لا أجد غضاضة في أن أعترف، أن شعوراً داخلياً عميقاً، بالقلق وبعدم المسئولية معا قد انتابني، فور أن دهمني الشعار «الإصلاحي» الجرئ «حرية على مستوى المسئولية»، والذي رفعته جريدة روز اليوسف اليومية، مع بداية صدورها الأسبوع الماضي.
أما القلق فأبوابه متعددة، أولها أن الشعار ذكرني من دون أن يحتسب صاحبه، بأوبريت شهير حمل اسم «اديها كمان حرية» -ربما مجرد تشابه في الحريات-، شدت به في عام 1996 كوكبة من الفنانين، تتزعمهم السيدة الفاضلة صفاء أبوالسعود زوجة الشيخ صالح كامل، صاحب مجموعة قنوات «الأيه آر تى»، والتي تستشعر مما تبثه وتقدمه -وبالذات قناة إقرأ أو قناة الأفلام المحذوف ربع مشاهدها على الأقل لتعليم المشاهدين الأدب ومكارم الأخلاق-، وكأن الشيخ الجليل، يسعى لتحجيب الفضاء وكبته وقمعه، لا تسخيره في خدمة الحرية.
وإحقاقاً للحق، فقد استجابت الحكومة لنداء صفاء وزملائها -لاحظ أن الشيخ صالح لم يستجب حتى الآن-، صحيح أن ذلك قد جاء بعدها بسنوات، من خلال ما أطلق عليه الحزب الوطني الحاكم عملية الإصلاح السياسى، أو حتى لا يغضب البعض استمرار لعملية الإصلاح السياسي التى بدأت منذ سنوات، ولا نعرف متى على وجه التحديد؟.
إلا أن ذلك كله، يضعنا أمام السؤال الصعب ،وهو: إذا كانت وسائل الإعلام الحكومية، قد وصفت زمن أوبريت «اديها كمان حرية» في حينه، بأنه أزهى عصور الديمقراطية، فماذا نطلق على العصر، الذى نعيش فيه الآن، بعد أن جرى تعديل المادة 76 من الدستور، وتم السماح باختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر؟!، بل بماذا سوف نصف الأعوام القادمة، والتي سوف تشهد المزيد من الخطوات على مسار التطور الديمقراطي، حسبما وعد الرئيس في برنامجه الانتخابي؟!.
ثانى بواعث القلق، يأتي من أن الشعار وغيره، مما نراه حولنا في وسائل الإعلام، يدعم بل ويثني على ما صرح به رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف، لوسائل الإعلام الأمريكية قبل عدة أسابيع، بأن الشعب المصري غير ناضج بعد للديمقراطية.
فعلى حد علمي، فإن في مجتمع ديمقراطي، لا يوجد نوعان من الحرية، واحدة على مستوى المسئولية، والثانية دون المستوى، هناك فقط حرية يحدد سقفها قوانين وضعية، مستمدة من دساتير، لا تقدس سوى الحرية ذاتها من خلال الفصل بين السلطات وصيانة حقوق المواطنة وحرية الرأى والتعبير.
وهكذا فإنه لو قدر الحظ العاثر لأحدهم، أن يجاهر بشعار مثل هذا في مجتمع راسخ بالتقاليد الديمقراطية، لقذفه المارة بالطماطم، أو أهملوه وازدروه ونعتوه بالخبل فى أفضل الأحوال، وهو ما يدعونا لتحية الدكتور نظيف على صراحته -حتى لو تنكر لها بعد ذلك-، بقدر ما يدفعنا دفعا إلى إدانة محاولات البعض، لاستغلال حالة عدم النضج الديمقراطي، في خداع الشعب الطيب بإفهامه، أنه كما أن التجارة شطارة، والقيادة فن وأخلاق، والفتونة شهامة وليست نبوت، وأن الشاطر شاطر فى كل حاجة، وبما أننا دولة رائدة ونعيش في عصر السموات المفتوحة، فإن الحرية يجب أن تكون على مستوى المسئولية!.
ثالث مداخل القلق، يأتي من كون هذه الحرية المسئولة، تحمل توجها محددا، تتغير عناصره من حين إلى آخر، مع تغير الوقت والظروف، ويمكنك أن تميز بسهولة عناصرها في الوقت الحالي، وتتمثل في: أولا التأكيد على جدية خطوات الإصلاح السياسي التي نمر بها الآن.
وثانيا مهاجمة كافة القوى السياسية، التي تشكل خطرا حقيقيا ووصفها بالعمالة، وثالثا اصطناع معركة ديمقراطية وهمية مع مرشحي الأحزاب الكرتونية، التي لا يتعدى من يعرف أسمائها -المرشحون والأحزاب- المئات، وذلك رغم النشر المستمر لصورهم وأسماءهم، وما يطلق عليه برامجهم في الفترة الأخيرة.
ورابعا نعت كل من تسول له نفسه بالخروج عن هذا الخط، بأقذع الشتائم والأوصاف، أو في أفضل الأحوال أنه «محدث» ديمقراطية، جائع، يعجزه نهمه وشراهته عن ممارسة الحرية على مستوى «القاعدة»!.
وإزاء كل ذلك، لا يملك المرء سوى أن تساوره مخاوف مبررة، من أن يكون ليس على مستوى المسئولية، وهو أمر ليس بالهين، خاصة حين ترى الكثير من الزملاء حولك كل يوم، يمرحون ويتقافزون أثناء ممارستهم لحريتهم على مستوى المسئولية، سواء من خلال كتابتهم أو مشاركتهم في تخطيط و تنفيذ وإخراج الحملة الانتخابية، فلا يضرهم ذلك، بل يزيدهم إشراقا وجمالا وجاها ووجاهة ومالا ونفوذا وسطوعا، والأدهى أنهم يدعون الحيادية في كل ما يقومون به، بل ويتهمون كل من ينتقدهم بالانحياز وعدم احترام الرأي الآخر وقواعد اللعبة الديمقراطية!.
وكله يهون من أجل الحرية.
أقرأ أيضا: