تتعاقب مظاهر الحياة السياسية مع مضى الأجيال فى مصر.. ما بين التغيير والاستمرار، منذ نشوء أولى الحضارات العالمية بها بحلول العام 3300 ق.م، ولتتوحد بعد مائة عام لإثبات قوتها فى مواجهة تحديات الزمن، ومن خلال الحكمة المصرية لأصول الدبلوماسية العائدة لأوج ازدهار المملكة الثامنة عشرة، ذلك قبل أن تتوالى عليها الحملات الأجنبية لتنهل من تراث حضارتها، من الفرس إلى إمبراطوريات البحر المتوسط، ومن دول الخلافة الإسلامية إلى الغرب الأوروبى، حيث لم تحصل على استقلالها الأول (بصورة مبسطة) إلا فى العام 1922، تحت حكم الإنجليز والسراى.. وفى تغيير الوزارات على أهوائهما.. (حل مجلس النواب 1925 بعد تسع ساعات من انتخابه)، ذلك فيما الصراع قائم فى كل تلك المراحل بين طبقات شعبية مسحوقة تتطلع إلى تحقيق توازنها النفسى والاجتماعى.. وبين شرائح برجوازية ناشئة محليًّا لا تتطلع فحسب إلا لمقاربة الأرستقراطيات الملكية والأجنبية، ذلك إلى أن تعرضت هيبة العرش للإهانة بعد أن حاصرت الدبابات الإنجليزية قصر الحكم لعزل الملك ما لم يرضخ بالموافقة على تشكيل حكومة بعينها فى 4 فبراير 1942، فيما لم ينبس زعماء الأحزاب اعتراضًا ببنت شفة، لإرضاء سلطات الاحتلال، باستثناء اجتماع ضباط الجيش بناديهم لإعلان الولاء لملك البلاد.. الذى تخلّى عنه الجميع قبل أن يهمل بدوره مقتضيات العرش إلى أن أطيح به 1952، بعد ستة أشهر من حريق العاصمة.. إيذانًا بإعلان إفلاس كل من النظام الملكى والحزبى القائمين، مما عرّض البلاد وقتئذ لفراغ سياسى وأمنى.. كان المرشح لشغله التنظيمات السرية للإخوان المسلمين أو الشيوعيين، لولا مبادرة المؤسسة العسكرية بالاستيلاء على الحكم، ولتتنقل مصر منذئذ بين التجربة والخطأ، وما بين الشيء ونقيضه على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية طوال النصف الثانى للقرن العشرين تحت حكم “الرجل الواحد” الذى تهيأ لآخرهم غداة الألف الميلادية الثالثة.. ابتداع ما يسمى التوريث الجمهورى لنجله الأصغر الغضّ سياسيًّا، والمحاط بتشجيع من شرائح أوليجاركية لا تبحث إلا عن منافعها الشخصية، ما قد يمثل مغامرة سوسيولوجية ربما تؤدى حال فشلها المرجح إلى بروز مشروعية الوراثة الملكية بالقياس باللامشروعية للوراثة الجمهورية، وليتولى الحكم عندئذ حفيد الملك السابق من أم إسرائيلية، كحلم صهيونى تتطلع إليه منذ “سفر الخروج” ق.م إلى زرع إسرائيل 1948 على الحدود الشرقية للمملكة المصرية، الأمر الذى بات يهدد مستقبل البلاد بعدم اليقين، قبل أن تندلع غضبة جماهيرية فى يناير 2011، بالتزامن مع مرور سبعة عقود تنقص عامًا على كل من حادث 4 فبراير المشئوم إلى حريق القاهرة المأساوى.. وثورة يوليو البازغة، وليتكرر الفراغ السياسى مجددًا الذى استطاعت جماعة “الإخوان” من خلاله الاستيلاء على الحكم فى العام 2012، ما أصبح يهدد ولأول مرة بتغيير هوية البلاد، لولا مبادرة المؤسسة العسكرية للوقوف مجددًا بجانب الجماهير لإسقاط حكم “الإخوان” صيف 2013، إيذانًا بالمضى فى إعادة ترتيب أوضاع مصر الداخلية.. وتحركاتها الخارجية، بسيان، بعد أن بعثرتها المتاعب يمينًا ويسارًا على مدى ثلاثة عهود من الجمهورية الأولى، وعلى أمل الإعلان لما قد يطلق عليها “جمهورية جديدة” بالتزامن مع العيد السبعينى لثورة يوليو، وبعد مضى ثمانية عقود على حادث 4 فبراير 1942، إذ يجرى العمل على قدم وساق منذ 2014 لانتفاضة فى الجهاز الإدارى والمالى، وفى البنية التحتية إلى الحماية الاجتماعية.. وما إلى ذلك ضمن مراجعات الدولة المصرية للمدخلات الإعلامية ومخرجاتها.. خاصة فيما يتصل بتفسير الوقائع السياسية الدراماتيكية خلال قرن مضى بعد الاستقلال الأول للبلاد، واستشرافًا لقرن جديد بشأن مصر الجديدة، لربما من خلال هيئة حكومية رئاسية تعمل كحكومة ظل (إن جاز التعبير) لعمل تصحيحات موضوعية متدرجة للمستويات التعليمية والثقافية والإعلامية، كمشروع قومى لحين إحلال وتطوير ملكات الجيل الجديد.. ليحل محل أجيال حالية مهترئة، وعبر صياغات تليق برمزية “مصر الوسطية” فى القرن 21، إذ دائمًا ما يسلمنا الماضى إلى الحاضر «future in the past» من بعد أن يكون قد رسم السياق للمتغيرات نحو المستقبل بحداثته التى هى فى صلب بناء جمهورية جديدة لا ينفرد بمناهجها “رجل واحد” منذ كان “الفرعون الإله” إلى “ولى النعم”، فـ”الملك المفدى” حتى “الزعيم الأوحد” إلى الثمانين عامًا الدراماتيكية الأخيرة
شريف عطية
6:37 ص, الخميس, 24 مارس 22
End of current post