ملاحظات‭ ‬حول‭ ‬أصداء‭ ‬فتح‭ ‬المغارة

ملاحظات‭ ‬حول‭ ‬أصداء‭ ‬فتح‭ ‬المغارة
حازم شريف

حازم شريف

10:56 ص, الأحد, 28 أغسطس 05

منذ‭ ‬أن فتحت ‬المؤسسات‭ ‬الصحفية‭ ‬الحكومية‭ ‬خزائن‭ ‬أسرارها،‭ ‬مع‭ ‬تبوء‭ ‬القيادات‭ ‬الجديدة،‭ ‬لمقاعد‭ ‬مجالس‭ ‬إداراتها‭ ‬مؤخراً،‭ ‬ونحن‭ ‬نلمس‭ ‬مشهداً‭ ‬صحفياً، ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬مشهد‭ ‬على‭ ‬بابا‭ ‬حين‭ ‬ولج‭ ‬في‭ ‬مغارة‭ ‬الأربعين‭ ‬حرامى،‭ ‬فصاح‭ ‬صيحته‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬دهب‭.. ‬مرجان‭.. ‬ياقوت‭.. ‬أحمدك‭ ‬يا‭ ‬رب‮»‬.

لا‭ ‬يعني‭ ‬التشبيه‭ ‬السابق‭ ‬تصديقي‭ ‬الكامل،‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يتردد‭ ‬من‭ ‬أقاويل‭ ‬وإشاعات،‭ ‬ربما‭ ‬تحمل‭- ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تحمل- ‬قدرا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المبالغة،‭ ‬وإنما‭ ‬سعيت‭ ‬به،‭ ‬لمجرد‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬تجلى‭ ‬من‭ ‬حالة.

‬صحفيون‭ ‬يتقاضون‭ ‬مرتبات‭ ‬متواضعة،‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تكفي‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الأساسية،‭ ‬هبط‭ ‬عليهم‭ ‬فجأة،‭ ‬من‭ ‬يؤكد‭ ‬ظنوناً‭ ‬وهواجس،‭ ‬طالما‭ ‬راودتهم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجدوا‭ ‬إلى‭ ‬إثباتها‭ ‬طريقا‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬أخيراً‭ ‬انشقت‭ ‬الأرض،‭ ‬عمن‭ ‬يخبرهم‭ ‬بأن‭ ‬رؤساءهم‭ ‬السابقين،‭ ‬الذين‭ ‬دأبوا‭ ‬على‭ ‬تبرير‭ ‬ضآلة‭ ‬الأجور‭ ‬وتأخر‭ ‬صرف‭ ‬المكافآت‭ ‬والأرباح،‭ ‬بعجز‭ ‬الموارد‭ ‬وقلة‭ ‬الايرادات،‭ ‬كانوا‭ ‬يستبيحون‭ ‬لأنفسهم،‭ ‬ولبعض‭ ‬المحظوظين‭ ‬من‭ ‬حولهم،‭ ‬تقاضي‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬الجنيهات.

‬ حسناً،‭ ‬هذه‭ ‬الصورة،‭ ‬التي‭ ‬لست‭ ‬بصدد‭ ‬إثباتها‭ ‬أو‭ ‬نفيها‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مناقشتها،‭ ‬أثارت‭ ‬من‭ ‬الأصداء‭ ‬وردود‭ ‬الأفعال‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الصحفي،‭ ‬ما‭ ‬أزعجني‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هالتنى‭ ‬الصورة‭ ‬نفسها،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر.

‬ لماذا؟!
لأن‭ ‬رود‭ ‬الأفعال‭ ‬الهستيرية‭ ‬هذه،‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬التضافر،‭ ‬لتشكل‭ ‬مناخا،‭ ‬لا‭ ‬يمهد‭ ‬فقط،‭ ‬لمحاكمة‭ ‬من‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬رسم،‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬المجحفة‭ ‬الأسطورية‭- ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬واجب‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬ووقائع‭ ‬مثبتة‭ ‬ومحددة-، ‬وإنما ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأخطر،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المناخ،‭ ‬قد‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬إفراز‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحددات‭ ‬والتساؤلات‭ ‬الاستنكارية،‭ ‬أخشى‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬الممكن،‭ ‬أن‭ ‬تمثل‭ ‬حجر‭ ‬عثرة،‭ ‬أمام‭ ‬إصلاح‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحفية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب.

‬ على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬استنكر‭ ‬الكثيرون،‭ ‬أن‭ ‬يتقاضى‭ ‬فرد‭ ‬مرتباً‭ ‬شهرياً،‭ ‬يبلغ‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الجنيهات،‭ ‬وهو‭ ‬استنكار‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬تعميمه‭ ‬خطيئة،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬الانزلاق‭ ‬إليها،‭ ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬اعتاب‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسات‭ ‬خاسرة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالمديونية،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خبرات‭ ‬وكوادر‭ ‬استثنائية،‭ ‬لانقاذها‭ ‬من‭ ‬عثرتها.

‬والسؤال‭ ‬الاستنكاري،‭ ‬الذي‭ ‬اطرحه‭ ‬بدوري‭ ‬هنا‭- ‬وأرجو‭ ‬ألا‭ ‬يسبني‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الزملاء‭ ‬الصحفيين-: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬لدينا‭ ‬مؤسسة‭ ‬ما،‭ ‬تخسر‭ ‬سنوياً‭ ‬ملايين‭ ‬الجنيهات،‭ ‬ويصل‭ ‬حجم‭ ‬مديونياتها للغير مئات الملايين، في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تمتلك‭ ‬فيه‭ ‬أصولا‭ ‬غير‭ ‬منتجة،‭ ‬تصل‭ ‬قيمتها‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬الملايين،‭ ‬وإصدارات‭ ‬رابحة‭ ‬وأخرى‭ ‬خاسرة،‭ ‬وكوادر‭ ‬ماهرة‭ ‬مهمشة‭ ‬تقبض‭ ‬الفتات،‭ ‬وانكشارية‭ ‬وسكرتارية‭ ‬تتربح‭ ‬مئات‭ ‬الألوف، ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬لدينا‭ ‬مؤسسة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭- ‬وأقسم‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أقصد‭ ‬مؤسسة‭ ‬بعينها-، ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نأتي‭ ‬لإدارتها،‭ ‬بشخص‭ ‬نظيف‭ ‬اليد‭- ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬ضروري‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري-؟، ‬أم‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتوافر‭ ‬أيضاً‭ ‬فيه‭ ‬شروطاً‭ ‬هامة،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬مثل‭ ‬تمتعه‭ ‬بخبرات‭ ‬إدارية‭ ‬ومالية،‭ ‬ويا‭ ‬حبذا‭ ‬لو‭ ‬اشتهر‭ ‬عنه،‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المؤسسات‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬الربح‭ ‬إلى‭ ‬الخسارة.

‬ والسؤال‭ ‬الآن‭: ‬كم‭ ‬تتقاضى‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬المديرين،‭ ‬من‭ ‬عينة‭ ‬كارلوس‭ ‬غصن‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لشركة‭ ‬نيسان‭ ‬العالمية،‭ ‬والذي‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تحويلها‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الإفلاس، لأكثر‭ ‬شركة‭ ‬سيارات‭ ‬ربحية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم؟!.

الإجابة: ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬سنوياً.

سؤال‭ ‬آخر: ‬هل‭ ‬لدينا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الكوادر‭ ‬في‭ ‬مصر؟!،‭ ‬نعم‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬لعلى‭ ‬سأفاجئ‭ ‬جمهور‭ ‬الصحفيين،‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬والشباب‭ ‬المصريين،‭ ‬يتقاضى‭ ‬بعضهم‭ ‬أجوراً‭ ‬سنوية،‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬بضعة‭ ‬ملايين‭ ‬من‭ ‬الجنيهات‭ ‬وأحياناً‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين،‭ ‬علماً‭ ‬بأنهم‭ ‬لا‭ ‬يعملون‭ ‬فى‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬بابا‮‬‭ ‬أو‬أنكل‮»‬.

‬بل‭ ‬لعلي‭ ‬أزيد‭ ‬بعض‭ ‬الزملاء‭- ‬عمداً- ‬كمدا‭ ‬وحسرة،‭ ‬باخباري‭ ‬لهم،‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬قد‭ ‬يتلقى‭ ‬أحد‭ ‬هؤلاء‭ ‬المديرين، ‬عرضا‭ ‬أكثر‭ ‬إغراء‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬أخرى‭ ‬منافسة،‭ ‬فينتقل‭ ‬إليها‭ ‬عن‭ ‬طيب‭ ‬خاطر،‭ ‬بعدما‭ ‬تمنحه‭ ‬عدة‭ ‬ملايين‭ ‬إضافية‭ ‬عما‭ ‬يربحه‭ ‬سنوياً،‭ ‬بشرط‭ ‬الارتقاء‭ ‬بمؤشرات‭ ‬الربحية،‭ ‬أو‭ ‬تحويل‭ ‬مؤسسة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬الخسارة‭ ‬إلى‭ ‬الربحية.

‬ ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬إذن، أن يتقاض مدير ‬أو‭ ‬موظف‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬شهرياً، طالما أن ذلك ‬يتم وفقا لسعره، الذي تحدده أليات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل، ‬ولكن‭ ‬الكارثة‭ ‬المحققة،‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬شخص‭ ‬على‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬شهرياً،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬ثمنه،‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ألفي‭ ‬جنيه‭ ‬على‭ ‬أقصى‭ ‬تقدير.

‬وبقياس‭ ‬واضح،‭ ‬افترض‭ ‬زميلي‭ ‬الصحفي،‭ ‬أنك‭ ‬مستثمر‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬جريدة،‭ ‬فهل‭ ‬ستعهد‭ ‬بإدارتها‭- ‬بفرض‭ ‬أنك‭ ‬تريد‭ ‬لها‭ ‬النجاح- ‬إلى‭ ‬الأستاذ‭ ‬سمير‭ ‬رجب؟‭ ‬وبرئاسة‭ ‬تحريرها‭ ‬إلى‭ ‬الأستاذ‭ ‬ممتاز‭ ‬القط؟.

‬وإذا‭ ‬أقدمت‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬هل‭ ‬ستعطي‭ ‬كلا‭ ‬منهما‭ ‬راتبا،‭ ‬يعادل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتقاضاه‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬منصبه‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬دار‭ ‬التحرير‭ ‬للنشر،‭ ‬وما‭ ‬يتقاضاه‭ ‬الثاني‭ ‬عن‭ ‬رئاسته‭ ‬حاليا‭ ‬لتحرير‭ ‬جريدة‭ ‬أخبار‭ ‬اليوم؟.

‬هل‭ ‬ستمنحهما‭ ‬نفس‭ ‬الراتب؟‭ ‬أم‭ ‬نصفه؟‭ ‬أم‭ ‬ربعه؟‭ ‬أم‭ ‬عشره؟‭ ‬أم‭ ‬واحدا‭ ‬على‭ ‬مئة‭ ‬منه؟،‭ ‬أم‭ ‬تراك‭ ‬ستضاعف‭ ‬لهما‭ ‬الأجر‭ ‬سعياً‭ ‬لإغرائهما؟،‭ ‬أنا‭ ‬شخصياً‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬أن‭ ‬أجزل‭ ‬لهما‭ ‬العطاء،‭ ‬بشرط‭ ‬بقائهما‭ ‬في‭ ‬مواقعهما.

‬ الاتجاه‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬يزعجنى‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء،‭ ‬هو‭ ‬مطالبة‭ ‬البعض‭ ‬بمشاركة‭ ‬الصحفيين‭ ‬في‭ ‬حصيلة -‬إيرادات- ‬الاعلانات،‭ ‬وهو‭ ‬اتجاه‭ ‬ليس‭ ‬بجديد،‭ ‬يتزعمه‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬زميل‭ ‬دمث‭ ‬الخلق‭- ‬أكن‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬تقدير‭ ‬واحترام-، ‬هو‭ ‬أحمد‭ ‬النجار‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬نقابة‭ ‬الصحفيين،‭ ‬وأعلم‭ ‬تماماً‭ ‬أنه‭ ‬مدفوع‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬برغبته‭ ‬الصادقة‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬أحوال‭ ‬المحررين،‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن لهيكل الأجور ‬بالمؤسسات‭ ‬الصحفية.

‬ويذهب‭ ‬النجار‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مقالاته،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بهذه‭ ‬النقطة‭ ‬بالتحديد،‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬حقوق‭ ‬الصحفيين‭ ‬في‭ ‬حصيلة‭ ‬الاعلانات،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬العمولات‭ ‬التى‭ ‬تدفع‭ ‬عنها،‭ ‬حقوقاً‭ ‬أصيلة،‭ ‬شأنهم‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬رؤساء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارات‭ ‬وقيادات‭ ‬وموظفى‭ ‬الإعلانات!.

‬ وليسمح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أختلف‭ ‬معه،‭ ‬وأن‭ ‬يصبر‭ ‬علي‭ ‬قليلاً،‭ ‬كي‭ ‬أفسر‭ ‬له‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف،‭ ‬لعلي‭ ‬أقدم‭ ‬له‭ ‬حلولاً،‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يسعى،‭ ‬لتحقيقه‭ ‬من‭ ‬أهداف.

‬ بداية‭ ‬أقول‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬العضو‭ ‬المنتدب‭ ‬للمؤسسة‭ ‬الصحفية‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إداراتها‭- ‬أي‭ ‬المسئول‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الجريدة‭ ‬أياً‭ ‬كان‭ ‬المسمى-، ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬أي‭ ‬حصة‭ ‬أو‭ ‬نسبة‭ ‬صغرت‭ ‬أو‭ ‬كبرت‭ ‬من‭ ‬الايراد‭ ‬الإعلاني،‭ ‬وإنما‭ ‬يتمثل‭ ‬حقه‭ ‬الأصيل‭ ‬في‭ ‬راتب‭ ‬شهرى،‭ ‬يتم‭ ‬تحديده‭ ‬وفقاً‭ ‬لسعره‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬صافي‭ ‬ربح‭ ‬المؤسسة‭- ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬ربحت-، ‬يتم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليها‭ ‬مع‭ ‬المالك،‭ ‬تزداد قيمتها‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬درجة‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬ربحية‭ ‬المؤسسة.

‬ ثانياً: ‬أتجاسر‭ ‬لأدعي‭ ‬أن‭ ‬مديري‭ ‬ومسئولي‭ ‬الإعلانات‭- ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬تصبر‭ ‬علي‭ ‬قليلاً‭ ‬يا‭ ‬أحمد-، ‬هم‭ ‬أصحاب‭ ‬الحق‭ ‬الأصيل‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬نيل‭ ‬عمولات،‭ ‬عما‭ ‬يجلبونه‭- ‬وأكرر‭ ‬ما‭ ‬يجلبونه- ‬من‭ ‬إعلانات،‭ ‬فهم‭ ‬يماثلون‭ ‬مندوبي‭ ‬المبيعات‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭- ‬بالمعنى‭ ‬الشامل- ‬الأخرى.

‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬العمولة،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتناسب‭ ‬عكسياً‭ ‬مع‭ ‬عاملين‭ ‬أساسيين،‭ ‬أولهما ‬اسم‭ ‬الشهرة‭ ‬للمنتج‭ ‬الذي‭ ‬يقومون‭ ‬بترويجه،‭ ‬وثانيهماً ‬حجم‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬يعملون‭ ‬بها،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬العمولة‭ ‬لمندوب‭ ‬مبيعات‭ ‬شركة‭ ‬بيبسى‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬من‭ ‬البديهي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬النسبة،‭ ‬التي‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬نظيره،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬تنتج‭ ‬مشروباً‭ ‬غازياً‭ ‬جديداً.

‬نفس‭ ‬الأمر‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬النسبة‭ ‬الكلية‭ ‬من‭ ‬المبيعات،‭ ‬التي‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬مدير‭ ‬المبيعات‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬مثل‭ ‬بيبسي،‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬نظيره‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬الأخرى،‭ ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬الدخل‭ ‬الاجمالي‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬المندوب‭ ‬والمدير‭ ‬فى‭ ‬حالة‭ ‬بيبسي،‭ ‬سيفوق‭ ‬بمراحل‭- ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات- ‬مثيله‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬الثانية.

‬ وبتطبيق‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحفية‭ ‬الحكومية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬تخفيض‭ ‬نسبة‭ ‬العمولات،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمديري‭ ‬ومندوبي‭ ‬الإعلانات،‭ ‬إلى‭ ‬حدها‭ ‬الأدنى،‭ ‬وبصورة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬كل‭ ‬مؤسسة،‭ ‬واسم‭ ‬شهرتها،‭ ‬وحصتها‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الإعلانية.

‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المنطقي،‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬جريدة‭ ‬البعكوكة،‭ ‬نسبة‭ ‬عمولة‭ %‬25‭ ‬مثلا‭ ‬لمندوبها،‭ ‬لتحفيزه‭ ‬على‭ ‬بذل‭ ‬جهد‭ ‬فائق‭ ‬لجلب‭ ‬الايراد‭ ‬الإعلاني،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬صحفية‭ ‬حكومية،‭ ‬تضعها‭ ‬كافة‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬والصغرى‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬حملاتها‭ ‬الإعلانية،‭ ‬بحكم‭ ‬اسمها‭ ‬وسعة‭ ‬انتشارها،‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬لإدارة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة،‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬مندوبي‭ ‬إعلاناتها،‭ ‬الذين‭ ‬تفد‭ ‬اليهم‭ ‬الاعلانات‭ ‬على‭ ‬طبق‭ ‬من‭ ‬ذهب،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ،%‬2‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬كفيل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تنفيذه،‭ ‬بتوفير‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الجنيهات‭ ‬سنوياً.

‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتخوف‭ ‬البعض‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬تذمر‭ ‬المندوبين،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يتذمر،‭ ‬عليه‭ ‬إن‭ ‬وجد‭ ‬عرضاً‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬يختبر‭ ‬فيه‭ ‬جديا‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬البيع،‭ ‬أن‭ ‬يقبله،‭ ‬وأغلب‭ ‬الظن‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يجد،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يتعود‭ ‬أن‭ ‬يبيع‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬الأساس.

‬ هذا‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الاعتبار،‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يثبت‭ ‬كفاءة‭ ‬في‭ ‬الترويج‭ ‬والبيع‭ ‬بالفعل،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬مكافآته،‭ ‬ومنحه‭ ‬عرضا‭ ‬ماليا‭ ‬مميزا،‭ ‬لاستبقائه‭ ‬داخل‭ ‬جدران‭ ‬المؤسسة.

‬ كيف‭ ‬تتحسن‭ ‬إذن‭ ‬أحوال‭ ‬المحررين؟.

قبل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬اؤكد‭- ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يعجب‭ ‬ذلك‭ ‬الكثيرين-، ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬مهنة‭ ‬إبداعية،‭ ‬تعتمد‭- ‬أو‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تعتمد‭- ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والموهبة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فمن‭ ‬الضروري،‭ ‬أن‭ ‬تتفاوت‭ ‬أجور‭ ‬الصحفيين،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك،‭ ‬إغفال‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاع‭ ‬الصحفيين‭ ‬داخل‭ ‬مؤسساتهم‭ ‬ورفع‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجور.

‬ كيف‭ ‬يتأتى‭ ‬ذلك؟‭ ‬بتوفير‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬تخفيض‭ ‬قيمة‭ ‬العمولات‭ ‬لمندوبى‭ ‬الإعلانات،‭ ‬ومنعها‭ ‬بالنسبة‭ ‬لرؤساء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬بالاضافة‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الهدر‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬الفساد‭ ‬والمحسوبية،‭ ‬أياً‭ ‬كان‭ ‬حجمه،‭ ‬و‭ ‬أياً‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬الحقيقية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية،‭ ‬دون‭ ‬مبالغات‭ ‬بالتهوين‭ ‬أو‭ ‬التهويل.

‬ إن‭ ‬ربط‭ ‬أجر‭ ‬الصحفي‭ ‬بالإعلان،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرفوضاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يتحتم‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬الأجر،‭ ‬بجهده‭ ‬وقدرتته‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬التوزيع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مهاراته‭ ‬في‭ ‬إحراز‭ ‬السبق‭ ‬الصحفي‭ ‬والتحليلي‭ ‬وموهبته‭ ‬الصحفية.

‬بل‭ ‬لعلي‭ ‬اذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مدعيا،‭ ‬أن‭ ‬الصحفي‭ ‬الموهوب‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬به‭ ‬سلباً‭ ‬أو‭ ‬ايجاباً‭ ‬بفشل‭ ‬جريدته،‭ ‬سواء‭ ‬لأسباب‭ ‬تحريرية‭ ‬أو اعلانية في تحقيق‭ ‬الأرباح،‭ ‬لأنه‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬منحه،‭ ‬ما‭ ‬يستحقه‭ ‬من‭ ‬أجر‭ ‬مميز،‭ ‬وفقاً‭ ‬لسعره‭ ‬فى‭ ‬السوق،‭ ‬فسيجد‭ ‬عشرات‭ ‬الفرص‭ ‬والعروض،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬فعليه‭ ‬ألا‭ ‬يرضخ‭ ‬وأن‭ ‬يطالب‭ ‬بإصلاح،‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭- ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬كما‭ ‬نرجوه- ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجور،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬قادراً‭ ‬بأى‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يرتقي‭ ‬بموهبة‭ ‬وأخلاق‭ ‬البعض،‭ ‬من‭ ‬درك‭ ‬النفاق‭ ‬الأسفل،‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭.