لا تعلنوا أفول الولايات المتحدة (6)
فى عددها الصادر يوم الخميس خصصت مجلة الإكسبريس الفرنسية مقالات مفادها أن الولايات المتحدة الرابح الأكبر من الحرب الكارثية التى شنّها الرئيس الروسى بوتين على أوكرانيا، يعيب المقالات تصور مفاده أنه لولا هذه الحرب لكان فى استطاعة أوروبا منافسة المارد الأمريكى، وهو تصور غير واقعي، حتى لو كان التنسيق والتوافق الأوروبيان مثاليين؛ وهما ليسا كذلك. لكن المقالات تلفت نظرنا إلى تعدد الجبهات والمجالات التى تتمتع فيها الولايات المتحدة بتفوق واضح، ويزداد وضوحًا مع مرور الأيام واستمرار الحرب.
قبل استعراض بعض النقاط أودّ أن أشير إلى الخدمة العظيمة التى قدّمها حاكم الكرملين للرئيس بايدن على طبق من ذهب. قبل الغزو كان الانقسام حادًّا فى صفوف الناتو بعد قرار بايدن الانفرادى الانسحاب من أفغانستان، وبعد فضيحة فشل هذا الانسحاب وسرعة سقوط الحكومة المُوالية لواشنطن، وكان أغلب الحلفاء يرفضون الرواية الأمريكية القائلة بأن هذا الانسحاب يحرر القوات الأمريكية لتضطلع بمهام أخرى. وكان هناك أصلًا من يشكك فى الحاجة إلى الحلف، ويقول إنه فى حالة «موت سريرى»، وكان الهمس فى الكونجرس وفى العواصم الغربية يتناول الرئيس الأمريكى بالقدح والسخرية مِن تقدمه فى السن ونسيانه الأسماء وضعفه الجسماني. اليوم زعامته للعالم الغربى ليست محل نقاش، ويُجمع المراقبون على أن إدارته للأزمة معقولة جدًّا، ولا سيما إن قورنت بإدارة زعماء أهم الدول الأوروبية- ألمانيا وفرنسا وإيطاليا للأزمة نفسها، ويبدو انسحابه من أفغانستان قرارًا حصيفًا رغم الفشل فى تنفيذه على الوجه الأمثل، وبصفة عامة اكتسب الناتو شرعية جديدة وهو فى طريقه إلى كسب أعضاء وشركاء جدد، وأثبت هذا الهجوم الروسى ضرورة الحلف وجسامة الخطأ التاريخى الأوروبي، الزعامات المتعاقبة ولا سيما الألمانية أهملت الجيوش وخفضت الإنفاق العسكرى رغم وضوح التهديدات ولم تغير سياساتها بالقدر الكافى بعد غزو روسيا للقرم سنة 2014.
دعْنا نتأمل المكاسب الأمريكية غير إضعاف الجيش الروسى وفضح تواضع مهاراته العملياتية، كل دول أوروبا الغربية؛ وعلى رأسها ألمانيا، وباستثناء فرنسا، تتسابق لشراء أسلحة أمريكية الصنع، فهى تحاول كسب ود واشنطن وضماناتها الأمنية من ناحية، واستغلال التفوق الهائل على الأسلحة الروسية الذى ظهر فى الحرب من ناحية أخرى، فى الناتو ازدادت قدرة أمريكا على فرض تصوراتها فيما يخص الصين، وكانت هذه القدرة كبيرة أصلًا، من ناحية أخرى أوروبا فى حاجة إلى غاز، وأمريكا ستبيع هذا الغاز وتبنى محطات لتسييله، حاليًّا هناك 8 محطات، وجارٍ بناء خمس أخرى، وتمت الموافقة على بناء 12 محطة إضافية، الحرب الحالية أخرجت روسيا من سوق الغاز الأوروبية.
المنظومة والمحصولات الزراعية الأمريكية من ضمن الرابحين من الحرب، الولايات المتحدة ستحل محل أوكرانيا وروسيا كمصدر للذرة، من ناحية أخرى ارتفاع سعر الطاقة فى أوروبا حوَّل القارة إلى بيئة غير صديقة للصناعة وأثّر على القدرات التنافسية لعدد منها، ويخشى الساسة الأوروبيون، ولا سيما الألمان، هجرة هذه الصناعات إلى دول سعرُ الطاقة فيها أرخص… منها الولايات المتحدة التى تمارس سياسات حمائية وتدعم اقتصادها الوطنى بوسائل مخالفة لقواعد التنافس، وتقول مجلة الإكسبريس إن محافظ ولاية أوكلاهوما نشر إعلانًا فى مجلة ألمانية تحدّث عن مزايا ولايته… العمالة أرخص بكثير من عمالة ولاية كاليفورنيا، أرخص بحوالى %40، وسعر الطاقة لا منافس له، وهناك 60 شركة من شركات ألمانيا الكبرى تفكر بجدية فى الاستثمار فى هذه الولاية. إلى جانب هذا فإن سياسة إدارة بايدن الاقتصادية تُعدّ «منافسة غير شريفة» لأوروبا، وفقًا للجريدة… وتشير مجلة ذى إيكونوميست إلى الظاهرة نفسها.
إلى جانب هذا تتمتع الولايات المتحدة بقدرة هائلة على جذب العقول والكفاءات وعلى الابتكار وعلى تحويل الابتكار إلى مشروع صناعى أو اقتصادى ناجح.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية