الأكاديمى/الإعلام/الأضواء
أمضيت الأشهر الستة التى تلت ثورة يناير ضيفًا دائمًا على البرامج الإخبارية الفرنسية، ثم قررت الابتعاد تدريجيًا. أول دعوتين دفعتنى إلى الاستمرار، ثم فهمت تدريجيًا مزايا وحدود اللعبة.
الدعوة الأولى كانت من إذاعة فرنسا الثقافية، لحضور حلقة نقاشية يوم 21 يناير، واتصل بى المسئولون قبلها بأيام، وسألتهم عن المشاركين، فكروا فى أربعة أسماء، الثلاثة الآخرين زميلات أعرف اثنتين منهم، واعترضت بشدة على اسم واقترحت اسمًا آخر، وكنت أيامها فى باريس وفى الكوليج دى فرانس، وهذا الموقع يجعل منك صاحب رأى مسموع.
كنت سعيدًا ومتوجسًا، راضيًا عن نفسى لأننى ابتغيت صالح جمهور المستمعين، وعرضت دعوة أستاذة فاضلة وعالمة جليلة، واستبعدت “عبيطة نصابة”، وسخر منى بعض الزملاء قائلين: إن وجود العبيطة يضمن لى مركز نجم المجلس الذى تركز عليه الأضواء، ولم أكن مهتمًا بهذا، كنت أريد مراقبًا قاهريًا أثق فى تقييمه للأمور، لأننى كنت توقفت عن متابعة السياسة المصرية وكنت غارقًا فى دراسة الحقبة الناصرية.
كنت متوجسًا لأننى كنت مدركًا أن الأمور ليست على ما يرام فى القاهرة.
بدأت الحلقة بسؤال… هل سيسقط نظام مبارك؟ وردت إحداهن بحماس ثورى وتوقعت لمبارك بئس المصير، وقالت زميلة موجودة معى فى الاستوديو إن الأنظمة السلطوية العربية شديدة الكفاءة فى اللعب بالعصا والجزرة ولن تقع أبدًا، وجاء دورى ومسكت العصا من النصف قائلًا لا أحد يعلم، واضح أن النظام سيواجه عاصفة غير مسبوقة وشديدة البأس، ولكننى أعتقد أنه يمتلك من الأوراق والأدوات ما يسمح له بالصمود، وكنت متأثرًا بذكرياتى عن المهارة التى تلاعب بها النظام بخصومه سنة 2005.
وقاطعتنى المراقبة التى رشحتها قائلة يا توفيق إنك تقيس الأمور وكأنها لم تتغير بعد مغادرتك القاهرة (أكتوبر 2009) ولكن الوضع تغير، النظام شاخ وفسد، ويتحرك ببطء وفى الاتجاه الخاطئ، وكل فئات المجتمع شديدة الغضب عليه، ثم انتقل المذيع إلى نقاط أخرى لا تهمنى الآن، أكتفى بالقول أن أدائى كان جيدًا.
خرجت من مبنى الإذاعة مهمومًا، لأننى كنت أثق فى حكم الزميلة، وفى الساعات والأيام التالية اتصلت بها تلفونيًا، وقالت – ربما كانت مازحة- يبدو أننى أقنعتك أن ثورة ناجحة فى الطرق وأنت أقنعتنى أن النظام قادر على الصمود، ثم اتصلت بعدد من المعارف فى القاهرة وأجمعوا كلهم –البرجوازى والمثقف وبائع الجرائد والبقال واليسارى والإسلامي- على أن الثورة قادمة ساحقة.
وسألنى عبر التلفون عدد من كبار الساسة الفرنسيين –ينتمى أغلبهم إلى الحزب الاشتراكي- عن توقعاتى وقلت للجميع، الوضع غير مسبوق، هل يكفى لإسقاط النظام؟ فلننتظر يوم الجمعة 28 على العموم لو النظام استدعى الجيش للنزول فى الشارع فإن معنى هذا أنه انتهي، وأن مصيره فى يد القيادة العسكرية.
وفى صباح يوم 27 يناير (ربما صباح 26) كنت ضيف إذاعة لا أتذكر اسمها كانت تستقبل فى تمام السابعة والنصف صباحًا سياسيًا أو خبيرًا لمدة ثلث أو نصف ساعة، لا أتذكر اسم الإذاعة، ولكننى أتذكر المذيعة، لم أكن أعرف أى شيء عنها، وهذا أثار دهشة كل الفرنسيين الذين تواصلت معهم بعد ذلك، كانت فى الثامنة والستين من عمرها تقريبًا، كانت جميلة وجذابة، ذكية ومثقفة، لها شخصية قوية لامعة حاضرة، وفى بداية مشوارها كانت مقربة جدًا من رفاق الجنرال، (ديغول). عن “كاترين ناي” أتحدث.
أذهلتنى بذكاء وعمق أسئلتها، وبقدرتها على إخراج المعلومة والتحليل من فم محاورها، وعلى حصاره حصارًا لينًا ظريفًا مريحًا، ويبدو أن ردودى نالت إعجابها. بعد الحلقة دعتنى إلى إفطار وتناول قهوة فى مكتبها، وقالت لي: علمت من مصادرى فى واشنطن كيت وكيت –المعلومات كانت فى غاية الأهمية- ومن سياسى فى بروكسل إلخ، وخرجت من اللقاء مفتونًا وعالمًا بأشياء لم أكن أعلمها.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية