أخذتنى ، رحمه الله ، من عمودى الأثير «من تراب الطريق»، واليوم أعود إليه بعد طول اشتياق.
وأحب أن أبدأ العودة بحديث عن المحاماة التى أعطيتها عمرى، وأعطتنى كل شىء، بما فى ذلك المادة والقدرة على صياغة ما صنفته من مؤلفات وما كتبته من مقالات.
لقد كثرت الألقاب التى أعطيت للمحاماة، عن حق، أوعن مبالغة، أو بلا حق، ويروقنى من هذه الألقاب، أو بالأحرى من واقع المحاماة، أن المحامى سيد نفسه، والمحاماة أوسع وأرقى وأعظم من أن يحتويها لقب أو تخصيص، فكل محامٍ محامٍ للحريات، وللكبار والصغار، وللإسلامى والمسيحى، وللفنان أو العاطل من موهبة الفن، وللصحفى أو الكاتب أو لمن لم يعمل قط بالصحافة أو الكتابة.
وهذا الاتساع والشمول، هما سر تمكن وتميز المحامى والمحاماة، حسبه أن يؤمن بالقضية التى يقبلها كيما ينافح عنها أيًّا كانت عناوينها، فكثيرًا ما تختلف المضامين عن العناوين، وقد تكمن صعوبة المعالجة فى العنوان الذى يبدو صغيرًا، وقد يكون وراء العناوين الضخمة يُسْرٌ فى الدفاع وترتيب الحجج والبراهين والأسانيد.
قد يكون المتهم بضرب بسيط مذنبًا حتى النخاع، ويكون المتهم بالقتل العمد مع سبق الاصرار والترصد بريئًا من التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب !
المحامى يستمد مشروعيته من تحليقه فوق السحاب، متخففًا من أى قيود إلاَّ إقتناعه الشخصى بقضيته وبحججه وأسانيده فيها، بل إن حرية المحامى وتخففه لا تخضع لرغبة المتهم وهو الأصيل، بل إلى ما يهديه إليه عقله وعلمه وفنه وموهبته.
قد يعترف المتهم عند القبض عليه، أو فى التحقيقيات، ويبنى المحامى دفاعه على بطلان الاعتراف ومجافاته للصدق.
وقد ينكر المتهم التهمة، ويمعن فى نفيها وإنكارها، بينما يرى المحامى ــ وهذا حقه وواجبه ــ أن الإنكار غير مجدٍ إزاء غزارة الأدلة، فيبنى المحامى دفاعه على طلب تفريد العقاب واستعمال الرأفة لأسباب وأسانيد يراها أصوب وأجدى للمتهم.
وقد يوافق المتهم على استجوابه بمعرفة المحكمة، فيرفض محاميه هذا الاستجواب، فلا يسع المحكمة إلاّ النزول على رفض المحامى برغم موافقة الأصيل، لأن القانون اشترط للاستجواب أمام المحكمة أن يكون بموافقة المتهم ودفاعه معا، فـلا تغنى موافقة أحدهما عن موافقة الآخر !
خطة الدفاع هى بنات فكر وعلم وثقافة وخبرة وفن المحامى، لا تقبل بطبيعتها إملاءً من أحد، حتى ولو كان زميلاً أطول وأعرض باعاً وخبرةً وأقدميةً ومكانةً فى المحاماة.. ومن يعرف طبيعة القضايا وما تثيره من أفكار ووجهات نظر، يعرف أن رئيس المحكمة نفسه وإن ترأس الهيئة إلاّ أنه لا وصاية له على رأى أعضائها، ولهذا فإن التصويت فى المداولات فى الأحكام يبدأ بالأحدث ثم الأقدم ثم الرئيس حتى لا يتأثر عضو المحكمة بأقدمية زميله أو رئاسة رئيس الهيئة !
أما المحامى فهو متخفف من أى قيد شكلى أو إدارى أو موضوعى، هو سيد نفسه وابن أستاذيته هو وعلمه هو.. يحلق فوق السحاب، ولا يشده شىء مهما كان إلى الأرض أو إلى سحاب آخر لا يقنعه أو لا يريده.. هذه الحرية هى قوام المحاماة وعدة المحامى.
المحاماة هى الأرض البكر للآراء الحرة والتعبير الفاهم المتمكن.. والمحامى هو طاقة لا قيمة لمضمونها بغير حريتها.. وهذه الحرية محققة للمحامى من كونه لا يخضع لقيد إدارى أو وظيفى أو حتى نقابى.. رزقه على الله، وعلى علمه وكفاءته.. لا سبيل لاحتوائه، لذلك كانت النقابة هى المستهدفة بقصد تعقيم المحامين والمحاماة من خلال تطويق النقابة !
www. ragai2009.com