مرشح للرئاسة في الأرجنتين يقترح تبني الدولار الأمريكي للقضاء على التضخم

إذا فاز ميلي بالرئاسة في أكتوبر ونفّذ تعهده، ستصبح الأرجنتين أكبر اقتصاد يتجه للدولرة في العالم

مرشح للرئاسة في الأرجنتين يقترح تبني الدولار الأمريكي للقضاء على التضخم
أيمن عزام

أيمن عزام

8:32 م, الأربعاء, 14 يونيو 23

يقترح عالِم اقتصاد أرجنتيني مترشح للرئاسة إنهاء العمل بالعملة بصورة نهائية. قال خافيير ميلي، وهو عضو بالكونجرس، إنَّ على الدولة تبني الدولار الأمريكي رسمياً للقضاء على التضخم الذي وصل لخانة المئات، بحسب وكالة بلومبرج.

شهد البيزو الأرجنتيني مسيرة حافلة بالتقلبات. في ثمانينيات القرن الماضي، توقف العمل ب البيزو لفترة وجيزة بعد أن أزاحته العملة الجديدة المسماة أوسترال عن العرش. أثمر ربط البيزو بالدولار في 1991 عن سنوات عدة من الاستقرار، لكن هذا الارتباط انتهى بانفصال كارثي، ثم أصبح البيزو أسوا العملات أداءً بين عملات الأسواق الناشئة فزاد هواناً.

 يحب ميلي أن يقول: “البيزو يذوب كما لو كان ثلجاً في الصحراء الكبرى”، في إشارة لانخفاض قيمة العملة بوتيرة متسارعة، إذ فقد البيزو 50% من قيمته مقابل الدولار خلال العام الماضي فقط.

إذا فاز ميلي بالرئاسة في أكتوبر ونفّذ تعهده، ستصبح الأرجنتين أكبر اقتصاد يتجه للدولرة في العالم. وفقاً لصندوق النقد الدولي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين نحو خمسة أضعاف نظيره الإكوادوري، الذي يُعد الأكبر بين سبعة دول ذات سيادة تبنّت الدولار.

خيار تبني الدولار الأمريكي

إن لم تكن دول أخرى قد أتخذت تلك الخطوة، فالسبب هو أنَّ هذا يعتبر ملاذاً أخيراً للدول المأزومة. ينطبق ذلك الوصف بالتأكيد على الأرجنتين، إذ ارتفع التضخم إلى 109% في مايو، ويبلغ سعر الفائدة القياسي في البنك المركزي 97%. يتوقع اقتصاديون شملهم مسح أجرته “بلومبرج” حدوث ركود في 2023، وهو ما سيكون الثالث خلال خمس سنوات.

لم ينجح نظام معقد لضوابط العملة وأسعار الصرف المتفاوتة في كبح انهيار البيزو. (تساوي ورقة نقدية جديدة من فئة ألفي بيزو أربعة دولارات). بدل ذلك، فإنَّ تفشي البيروقراطية تحفز الدولرة فعلياً. يطالب أصحاب العقارات الآن بمدفوعات بالدولار، وكذلك المحامون وبائعو الآلات الموسيقية وقاعات الأفراح.

قالت ديانا موندينو، وهي عالمة اقتصاد وأستاذة مالية مترشحة لعضوية الكونجرس تحت راية ميلي: “الدولرة تحدث بالفعل. الأرجنتينيون يدخرون بالدولار ويرفعون حجم معاملاتهم بالدولار”.

تبنّى ميلي علانيةً خطة للدولرة تقدَّم بها إميليو أوكامبو، وهو سليل عائلة أرجنتينية شهيرة حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو، وعمل مصرفياً في بنك “سالومون براذر”  الاستثماري في نيويورك خلال التسعينيات.

عملة مرغوبة

بيعت كل النسخ المطبوعة من كتاب نشره أوكامبو عن الدولرة في مكتبات العاصمة بوينس آيرس العام الماضي. لكن باقي الشعب لديه بعض الشكوك. أظهر استطلاعان للرأي مؤخراً شمل كل منهم نحو ألف مواطن أرجنتيني معارضة أكثر من 60% للدولرة.

قال غوستافو كوردوبا، مدير شركة “زوبان كوردوبا إي أسوثيادوس” لإجراء الاقتراعات: “الدولار عملة مرغوبة في الأرجنتين، لكنَّ أغلب الأرجنتينيين لا يعرفون معنى الدولرة ولا يدركون كيف يمكنها التأثير على الاقتصاد المحلي”.

متاعب الأرجنتينيين في التحول إلى الدولار لها جذورها في صدمات سابقة. في مطلع التسعينيات، حين كانت الدولة تكافح موجة من التضخم المفرط، اقترح اقتصاديون يقدمون المشورة للرئيس كارلوس منعم حلاً جريئاً، وهو ربط العملتين بواقع بيزو لكل دولار.

كان النظام، المعروف باسم مجلس العملة، ناجحاً للغاية في سنواته الأولى، إذ تبخَّر التضخم وتسارعت وتيرة النمو، ما ساعد على تحويل الأرجنتين إلى الوجهة المفضلة للمستثمرين في الأسواق الناشئة. استفادت حكومة الرئيس منعم من تحسن معنويات المستثمرين لزيادة إصدار السندات بغرض تمويل العجز المستمر في الموازنة.

في أواخر التسعينيات، فقدت الأرجنتين موجة الحظ التي نعمت بها، حين دفع مزيج من هبوط أسعار صادرات البلاد من الحبوب وتخارج الأموال من الأسواق الناشئة بالدولة إلى ركود عميق. حصلت الدولة على حزمة إنقاذ من صندوق النقد الدولي، لكنَّ رؤساءها واجهوا صعوبات واحد تلو الآخر في إحياء الاقتصاد مجدداً. قطع الرئيس إدواردو دوالده، الذي تولى المنصب لأقل من 15 يوماً، الرابط بين البيزو والدولار في مطلع 2002 فبدأت العملة سقوطها الحر.

الدولرة أفضل مسار

قال ستيفن هينكي، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز وهو من أشد مناصري الدولرة في العالم، إنه نصح إدارة الرئيس منعم بالتحول إلى الدولار في التسعينيات. ما يزال هينكي متمسكاً بقناعته بأنَّ ذلك المسار هو الأفضل. قال هينكي في رسالة بالبريد الإلكتروني: “حان الوقت لتجميد البنك المركزي الأرجنتيني البيزو عن العمل وعرضهما في متحف”. قال ميلي إنه في حالة فوزه بالانتخابات الرئاسية، فهو “سينسف” البنك المركزي.

أعلن عدد من الاقتصاديين في الأرجنتين أنهم ضد الدولرة، قائلين إنها ستتخلى فعلياً عن التحكم في السياسة النقدية لصالح بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. تحفيز قوة الدولار للطلب الأرجنتيني على الواردات ورفع أسعار الصادرات في الوقت نفسه من بين السلبيات التي قد تحدث، ما قد يؤدي لأزمة في ميزان المدفوعات.

قال آخرون إنَّ على قيادات الأرجنتين التركيز على كبح العجز المزمن في ميزانيتها، الذي يزعمون أنه سبب جذري وراء التضخم وضعف البيزو. قال مسؤول سابق بالبنك المركزي طلب عدم الإفصاح عن هويته ليتحدث بحرية: “الدولرة بمثابة إيداع رجل سمين في مصحة عقلية بدلاً من علاجه من السمنة”.

ردّد لوسيانو لاسبينا، الاقتصادي الأرجنتيني، الرأي نفسه باستخدام تشبيه آخر، إذ كتب في تغريدة على “تويتر” في 27 أبريل: “لسنا بحاجة لتغيير الأطواق، علينا فقط أن نكف عن التصرف كالكلاب”.

خطة أوكامبو

تابع سياسيون في الأرجنتين بتوتر ازدياد شعبية ميلي، الذي يصف نفسه بالتحرري، في استطلاعات الرأي. أشار هوراسيو رودريغيز لاريتا، عمدة بوينس آيرس، في مقابلة تلفزيونية في أبريل، إلى أنَّ خطة أوكامبو ستُعرِّض الأرجنتينيين لخفض أكبر بكثير في قيمة العملة في البداية، مقارنةً بما إذا كانت البلاد ستلغي ضوابط العملة.

يشَبَّه المصرفي الذي عمل سابقاً في وول ستريت الدولرة بالبيتزا، إذ يقول إنَّ هناك تشكيلة من الخيارات في الإضافات، لكن الدولار هو العجينة دوماً. أحد الأنواع هو النظام ثنائي العملة، حيث يصبح كل من الدولار والبيزو عملة رسمية، وهناك نوع آخر سيتطلب من الأرجنتينيين استبدال البيزو بالدولار بشكل كامل.

قال أوكامبو، الذي تخلى عن مهنة في عالم المال للكتابة عن تاريخ الأرجنتين، إنه ليس على قائمة رواتب حملة ميلي الانتخابية ولم يلق خطاباً سياسياً لتأييده.

حتى إن فاز بالانتخابات، سيضطر ميلي لتخطي عقبات ضخمة من أجل تطبيق الدولرة، بدءاً من فكرة أنَّ تحالفه لا يرُجَّح أن يحصل على ما يكفي من المقاعد في الكونجرس لتمرير القرار.

يُقرّ أوكامبو أنه رغم أفضل محاولاته ليجعل خطته سهلة الفهم، يصعب على غير المتخصصين استيعاب التفاصيل. قال: “لا يوجد تفسير مبسط على غرار (تيك توك) لهذا الأمر. مشكلة الأرجنتين معقدة للغاية، ونحن نصمم خطة هندسية مالية معقدة لحلها. أيا كان ما سيحدث، ستلجأ الأرجنتين للدولرة”.