الإمام الطيب والقول الطيب
(52)
الأزهر وضوابط حواره مع الغرب
لا ترجع مكانة الأزهر السامقة إلى مجرد قِدمه فى التاريخ، ومضى آلف سنة وخمسين على إنشائه، فقد سبقته جوامع ومؤسسات علمية وثقافية، ولكنها لم تصمد مع مضى الزمن، فمنها ما تراجع دوره كمسجد عمرو بن العاص ومسجد ابن طولون فى مصر، ومنها مؤسسات كثيرة فى بلاد العالم، ولكنها بادت واندثرت، ولا يعرف العالم مؤسسة علمية استمرت فى أداء دورها نيفًا وألف عام إلاَّ الأزهر، ولا جامعة جمعت بين العلم والتعليم، ونشر القيم الأخلاقية والإنسانية المرتكزة على تعاليم الأديان ؛ إلاَّ جامعة الأزهر.
ولنا أن نعرف أن عدد الدارسين اليوم فى الأزهر بكلياته ومعاهده يناهز الآن نصف مليون طالب وطالبة، منهم سبعة آلاف طالبة وطالب يدرسون الآن على نفقه الأزهر الشريف، ويكفل لهم الإقامة فى مدينتين للبعوث الإسلامية إحداهما بالقاهرة، واحدة للطلبة وأخرى للطالبات، ومدينة للبعوث الإسلامية للطلاب فى الإسكندرية.
كان مخططًا للأزهر الذى بناه الفاطميون، أن يكون مركزًا علميًّا لنشر الدعوة الفاطمية وعقائد المذهب الشيعى الإسماعيلى، إلاَّ أن إرادة الله شاءت أن يكون منارة تشع منها علوم المسلمين من أهل السنة بمختلف المذاهب الفقهية وتوجهاتهم العقلية، ولا يقتصر على ذلك فينفتح لتدريس علوم وكافة المذاهب من شيعة ومعتزلة وغيرهما، ويتسع فى إطار الوسطية التى إلتزمها، لكافة الآراء فى المذاهب الفقهية والفلسفية والعقدية واللغوية والأدبية، جنبًا إلى جنب مع العلوم الفلكية والرياضية والطبية.
وعدد كليات جامعة الأزهر وقتما ألقى الإمام الطيب هذا البحث سنة 2009، قد بلغ اثنتين وستين كلية للطلاب والطالبات موزعة فى شتى ربوع مصر، تدرس فيها كل التخصصات الدقيقة فى كل فروع العلوم الدينية والتطبيقية.
والتعليم الأزهرى الذى يُقدمه الأزهر لطلابه ؛ يتمثل فى تأهيلهم لفهم الإسلام فهمًا صحيحًا ؛ عقيدةً، وشريعةً، وسلوكًا، فهمًا يقوم على تأصيل قاعدة التعددية وقبول الرأى الآخر، والانفتاح على التنوعات التراثية التى تضمن للعقل الأزهرى أن يكون عقلاً حواريًا، ينفر من الانكفاء على مذهب واحد، يُؤمن به ويعمى بتعصبه له عن المذاهب الأخرى التى صاغت العقل الإسلامى عبر تاريخه الطويل، وأهَّلت الملسمين لصنع حضارة عالمية كبرى، لا زالت حتى هذه اللحظة موضع دهشة كثير من علماء الحضارة والتاريخ فى الشرق والغرب.
وهذه التعددية التى تُشكل لُبّ المنهج الأزهرى فى التعليم ؛ إنَّما تعود إلى الحقيقة الكونية والإنسانية التى يؤكدها القرآن الكريم ؛ وهى أن الله تعالى لو أراد أن يخلق الناس على عقيدة واحدة، ولغة واحدة، ولون واحد، وثقافة واحدة لفَعل، لكنه عز وجل لم يُرد ذلك، وشاءت إرادته أن يخلق الناس مُختلفين فى كل ذلك، بل شاءت إرادته أن يستمر قانون الاختلاف بين البشر ؛ لغةً، وعقيدةً، ولونًا، وثقافةً، إلى آخر لحظة فى عمر هذا الكون : «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود 118).
وترتبت على هذه الحقيقة منطقيًا حقيقة أخرى، عبر عنها القرآن الكريم بأن الناس جميعًا قد خلقوا من أصل واحد.. آدم وحواء، وأن التعارف هو أساس الصلات بينهم فقال تعالى : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات 13).
وفى هذا النص الإلهى تأصيل لوحدة الأصل الإنسانى، وتأكيد على وجوب التآخى بين الناس فهم جميعًا أبناء أب واحد وأم واحدة، ومن ثم فلا مجال فى الإسلام لفلسفة الصراع بين الأمم والشعوب والحضارات، ولا لسياسات الغلبة والتسلط والاستقواء، أو حمل الناس على أن ينخرطوا فى حضارة واحدة أو فى ثقافة واحدة، أو حملهم على اعتناق دين معين لا دين سواه.
غير ذلك ضرب من العبث، يتناقض جذريًّا مع مشيئة الله وإرادته وجريان العادة فى كونه وخلقه.
للأسف كُتب علينا فى الآونة الأخيرة، أن نوضع جميعًا بإسلامنا ونبينا الكريم عليه الصلاة والسلام فى قفص الاتهام، من قِبل مؤسسات غربية سياسية ودينية، أخذت على عاتقها أن تتهم الإسلام زورًا أو جهلاً بالعنف والتطرف والسيف والحرب، لا يزال الغرب يعتنقها رغم ما اتضح من حقائق تكذب هذا النظر القديم الذى افتقد العلم بالإسلام.
ولقد بُذلت جهود ومحاولات من أجل توضيح الحقيقة على الجانبين ؛ الغربى والإسلامى، لكنها لم تُؤتِ ثمارَها المرجوَّة ؛ بسبب عقباتٍ كثيرةٍ ؛ أهمها : عقبة التَّعميم المعيب من بعض الغربيبن الذين يُعممون أحكامهم المسيئة على الإسلام والمسلمين، انطلاقًا من تصرفات فئة شاردة ؛ انحرفت بفَهم الإسلام ؛ إمَّا إلى حرفيّة شديدة الانغلاق والتزمت، وإمَّا إلى عُنف مُسلح، اتَّخذته أسلوبًا فى التعبير ومنهجًا فى الحوار وفى المقابل ؛ فإن بعض المسلمين فى الشرق لم يتخلَّصوا من هذا العيب حين وضعوا الغرب كله فى سلة واحدة، ونظروا إليه على أنه شرَّ مستطير وعدِّو متربص بالإسلام والمسلمين، يحب تحين الفرص لمواجهته وتحطيم أثاره قدر المستطاع.
هذا بالإضافة إلى عقبة أخرى، نتفهمها نحن المسلمين ؛ وهى : أن بعض الغربيين يتوجس خيفة من تكاثر الجاليات الإسلامية، والخشية من غلبة أنماطها الثقافية والحضارية على الشارع الغربى.
إن مشروعية زواج المسلم بكتابيةً ؛ يهوديةً، أو مسيحية، تبقى على دينها فى شريعة الإسلام ليست إلاَّ نموذجًا مُضيئًا لامتزاج الأديان السماوية وتعايشها فى مودَّة ورجمة تحت سقف واحد.
والإسلام فى الاندلس يكفينا مؤنة إثبات هذه الحقيقة، فقد إنفتح فى إسماح لحضارة اليهود وحضارة المسيحيين، ولم يتعامل مع أى منهما بروح العداء
وعلى الجانب المقابل ينبغى أَلاَّ نكف عن تذكير المسلمين الذين يعيشون فى الغرب بأن يعلموا أنهم ضيوف فى حضارات لها ثقافاتها وفلسفاتها الاجتماعية والاقتصادية، وعليهم أن يحترموها ويسلموا بها لأهلها، حتى وإن لم يلتزموا بها فى سلوكهم الشخصى أو الجماعى.
صار الجميع شرقُا وغربًا فى حاجة إلى حوار مباشر بين الطرفين، يوفر الفرصة لرؤية مشتركة، ويتوخى به الجميع لتأكيد على القواسم الإنسانية والحضارية المشتركة بين الشرق والغرب، ويحقق اعتماد ملامح لغة جديدة فى الحوار، تكون محلاً لاحترام وتقدير جميع الأطراف. وهذا هو ما تهدف إليه الرابطة العالمية لخريجى الأزهر الشريف.
www. ragai2009.com