منذ أن فتحت المؤسسات الصحفية الحكومية خزائن أسرارها، مع تبوء القيادات الجديدة، لمقاعد مجالس إداراتها مؤخراً، ونحن نلمس مشهداً صحفياً، يشبه إلى حد كبير، مشهد على بابا حين ولج في مغارة الأربعين حرامى، فصاح صيحته الشهيرة «دهب.. مرجان.. ياقوت.. أحمدك يا رب».
لا يعني التشبيه السابق تصديقي الكامل، لكل ما يتردد من أقاويل وإشاعات، ربما تحمل- أو لا تحمل- قدرا كبيرا من المبالغة، وإنما سعيت به، لمجرد وصف ما تجلى من حالة.
صحفيون يتقاضون مرتبات متواضعة، لا تكاد تكفي احتياجاتهم الأساسية، هبط عليهم فجأة، من يؤكد ظنوناً وهواجس، طالما راودتهم، دون أن يجدوا إلى إثباتها طريقا في الواقع، أخيراً انشقت الأرض، عمن يخبرهم بأن رؤساءهم السابقين، الذين دأبوا على تبرير ضآلة الأجور وتأخر صرف المكافآت والأرباح، بعجز الموارد وقلة الايرادات، كانوا يستبيحون لأنفسهم، ولبعض المحظوظين من حولهم، تقاضي مئات الألوف من الجنيهات.
حسناً، هذه الصورة، التي لست بصدد إثباتها أو نفيها أو حتى مناقشتها، أثارت من الأصداء وردود الأفعال في الوسط الصحفي، ما أزعجني بقدر ما هالتنى الصورة نفسها، وربما أكثر.
لماذا؟!
لأن رود الأفعال الهستيرية هذه، بدأت في التضافر، لتشكل مناخا، لا يمهد فقط، لمحاكمة من تسبب في رسم، تلك الصورة المجحفة الأسطورية- وهو أمر واجب بشرط أن يعتمد على وثائق ووقائع مثبتة ومحددة-، وإنما وهذا هو الأخطر، فإن هذا المناخ، قد ساعد على إفراز مجموعة من المحددات والتساؤلات الاستنكارية، أخشى أنها من الممكن، أن تمثل حجر عثرة، أمام إصلاح هذه المؤسسات الصحفية على المدى القريب.
على سبيل المثال، استنكر الكثيرون، أن يتقاضى فرد مرتباً شهرياً، يبلغ مئات الآلاف من الجنيهات، وهو استنكار أرى في تعميمه خطيئة، لا يجوز الانزلاق إليها، ونحن على اعتاب إصلاح مؤسسات خاسرة مثقلة بالمديونية، تحتاج إلى خبرات وكوادر استثنائية، لانقاذها من عثرتها.
والسؤال الاستنكاري، الذي اطرحه بدوري هنا- وأرجو ألا يسبني أحد من الزملاء الصحفيين-: إذا كانت لدينا مؤسسة ما، تخسر سنوياً ملايين الجنيهات، ويصل حجم مديونياتها للغير مئات الملايين، في الوقت الذي تمتلك فيه أصولا غير منتجة، تصل قيمتها إلى آلاف الملايين، وإصدارات رابحة وأخرى خاسرة، وكوادر ماهرة مهمشة تقبض الفتات، وانكشارية وسكرتارية تتربح مئات الألوف، إذا كانت لدينا مؤسسة مثل هذه- وأقسم أنني لا أقصد مؤسسة بعينها-، هل يكفي أن نأتي لإدارتها، بشخص نظيف اليد- وهو شرط ضروري من وجهة نظري-؟، أم ينبغي أن يتوافر أيضاً فيه شروطاً هامة، على الأقل في هذه المرحلة، مثل تمتعه بخبرات إدارية ومالية، ويا حبذا لو اشتهر عنه، قدرته على إعادة هيكلة المؤسسات وتحويلها من الربح إلى الخسارة.
والسؤال الآن: كم تتقاضى هذه النوعية من المديرين، من عينة كارلوس غصن الرئيس التنفيذي لشركة نيسان العالمية، والذي نجح في تحويلها من شركة على حافة الإفلاس، لأكثر شركة سيارات ربحية على مستوى العالم؟!.
الإجابة: عشرات الملايين من الدولارات سنوياً.
سؤال آخر: هل لدينا مثل هذه النوعية من الكوادر في مصر؟!، نعم هناك عدد محدود منها، بل لعلى سأفاجئ جمهور الصحفيين، أن هؤلاء الرجال والشباب المصريين، يتقاضى بعضهم أجوراً سنوية، تصل إلى بضعة ملايين من الجنيهات وأحياناً عشرات الملايين، علماً بأنهم لا يعملون فى مؤسسة «بابا أوأنكل».
بل لعلي أزيد بعض الزملاء- عمداً- كمدا وحسرة، باخباري لهم، أنه في كثير من الأحيان، قد يتلقى أحد هؤلاء المديرين، عرضا أكثر إغراء من شركة أخرى منافسة، فينتقل إليها عن طيب خاطر، بعدما تمنحه عدة ملايين إضافية عما يربحه سنوياً، بشرط الارتقاء بمؤشرات الربحية، أو تحويل مؤسسة ما من الخسارة إلى الربحية.
ليست المشكلة إذن، أن يتقاض مدير أو موظف نصف مليون جنيه شهرياً، طالما أن ذلك يتم وفقا لسعره، الذي تحدده أليات في سوق العمل، ولكن الكارثة المحققة، أن يحصل شخص على مليون جنيه شهرياً، أو حتى عشرة آلاف، في حين ان ثمنه، لا يزيد على ألفي جنيه على أقصى تقدير.
وبقياس واضح، افترض زميلي الصحفي، أنك مستثمر يرغب في تأسيس جريدة، فهل ستعهد بإدارتها- بفرض أنك تريد لها النجاح- إلى الأستاذ سمير رجب؟ وبرئاسة تحريرها إلى الأستاذ ممتاز القط؟.
وإذا أقدمت على ذلك، هل ستعطي كلا منهما راتبا، يعادل ما كان يتقاضاه الأول عن منصبه السابق على رأس دار التحرير للنشر، وما يتقاضاه الثاني عن رئاسته حاليا لتحرير جريدة أخبار اليوم؟.
هل ستمنحهما نفس الراتب؟ أم نصفه؟ أم ربعه؟ أم عشره؟ أم واحدا على مئة منه؟، أم تراك ستضاعف لهما الأجر سعياً لإغرائهما؟، أنا شخصياً على استعداد أن أجزل لهما العطاء، بشرط بقائهما في مواقعهما.
الاتجاه الثاني الذي يزعجنى في وسط هذه الأجواء، هو مطالبة البعض بمشاركة الصحفيين في حصيلة -إيرادات- الاعلانات، وهو اتجاه ليس بجديد، يتزعمه منذ عدة سنوات زميل دمث الخلق- أكن له كل تقدير واحترام-، هو أحمد النجار عضو مجلس نقابة الصحفيين، وأعلم تماماً أنه مدفوع في ذلك برغبته الصادقة في تحسين أحوال المحررين، وإعادة التوازن لهيكل الأجور بالمؤسسات الصحفية.
ويذهب النجار في العديد من مقالاته، فيما يتعلق بهذه النقطة بالتحديد، إلى اعتبار حقوق الصحفيين في حصيلة الاعلانات، بل وفي العمولات التى تدفع عنها، حقوقاً أصيلة، شأنهم فى ذلك شأن رؤساء مجالس الإدارات وقيادات وموظفى الإعلانات!.
وليسمح لي أن أختلف معه، وأن يصبر علي قليلاً، كي أفسر له هذا الاختلاف، لعلي أقدم له حلولاً، تتوافق مع ما يسعى، لتحقيقه من أهداف.
بداية أقول إنه ليس من حق العضو المنتدب للمؤسسة الصحفية أو رئيس مجلس إداراتها- أي المسئول الأول عن إدارة الجريدة أياً كان المسمى-، أن ينال أي حصة أو نسبة صغرت أو كبرت من الايراد الإعلاني، وإنما يتمثل حقه الأصيل في راتب شهرى، يتم تحديده وفقاً لسعره في السوق، بالإضافة إلى نسبة من صافي ربح المؤسسة- هذا إذا ربحت-، يتم الاتفاق عليها مع المالك، تزداد قيمتها بطبيعة الحال، كلما زادت درجة نجاحه في رفع ربحية المؤسسة.
ثانياً: أتجاسر لأدعي أن مديري ومسئولي الإعلانات- وأرجو أن تصبر علي قليلاً يا أحمد-، هم أصحاب الحق الأصيل الوحيد في نيل عمولات، عما يجلبونه- وأكرر ما يجلبونه- من إعلانات، فهم يماثلون مندوبي المبيعات في الشركات التجارية- بالمعنى الشامل- الأخرى.
مع ملاحظة أن نسبة العمولة، ينبغي أن تتناسب عكسياً مع عاملين أساسيين، أولهما اسم الشهرة للمنتج الذي يقومون بترويجه، وثانيهماً حجم المؤسسة التي يعملون بها، بمعنى أن نسبة العمولة لمندوب مبيعات شركة بيبسى على سبيل المثال، من البديهي أن تكون أقل بكثير من تلك النسبة، التي يحصل عليها نظيره، الذي يعمل في شركة تنتج مشروباً غازياً جديداً.
نفس الأمر ينطبق على النسبة الكلية من المبيعات، التي يحصل عليها مدير المبيعات في شركة مثل بيبسي، مقارنة مع نظيره في الشركة الأخرى، مع ملاحظة أن الدخل الاجمالي لكل من المندوب والمدير فى حالة بيبسي، سيفوق بمراحل- في أغلب الحالات- مثيله في الشركة الثانية.
وبتطبيق ذلك على المؤسسات الصحفية الحكومية، فإن ذلك يعني تخفيض نسبة العمولات، فيما يتعلق بمديري ومندوبي الإعلانات، إلى حدها الأدنى، وبصورة تتناسب مع حجم كل مؤسسة، واسم شهرتها، وحصتها في السوق الإعلانية.
فإذا كان من المنطقي، أن تمنح جريدة البعكوكة، نسبة عمولة %25 مثلا لمندوبها، لتحفيزه على بذل جهد فائق لجلب الايراد الإعلاني، فإنه لا يصح في مؤسسة صحفية حكومية، تضعها كافة الشركات الكبرى والصغرى على قائمة حملاتها الإعلانية، بحكم اسمها وسعة انتشارها، لا يصح لإدارة هذه المؤسسة، أن تمنح مندوبي إعلاناتها، الذين تفد اليهم الاعلانات على طبق من ذهب، أكثر من ،%2 وهو أمر كفيل في حالة تنفيذه، بتوفير عشرات الملايين من الجنيهات سنوياً.
ولا يجب أن يتخوف البعض هنا من تذمر المندوبين، لأن من يتذمر، عليه إن وجد عرضاً أفضل في السوق، يختبر فيه جديا قدرته على البيع، أن يقبله، وأغلب الظن أنه لن يجد، لأنه لم يتعود أن يبيع شيئاً من الأساس.
هذا مع الوضع في الاعتبار، أن من يثبت كفاءة في الترويج والبيع بالفعل، ينبغي على الإدارة العمل على مكافآته، ومنحه عرضا ماليا مميزا، لاستبقائه داخل جدران المؤسسة.
كيف تتحسن إذن أحوال المحررين؟.
قبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن اؤكد- وقد لا يعجب ذلك الكثيرين-، أن الصحافة مهنة إبداعية، تعتمد- أو ينبغي أن تعتمد- على الابتكار والموهبة، ومن ثم فمن الضروري، أن تتفاوت أجور الصحفيين، دون أن يعني ذلك، إغفال العمل على تحسين أوضاع الصحفيين داخل مؤسساتهم ورفع الحد الأدنى للأجور.
كيف يتأتى ذلك؟ بتوفير عشرات الملايين من تخفيض قيمة العمولات لمندوبى الإعلانات، ومنعها بالنسبة لرؤساء مجالس الإدارة، كما ذكرت من قبل، بالاضافة إلى القضاء على الهدر الناجم عن الفساد والمحسوبية، أياً كان حجمه، و أياً كانت الصورة الحقيقية داخل المؤسسات الحكومية، دون مبالغات بالتهوين أو التهويل.
إن ربط أجر الصحفي بالإعلان، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ينبغي أن يكون مرفوضاً من حيث المبدأ، وفي المقابل يتحتم أن يرتبط ذلك الأجر، بجهده وقدرتته على زيادة التوزيع من خلال مهاراته في إحراز السبق الصحفي والتحليلي وموهبته الصحفية.
بل لعلي اذهب أبعد من ذلك مدعيا، أن الصحفي الموهوب لا علاقة به سلباً أو ايجاباً بفشل جريدته، سواء لأسباب تحريرية أو اعلانية في تحقيق الأرباح، لأنه لو لم يتم منحه، ما يستحقه من أجر مميز، وفقاً لسعره فى السوق، فسيجد عشرات الفرص والعروض، وإن لم يجد فعليه ألا يرضخ وأن يطالب بإصلاح، من المؤكد- إذا ما تم كما نرجوه- أن يرفع الحد الأدنى للأجور، لكنه لن يكون قادراً بأى حال من الأحوال، على أن يرتقي بموهبة وأخلاق البعض، من درك النفاق الأسفل، إلى مستوى سطح الأرض.