـا.. وهذه وغيرها كلها تحديدات بشرية لا يعرفها الكون، ولكن موضوعاتها فروق بين تكوينات ذلك الكون العظيم..احتاج البشر إلى التعرف عليها وتسميتها بمسميات بشرية للانتفاع بها فى مساعيهم.
www. ragai2009.com