مستوى‭ ‬المسئولية‭ ‬فى‭ ‬‮«‬حضانة‮»‬‭ ‬الديمراطية‭!‬

مستوى‭ ‬المسئولية‭ ‬فى‭ ‬‮«‬حضانة‮»‬‭ ‬الديمراطية‭!‬
حازم شريف

حازم شريف

9:35 ص, الأحد, 21 أغسطس 05

لا‭ ‬أجد‭ ‬غضاضة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أعترف،‭ ‬أن‭ ‬شعوراً‭ ‬داخلياً‭ ‬عميقاً،‭ ‬بالقلق‭ ‬وبعدم‭ ‬المسئولية‭ ‬معا‭ ‬قد‭ ‬انتابني، ‬فور‭ ‬أن‭ ‬دهمني‭ ‬الشعار‭ ‬‮«‬الإصلاحي‮»‬‭ ‬الجرئ‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسئولية‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬رفعته‭ ‬جريدة‭ ‬روز‭ ‬اليوسف‭ ‬اليومية،‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬صدورها‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭.

أما‭ ‬القلق‭ ‬فأبوابه‭ ‬متعددة،‭ ‬أولها‭ ‬أن‭ ‬الشعار‭ ‬ذكرني‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحتسب‭ ‬صاحبه،‭ ‬بأوبريت‭ ‬شهير‭ ‬حمل‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬اديها‭ ‬كمان‭ ‬حرية‮»‬ -‬ربما‭ ‬مجرد‭ ‬تشابه‭ ‬في‭ ‬الحريات-،‭ ‬شدت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬كوكبة‭ ‬من‭ ‬الفنانين،‭ ‬تتزعمهم‭ ‬السيدة‭ ‬الفاضلة‭ ‬صفاء‭ ‬أبوالسعود‭ ‬زوجة‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬كامل،‭ ‬صاحب‭ ‬مجموعة‭ ‬قنوات‭ ‬‮«‬الأيه‭ ‬آر‭ ‬تى‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تستشعر‭ ‬مما‭ ‬تبثه‭ ‬وتقدمه -‬وبالذات‭ ‬قناة‭ ‬إقرأ‭ ‬أو‭ ‬قناة‭ ‬الأفلام‭ ‬المحذوف‭ ‬ربع‭ ‬مشاهدها‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لتعليم‭ ‬المشاهدين‭ ‬الأدب‭ ‬ومكارم‭ ‬الأخلاق-،‭ ‬وكأن‭ ‬الشيخ‭ ‬الجليل،‭ ‬يسعى‭ ‬لتحجيب‭ ‬الفضاء‭ ‬وكبته‭ ‬وقمعه،‭ ‬لا‭ ‬تسخيره‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الحرية.

‬ وإحقاقاً‭ ‬للحق،‭ ‬فقد‭ ‬استجابت‭ ‬الحكومة‭ ‬لنداء‭ ‬صفاء‭ ‬وزملائها -‬لاحظ‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬لم‭ ‬يستجب‭ ‬حتى‭ ‬الآن-،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬بعدها‭ ‬بسنوات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬الحزب‭ ‬الوطني‭ ‬الحاكم‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسى،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يغضب‭ ‬البعض‭ ‬استمرار‭ ‬لعملية‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬التى‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات، ‬ولا‭ ‬نعرف‭ ‬متى‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد؟.

‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬السؤال‭ ‬الصعب‭ ،‬وهو: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الحكومية،‭ ‬قد‭ ‬وصفت‭ ‬زمن‭ ‬أوبريت‭ ‬‮«‬اديها‭ ‬كمان‭ ‬حرية‮»‬‭ ‬في‭ ‬حينه،‭ ‬بأنه‭ ‬أزهى‭ ‬عصور‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فماذا‭ ‬نطلق‭ ‬على‭ ‬العصر،‭ ‬الذى‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬الآن،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جرى‭ ‬تعديل‭ ‬المادة‭ ‬76‭ ‬من‭ ‬الدستور،‭ ‬وتم‭ ‬السماح‭ ‬باختيار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬بالانتخاب‭ ‬المباشر؟!،‭ ‬بل‭ ‬بماذا‭ ‬سوف‭ ‬نصف‭ ‬الأعوام‭ ‬القادمة،‭ ‬والتي‭ ‬سوف‭ ‬تشهد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخطوات‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬التطور‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬حسبما‭ ‬وعد‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬برنامجه‭ ‬الانتخابي؟!.

ثانى‭ ‬بواعث‭ ‬القلق،‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الشعار‭ ‬وغيره،‭ ‬مما‭ ‬نراه‭ ‬حولنا‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬يدعم‭ ‬بل‭ ‬ويثني‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬صرح‭ ‬به‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬نظيف،‭ ‬لوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬أسابيع،‭ ‬بأن‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬غير‭ ‬ناضج‭ ‬بعد‭ ‬للديمقراطية.

‬ فعلى‭ ‬حد‭ ‬علمي،‭ ‬فإن‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ديمقراطي،‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬نوعان‭ ‬من‭ ‬الحرية،‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسئولية،‭ ‬والثانية‭ ‬دون‭ ‬المستوى،‭ ‬هناك‭ ‬فقط‭ ‬حرية‭ ‬يحدد‭ ‬سقفها‭ ‬قوانين‭ ‬وضعية،‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬دساتير،‭ ‬لا‭ ‬تقدس‭ ‬سوى‭ ‬الحرية‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬وصيانة‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنة‭ ‬وحرية‭ ‬الرأى‭ ‬والتعبير.

‭ ‬وهكذا‭ ‬فإنه‭ ‬لو‭ ‬قدر‭ ‬الحظ‭ ‬العاثر‭ ‬لأحدهم،‭ ‬أن‭ ‬يجاهر‭ ‬بشعار‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬راسخ‭ ‬بالتقاليد‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬لقذفه‭ ‬المارة‭ ‬بالطماطم،‭ ‬أو‭ ‬أهملوه‭ ‬وازدروه‭ ‬ونعتوه‭ ‬بالخبل‭ ‬فى‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدعونا‭ ‬لتحية‭ ‬الدكتور‭ ‬نظيف‭ ‬على‭ ‬صراحته -‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تنكر‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك-‬،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يدفعنا‭ ‬دفعا‭ ‬إلى‭ ‬إدانة‭ ‬محاولات‭ ‬البعض،‭ ‬لاستغلال‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬النضج‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬في‭ ‬خداع‭ ‬الشعب‭ ‬الطيب‭ ‬بإفهامه،‭ ‬أنه‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التجارة‭ ‬شطارة،‭ ‬والقيادة‭ ‬فن‭ ‬وأخلاق،‭ ‬والفتونة‭ ‬شهامة‭ ‬وليست‭ ‬نبوت،‭ ‬وأن‭ ‬الشاطر‭ ‬شاطر‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬حاجة،‭ ‬وبما‭ ‬أننا‭ ‬دولة‭ ‬رائدة‭ ‬ونعيش‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬السموات‭ ‬المفتوحة،‭ ‬فإن‭ ‬الحرية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسئولية!.

‬ ثالث‭ ‬مداخل‭ ‬القلق،‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬المسئولة،‭ ‬تحمل‭ ‬توجها‭ ‬محددا،‭ ‬تتغير‭ ‬عناصره‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬الوقت‭ ‬والظروف،‭ ‬ويمكنك‭ ‬أن‭ ‬تميز‭ ‬بسهولة‭ ‬عناصرها‭ ‬في ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬وتتمثل‭ ‬في: ‬أولا‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬جدية‭ ‬خطوات‭ ‬الإصلاح‭ ‬السياسي‭ ‬التي‭ ‬نمر‭ ‬بها‭ ‬الآن.

‬وثانيا‭ ‬مهاجمة‭ ‬كافة‭ ‬القوى‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬خطرا‭ ‬حقيقيا‭ ‬ووصفها‭ ‬بالعمالة،‭ ‬وثالثا‭ ‬اصطناع‭ ‬معركة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬وهمية‭ ‬مع‭ ‬مرشحي‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكرتونية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬أسمائها -‬المرشحون‭ ‬والأحزاب- ‬المئات،‭ ‬وذلك‭ ‬رغم‭ ‬النشر‭ ‬المستمر‭ ‬لصورهم‭ ‬وأسماءهم،‭ ‬وما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬برامجهم‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة.

‬ورابعا‭ ‬نعت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسول‭ ‬له‭ ‬نفسه‭ ‬بالخروج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الخط،‭ ‬بأقذع‭ ‬الشتائم‭ ‬والأوصاف،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬محدث‮»‬‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬جائع،‭ ‬يعجزه‭ ‬نهمه‭ ‬وشراهته‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬الحرية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬‮«‬القاعدة‮»!.

‬ وإزاء‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬المرء‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تساوره‭ ‬مخاوف‭ ‬مبررة،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسئولية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬ليس‭ ‬بالهين،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الزملاء‭ ‬حولك‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬يمرحون‭ ‬ويتقافزون‭ ‬أثناء‭ ‬ممارستهم‭ ‬لحريتهم‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسئولية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابتهم‭ ‬أو‭ ‬مشاركتهم‭ ‬في‭ ‬تخطيط ‭و ‬تنفيذ‭ ‬وإخراج‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬فلا‭ ‬يضرهم‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬يزيدهم‭ ‬إشراقا‭ ‬وجمالا‭ ‬وجاها‭ ‬ووجاهة‭ ‬ومالا‭ ‬ونفوذا‭ ‬وسطوعا،‭ ‬والأدهى‭ ‬أنهم‭ ‬يدعون‭ ‬الحيادية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقومون‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬ويتهمون‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ينتقدهم‭ ‬بالانحياز‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭ ‬وقواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬الديمقراطية!.

وكله‭ ‬يهون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحرية‭.‬

أقرأ أيضا: