مطالبة أم مناشدة بإزالة تمثال شامبليون؟

مطالبة أم مناشدة بإزالة تمثال شامبليون؟
محمد بكري

محمد بكري

6:57 ص, الثلاثاء, 18 أبريل 23

هل (طالبت) مصر فرنسا (بإزالة) تمثال شامبليون وهو يدعس بحذائه رأس رمسيس الثانى، منذ 1875 للآن بساحة الكوليدج دى فرانس بباريس؟ هل تم ذلك بمناسبة حضور الملك العظيم معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) بعاصمة النور فى أبريل 2023؟ طالعنا الإعلام المصرى بأن مصر طالبت بذلك! كما طالب به الأثرى العالمى د. زاهى حواس مؤكدا “إحنا زعلانين فى مصر بصراحة من التمثال المحطوط فى الكولديدج دى فرانس، اللى شامبليون حاطط رجله فى وش رمسيس الثاني!”، وطلب إزالة أو نقل التمثال لمكان آخر! جدير بالذكر أن نص تسجيل كلمة د. حواس أمام ممثلى وسائل الإعلام والصحف العالمية بباريس، يثبت بأنه لم يحضر بصفة حكومية أو رسمية عن مصر، وبلور إعلانه أن “التمثال يظهر استهانة وعدم تقدير لا تقابل بالمثل من الشعب المصرى الذى قدر دور شامبليون فى مجال المصريات وتمت تسمية شارع باسمه، لذلك نحن نطالب بنفس القدر من الاحترام”.

على صعيد آخر، بجانب أخبار غزوة د. حواس بمعرض رمسيس وذهب الفراعنة، فأرشيف موقع جوجل، يزخر بأكثر من 1830 مقالا وخبرا وفيديو عن أزمة تمثال شامبليون، تجتمع كلها على مشاعر الغضب والزعل والتنديد بالتمثال ومطالبة الحكومة بالتحرك لإزالته، ولكن كل ذلك يندرج تحت وصف (المناشدة) وليس (المطالبة)! لأنه ببساطة حتى الآن لم تصدر عن مصر أى (مطالبة) موضوعية، قانونية، تاريخية، تصلح للنظر من الأطراف المعنية بفرنسا بخصوص أزمة تمثال شامبليون؟

بل إن تداول الإعلام ذكر الخطاب المنسوب توجيهه من وزير الثقافة الأسبق د. جابر عصفور لوزارة الثقافة الفرنسية بطلب إزالة تمثال شامبليون، ليس له أثر؟ وقد صرحت موظفة بوزارة الثقافة الفرنسية للفنان المصرى الأصيل والفرنسى الجنسية هشام جاد، بأن الوزارة لم يراسلها أحد بأى خطاب رسمى من وزارة الثقافة المصرية بهذا الشأن! وقد رفض د. عصفور وقتها التعليق على هذه الواقعة أو نشر الخطاب!؟

ذات الواقعة تكررت مع ما قالته لذات المصدر، المستشارة الثقافية لمصر بباريس (وتولت بعدها مسؤولة العلاقات الخارجية بوزارة الثقافة)، بأنها خاطبت الفرنسيين بضرورة إزاحة جزمة شامبليون ولكنهم رفضوا، وعندما طلب ذات المصدر منها أن تنشر خطابها والرفض الفرنسى رفضت!؟

واقعيا، لا توجد مطالبة موضوعية قانونية مصرية بإزالة تمثال شامبليون! وأى خطاب (قد) يكون صدر أو منسوب صدوره لمصر، لن يكون أكثر من (مناشدة) بالإزالة وليس مطالبة – لماذا؟

فرق كبير جدا بين المناشدة والمطالبة! فالمناشدة هى طلب بالمساعدة، والتذكير، والاستعطاف، ومحاولة التفهم للمنشود عمله أو اتخاذه. أما (المطالبة) فهى أَن تُطالِبَ إِنساناً بحق لك عنده، ولا تزال تَتَقاضاه وتُطالبه بذلك حتى يوفيه. والمراجعة الموضوعية، تكشف ان كل ما تم منذ 2012 بداية البزوغ الإعلامى لأزمة تمثال شامبليون وللآن، مجرد مناشدة فقط سواء مصرية أو من مصريين بإزالته أو نقله – وليست مطالبة بحق مصر فى ذلك! – لماذا؟ ولماذا ترفض فرنسا التحرك أو التعاطف مع المناشدة المصرية؟ بل لماذا تتصف المناشدة المصرية دوما بالضعف أو عدم الموضوعية؟

هناك عدة أسباب موضوعية وقانونية تضعف المناشدة مثل؛ أن تمثال شامبليون نحته فنان فرنسى (بارتولدي)، عن مواطن فرنسى (شامبليون)، بعمل فنى حديث، على أرض فرنسية، تملكه وتأويه الكوليدج دى فرانس التابعة والمملوكة للدولة، المعتزة بتاريخها التشكيلى الموثق للحظة تاريخية محسومة عندهم هى أن شامبليون مفسر الهيروغليفية، وهى كدولة تحمى التمثال بحرية الإبداع، والتاريخ الفرنسى، والعلاقات المصرية الفرنسية فى مجال الآثار المصرية من بداية الاكتشافات، وتأسيس المتحف المصرى، والمجمع العلمى، والمعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة من 1880، وأكثر من 45 بعثة أثرية تنقب فى أرض مصر للآن. وفوق كل ذلك فالثقافة الفرنسية والفرنسيون غير ملزمين بتطييب خاطر مصر، لسوء فهمها للحذاء كمفرد ثقافى عادي! فلن أغير ثقافتى وفنى وقناعتى لمجرد أنك موجوع!

فإذا أضيف لذلك أن (المناشدة) دوما تكون غير رسمية أو مُلزمة ولا تستند لحق، ولكن لاعتبارات أدبية أو معنوية، ولا يترتب على رفضها، أو تجاهلها إجراء، أو التزام بالتبرير، لتبين لنا ضعف المناشدات المصرية أمام المركز الواقعى للموقف الفرنسى. حتى لو تم نشر خطابى د. جابر عصفور والمستشارة الثقافية لمصر بباريس، فسينضمان لمناشدة د. حواس لجبر زعل المصريين واستهانة التمثال اللغز بهم!

السؤال الحقيقى (هل لمصر حق فى مطالبة فرنسا بالتصرف فى تمثال شامبليون أم لا؟) وهل هذا الحق يرفع المناشدة إلى حق (المطالبة) أم لا؟ أم أن هناك مانعا أدبيا يمنع مصر والمصريين من مطالبتهم بهذا الحق (المانع الأدبى هو علاقة بين الأشخاص تمنع من الحصول على الدليل المطلوب للإثبات أو تمنع المطالبة)؟ وإذا كان كل ما صدر ويصدر فى خصوص أزمة شامبليون حتى الآن، يخضع لوصف (المناشدة) بالتفهم والحنو على زعل المصريين وتفهم غضبهم.. فهل هناك فرصة موضوعية قانونية لكشف (الحق المصري) فى المطالبة لا المناشدة؟

بمعنى؛ هل يمكن الكشف عن حق مصرى مُثبت و(معتدى عليه)، وحق مصرى (فى المطالبة به) طبقا للأصول القانونية والدولية؟ سبق أن تشرفت بمنتصف 2021، بكتابة 8 مقالات بجريدة المال، حول تأصيل حق الدفاع الشرعى لمصر فى أزمة سد النهضة الإثيوبى، وكان لى سبق توصيف سد النهضة بالقنبلة المائية المؤقتة، تصل للوصف القانونى (للعدوان المسلح) طبقا لميثاق الأمم المتحدة، وقد تلاقى فكر وخط هذه المقالات مع وجهة نظر مصر لتمتين مركزها القانونى بالدفاع الشرعى. وها هى مجموعة مقالاتى حول أزمة تمثال شامبليون تعيد محاولة اكتشاف وإثبات الحق المصرى فى إدارة الأزمة، بتحويلها من مجرد المناشدة إلى مطالبة موضوعية، قانونية، تاريخية، فنية، معززة بالمستندات والوقائع والتحليلات الموثقة للمسؤولية الفنية التقصيرية لأوجست بارتولدى، عن صنيعته تمثال شامبليون، وتدعم مصر بحق قانونى أصيل للمطالبة العامة أو الخاصة بتصحيح الخطأ وجبر الضرر.

بالفعل أرادت العناية الإلهية انتفاض المناشدة للتفهم إلى حق المطالبة بالتصرف! وإن غدا لناظره لقريب.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]