بين الراحة والفراغ
كثيرًا ما يخلط الكثيرون بين الراحة والفراغ، مع أن البون بينهما شاسع. الراحة اقتطاع وقت من العمل، اقتطاعًا واعيًا ومقصودًا، لتجديد النشاط واستعادة القدرة على العمل، فالراحة والعمل صنوان متلازمان.
بينما الفراغ خواء لا قصد فيه، ولا استعـداد ولا عـزم ولا إرادة تتغيّا شيئًا ذا قيمـة، لأن الفارغ خاوٍ فى الواقع من عمل أو شىء جاد يشغله أو اهتمام بهدف يسعى لتحقيقه !
الاهتمام بالراحة قاسم مشترك بين الفرد الجاد، والمجتمعات الجادة، ويمكنك أن تقيس جد الأشخاص وجد المجتمعات بمقدار عنايتها بالراحة، هذه الراحة هى الوجه المقابل والضرورى للكد والجد فى العمل. الراحة ليست خواءً ولا فراغًا، وإنما هى مساحة واجبة لتجديد القدرة على العمل والنشاط.
لا توجد راحة لمن لا عمل له، وإنما فراغ أو بطالة خاويان خاليان من المداولة بين العمل والراحة، وخاليان أيضًا من الشعور بالجدية والأهمية ـ هذا الشعور الذى يلازم العامل المساهم فى نهر الحياة.
تراجع من زمن التلازم القديم بين الثروة والخمول أو الفراغ، حين أدركت الثروة أنه لا غناء لها عن العمل، وأن بطالتها استهلاك لها.. وصرنا نرى تلازمًا بين الثورة وأصحاب الثراء، وبين الكد والعمل..
على أن مشكلة الفراغ لم تنحسر، فلا يزال أعداد من الناس لا تعمل أو لا تعمل بالقدر الكافى، ربما بسبب يسارها، وربما بسبب البطالة الإجبارية، وربما بسبب الخواء والبلادة، وربما لأكثر من سبب من هذه الأسباب.
وهناك من يعمل ظاهرًا ولكن بلا إحساس بالمسئولية، وهذه ظاهرة موجودة من قديم، ازدادت فى عصرنا، وتسببت فى تفاقم مشكلة الفراغ فى قطاعات من المجتمع، فضلاً عن تراكمات البطالة الناجمة عن الكساد وتناقص وندرة فرص العمل.
هذه البطالة لا تعالَج بالمسكنات، ولا سبيل لعلاجها إلاَّ باستيجاد الأعمال والأنشطة، وبالرواج وما يترتب عليه من إنتاج يعود فيصب فى ازدياد النشاط وفرص العمل.
معالجة البطالة معروفة وإن عزّت أحيانًا إمكانيات أو سُبل علاجها، بيـد أن معالجـة «الفراغ» فعسيرة، وأعسر منها معالجة أمراض الفراغ وهى عديدة، وأشرّ ما فيها خواء الداخل، وخواء الروح والنفس والعقل.
ولا شك أن تضخم الثروات عامل يجب الالتفات إليه، والتعامل فى ذلك عسير حتى على المجتمعات الاستبدادية أو النظم الشيوعية. الثراء فى هذه النظم موجود، ولكنه مستور، وساهم فى استتاره أدوات السلطات. فى مثل هذه المجتمعات يمارس الأثرياء يسارهم فى صمت نسبى، ولا تخوض فيه وسائل الإعلام الخاضعة للهيمنة، وقد لوحظ عندما دالت نظم من أمثال هذه النظم، كيف كان بداخلها طبقات تعيش معيشة مترفة خاصة، تبتعد ابتعادًا شاسعًا عن معيشة سواد الناس الكادحين المغمورين فى المزارع والمصانع، أو المكاتب والثكنات !
فمشكلة الفراغ والفارغين تتضخم فى عصرنا فى المجتمعات الحرة وغير الحرة. وهى موجودة فى مجتمعات الاقتصاد الموجه مثلما هى موجودة فى مجتمعات السوق الحرة.. مرد ذلك أن اليسار والموسرين فى تضخم مستمر مع تزايد وتضخم الثروات .. ومن مفارقات هذا التضخم فى اليسار والثروات أنه ناتج عن تزايد احتياجات الآدميين باستمرار، واتساع مرافقهم تبعا للوازم المدنية وتزايد آلياتها وتقنياتها وتعدد نواتجها وتضاعف كفايتـها حجمًـا وعددًا ونـوعًا.. وتزايد مبتكرات اختراعاتها وبلايين سلعها وخدماتها مصحوبة برغبات البلايين فى الاقتناء أو الاستعمال أو التغيير والتبديل والإضافة والاشتهاء والتطلع !
ظنى أن الأمل بعيد جدًا فى رد الآدميين إلى القصد والاعتدال، فقد بات الهوس سمة من سمات العصر، وتقلصت مساحة التعقل والإيمان بقيمة العمل المسئول وقيمة الراحة المسئولة المعقولة منه. ومع هذه وتلك لـم يعـد أحـد يلتفـت أو بالقدر الكافى إلى خطورة «الفراغ»، والتهافت عليه وسوء عاقبته فى خواء النفس والروح وانعكاس مضاره على المجتمع بأسره.. حين يؤدى الفراغ إلى استنفاد الإنسانية ذاتها !
www. ragai2009.com