مذكرات مواطن مهموم (178)

مذكرات مواطن مهموم (178)
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

6:20 ص, الأحد, 19 فبراير 23

الأكاديمى والخبير والإعلام (3)

بدايةً، أعتذر مقدمًا للقارئ إذ وجدت نفسى أتحدث عن نفسى بأكثر مما هو عادي، ولكننى وددت أن أنقل تجربة أعرفها هى تجربتى مع الإعلام الأجنبي. فى المقال الماضى ذكرت بداية مشوارى فى تغطية الثورة المصرية وما تلاها.

أول ثلاث تجارب كانت مثيرة بالنسبة لي، ذكرت، فى المقال الماضي، أول اثنتين، الثالثة كانت مختلفة نوعًا ما، كانت لقاء مع صحفية شابة يوم 28 يناير، اللقاء كان جيدًا ولكنه “عاديّ” فى تصوري، ما أذهلنى هو عدد من قرأه على النت الذى تجاوز المائة ألف، وكان حادثًا استثنائيًّا بالنسبة للموقع ونجاحًا يُنسب إلى أهمية مصر وعدم وجود خبراء فى الشأن المصرى فى باريس أيامها – كان أغلبهم يعمل فى المحافظات أو خارج فرنسا.

واكتسبت يومها مصداقية كبيرة لأننى شددت – إما مع الصحفية أو فى لقاء تليفزيوني، لا أتذكر بالضبط، على دلالة نزول الجيش… أن مبارك لم يعد صاحب الأمر والنهي. ووصف تحليلى بأنه “ثاقب”، بل “ثاقب جدًّا” رغم كونه من البديهيات، وفى المقابل قلت أيضًا أمورًا هى خلاصة بحث شاقّ لم ينتبه إليها أحد، أو اعتبرت من التوافه أو من نوافل القول.

وفى خلال رحلتى مع الإعلام دُعيت إلى برامج ناجحة أذكر منها الحلقات النقاشية التى نظمها ميشيل فيلد وكان مذيعًا له ثقافة واسعة وخلفية فلسفية، ولكن الأغلبية كانت تتراوح بين “متوسطة” و”محبطة”.

أتذكّر الآن واقعة طريفة، دعانى مرة ميشيل فيلد إلى برنامجه وقال لى سنتكلم عن مصر طبعاً ولكننا قد نتحدث عن سوريا، قلت له: لستُ من خبراء الشأن السوري، قال لي: أريد رأيك كمواطن عربي، كنت أعرف عددًا من الخبراء – فرنسيين وغيرهم – فى الشأن السورى واتصلت باثنين منهم أسألهما… هل تعتقد أن النظام سيصمد؟ وقال الاثنان نعتقد أنه يملك من الأدوات ومن القواعد ما يسمح له بالصمود. وذهبت إلى الحلقة ونقلت الكلام قائلًا إن الخبراء يرون… إلخ، وإذ بى أفاجأ بالكل يكذبنى فى الأيام التالية ويكتب عن حتمية سقوط النظام السوري، الكل بما فيهم مَن قال لى ما رددته فى الحلقة.

واستغربت وتساءلت: هل تعمّد الزميلان تضليلى للتقليل من مصداقيتي؟ كانت علاقتى بهما طيبة، ولكننى لم أتوصل أيامها إلى دافع آخر، ولكننى أميل، اليوم، إلى تفسير آخر،؛ وهو أنهما قال لى رأيًا علميًّا – ليس بالضرورى صوابًا أو خطأ، وأنهما كتبا عكس هذا لأنهما كتبا كنشطاء.

وأذكر واقعة أخرى تبيِّن تأثير المذيع وفريقه المعاون، مذيع استقبلنى أنا وزميل جزائرى لنعلّق على الأحداث الجارية، استغرق البرنامج ساعة، وفوجئنا، أنا والزميل، بالمذيع يسأل الزميل عن أحداث مصر، ويسألنى أنا عن أحداث الجزائر، ورغم تنبيهنا له بالخطأ – أقول مثلًا إننى لا أستطيع أن أفتى فى وجود مالك – أصر المذيع على نهجه طوال الحلقة، وخرجنا شديدى الغضب منه.

بصفة عامة، تتنوع الدعوات، قد يُطلب منك الرد على أسئلة هى تعليق على الأخبار، وقد يخصص لك دقيقة ونصف الدقيقة، وقد يخصص لك عشر دقائق أو أكثر، وطبعًا الصيغة الأولى محبطة جدًّا، ولا سيما إن كانت أسئلة المذيع غبية أو سطحية أو فى غير محلها، وهذا يحدث كثيرًا، الصيغة الثانية تمنح وقتًا يسمح للخبير بأن يدلى بدلوه متجاهلًا السؤال؛ لأن المذيع يجد صعوبة أكبر فى مقاطعة الضيف بحجة ضيق الوقت.

عندما أتحدث عن سؤال غبى لا أستهدف المذيع بالضرورة، المشكلة فى الخبر التليفزيونى أن ضيق الوقت لا يسمح بالدخول فى التفاصيل، وأن طبيعته تفرض تبنّى ثنائية معسكر خير/ معسكر شر، معسكر معصوم من الخطأ/ معسكر الضلال، وإضافة إلى ذلك، من الصعب جدًّا تغيير الوصف من يوم لآخر، إن كنت الشرير فى بداية الأزمة أو الصراع، فستبقى الشرير إلى النهاية.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية