تخلص النظرتان الفنيتان المعتنقتان فى الشرق والغرب؛ فى أن إحداهما تجعل الإنسانية والطبيعة كليهما يسيران فى طريق مفتوح قابل للتغيير الذى تقتضيه الحكمة، وهذا وجيز وروح النظرة الشرقية، والأخرى تنظر إلى العالم كأنما هو شىء قد كمل واكتمل طبقًا لقوانين معينة محددة لا سبيل إلى تغييرها، ومثل هذا يكون بمثابة أن نضع الأغلال فى أيدينا، وتلك هى حال النظرة الغربية التى تحسب أنها التى تتمسك بالحرية، وتعيب على النظرة الشرقية أنها تقيم سدودًا وتفرض أغلالاً على حرية الإنسان.
السؤال إذن الذى يطرح نفسه، ويعيد الطرح، هو : أيكون الغربى مؤمنًا بالحرية الكونية حتى يزعم أو يتمسك أن الأمور دقيقها وجليلها قد رُسمت رسمًا محددًا دقيقًا تحكمها قوانين لا تتغير ومن ثم لا سبيل إلى تغييره وتحويره أو انتظار الجديد فيه؟ أم يكون الشرقى مؤمنًا بالقدر المغلق المقفل يتصور أو يعتنق أن الأمور تحتمل أن تجرى على غير ما حسبه الحاسبون؟
والفرق بين هذا وذاك، أن أحدهما فرد يعطل الحرية للإنسان الفرد ويسلبها أو ينكرها على الكون فى مجموعه، وآخر يعطى الحرية للكون فى مجموعه بما فيه الإنسان، ويسلبها من الإنسان الفرد من حيث هو منعزل مستقل عن الكون؟
على أن من فلاسفة الغرب، فيما يضيف الدكتور زكى نجيب محمود، من يذهبون مذهبًا قريب الشبه بالفلسفة الشرقية. على رأس هؤلاء الفيلسوف الشاعر : سبينوزا. ويأخذ فى مذهبه المعروف بأن الكون حقيقة شاملة يسميها «جوهرًا» وهذا الجوهر أزلى أبدى ثابت، يتبدى فى الأشياء الكثيرة التى تقع لنا تحت الحس. وهى عنده زائلة فانية، ولكنها تنم عن حقيقة خالدة كامنة فيها.
قد يزول الشىء الجزئى ويفنى
أما الحقيقة التى تتمثل فيه، أو قل الجوهر، فباقية لا زوال ولا فناء لها، ومن رأيه ـ فيما يضيف الدكتور زكى نجيب محمود، أن للطبيعة الكبرى مظهرين فهى طابعةٌ من ناحية، ومنطبعة تمن ناحية أخرى.
أى أنها فعالة منشئة خالقة من ناحية، وهى منفعلة مخلوقة من ناحية أخر.
الجانب المنفعل المنطبع هو الدنيا ما تحوى وما يجرى فيها.
والأشياء الحسية التى فيها لها من إنتاج الجانب الطابع المنشئ الخلاق.
كذلك هناك شبه قوى ـ فيما يبدى الدكتور زكى نجيب محمود، بين فلسفة شوبنهور وبين الفلسفة الشرقية، حتى قيل إنه يستقى فلسفته من الشرق.
موجز رأى شوبنهور: أن الأحياء كافة أجزاء من حقيقة واحدة، ولكن وجودها الفردى فى زمان ومكان يظهرها بمظهر الكائنات المنفصلة ؛ فالزمان وامكان هما أصل الانفصال الفردى الذى تنقسم به الحياة إلى كائنات عضوية متميزة تبدو كأنها أشتات متفرقة فى أمكنة مختلفة، وفى فترات من الزمان متباعدة؛ فليس الزمان والمكان إلاّ نقابًا وهميًّا يخفى عن أعيننا اتحاد الأشياء؛ والواقع أن ليس هناك إلاّ نوع واحد وإلاّ حياة واحدة؛ ومهمة الفلسفة عنده هى أن توضح للإنسان فى جلاء أن الفرد ليس إلاّ الظاهرة لحقيقة وراءها، لا الحقيقة فى ذاتها؛ وأن تبين له أن ثمة صورة دائمة ثابتة نراها من خلال التغير المتصل فى دنيا الجزئيات والأفراد.
فلسفة التاريخ الصحيحة، هى إدراكنا لوجودٍ ثابت لا يتغير.
وعلى الفيلسوف أو المفكر أن يرى أن الإنسانية هى هى فى كل مكان برغم ما توجبه الظروف الخاصة من أمر الخلاف أو الاختلاف فى العادات والأخلاق والسلوك والأزياء!
www. ragai2009.com