مخاطر التملل الفرنسي

مخاطر التملل الفرنسي
طارق عثمان

طارق عثمان

7:38 ص, الأحد, 27 يونيو 21

الانتخابات المحلية فى أى مكان فى العالم ليست الحدث السياسى الأكثر إثارة. ولكنها فى أغلب الأحوال دالة على ما هو آتٍ.. ولعلّ تلك النقطة مفتاح قراءة الانتخابات المحلية الفرنسية فى يونيو 2021.

حزب الرئيس إيمانيول ماكرون خسر. حزب أقصى اليمين الذى تقوده مارى لوبان خسر. أى أن المرشحين الرئيسيين للانتخابات الرئاسية فى ربيع 2022 خرجا من تلك الانتخابات بضرورة إما تغيير السياسات أو الخطاب، أو الاثنين.. هناك من كسبوا، ولكن طريقهم لقصر الإليزيه (مقر الرئاسة الفرنسية) طويل، والفترة الزمنية الباقية قبل السباق (الانتخابات الرئاسية) قصيرة.. لكن ربما الأهم فى نتائج تلك الانتخابات هو حجم عدم لا مبالاة عامة الناس بها. فقط 30 بالمائة أدلوا بأصواتهم فى بلدٍ يُعدّ عن حقٍّ واحدًا من قلاع الديمقراطية الغربية وصاحب تاريخ كبير من الصراعات والتطورات المجتمعية التى وصلت به إلى تلك الديمقراطية.

وهذا ما قد يكون دالًّا.. فرنسا غالبًا تمر بحالة من الـennui : التملل حيث الطاقة موجودة، ولكنها غير معبأة، لا تعرف إلى أين تنطلق لتُحدث تغييرًا. إنه تملل من كل شيء وأى شيء. حالة زهق وما يبدو أنه عدم اكتراث حتى بما يحدث للمجتمع ومن يقوده وكيف يقوده. تلك حالة تبدو أمام كثيرين نوعًا من التراخى قد يدعو مراقبين إلى عدم الاهتمام بفرنسا، خاصة أن جارتها ألمانيا تستعدّ لتغيير كبير جدًّا فى حياتها السياسية وهو انتخابات سبتمبر 2021 والتى ستُحدد من سيخلف أنجلا ميركل فى المستشارية هناك.. لكن ذلك التصور لحالة فرنسا خاطئ وإشاحة النظر عما يحدث فى المجتمع هناك فيه فقر فى الحكمة؛ لأن هذا التملل الفرنسى يحمل مخاطر.

الخطر الأول أن يؤدى التملل الفرنسى إلى انفجار سياسى شبيه بالبريكست البريطاني. فى هذه الحالة، الانفجار السياسى لن يكون الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن انتخاب قيادة من أقصى اليمين لرئاسة فرنسا. وهذا إن حدث سيكون نهاية الجمهورية الفرنسية الحالية وبدء مرحلة جديدة فى الحياة السياسية والاجتماعية هناك. كما أنه سيُغير تمامًا طريقة عمل الاتحاد الأوروبي، والأهم سيُغير مساره ومستقبله.

الخطر السياسى الثانى هو أن يرفض الناخب الفرنسى كل المتقدمين له. هذا لن يخلق فراغًا؛ لأن النظام الجمهورى وطريقة الانتخاب فى فرنسا يضمنان وصول مرشح إلى قصر الإليزيه. لكن لا النظام ولا الطريقة يمنعان وصول مُغامر من خارج القواعد الحزبية ومؤسسات العمل الاجتماعى الفرنسية، إلى قمة الدولة هناك- مغامر قد يرى فى نفسه بطلًا قادمًا للتعبير عن الغضب الكامن تحت التملل. والخطر هنا أن التاريخ علّمنا مراتٍ بعد مرات أن المغامرين السياسيين القادمين إلى السلطة بلا مشروعات جادة ولا تجارب طويلة ثقيلة، لكن بمجرد تعبيرات عن مشاعر فضفاضة، يأخذون بلدانهم إلى طرق وعرة تكون كلفة الرجوع منها عالية، سواء فى الزمن أو الطاقة أو مرارة التجربة.

الخطر الثالث هو التحالفات اللاطبيعية- تحالفات بين قوى شديدة البعد عن بعضها فى الأفكار والسياسات الاقتصادية وفى تصورها لمستقبل المجتمع، ولكنها تجد أن الانتخابات أدت إلى تفتت فى الحصص، وعليه تتحالف تلك القوى لتوصل مرشحًا واحدًا إلى قمة السلطة، وتصورها أن ذلك أفضل من الوجود فى الظل بعيدًا عن مراكز القرار.. الخطر هنا أيضًا أن تجارب تاريخية كثيرة علّمتنا أن تلك التحالفات ليست فقط واهية، ولكنها بلا قيمة؛ لأن المرشح يصبح بعد وصوله للسلطة معبرًا عن ذاته وليس عن اتجاهات سياسية معروفة أو حتى عن برامج انتخابية محددة.

المهم هنا أننا نتحدث عن فرنسا، وهى ما هى فى أوروبا- ليس اقتصاديًّا وقد تراجعت، وليس سياسيًّا، وقد كانت منذ عدد من السنوات وما زالت فى دوار، ولكن ثقافيًّا ووجدانيًّا.. البعض قد لا يهتم بتلك الجوانب، ويراها خلفيات أقل أهمية من النفوذ السياسى الحقيقى والقدرات الاقتصادية الملموسة. وذلك خطأ جسيم كثيرًا ما يتكرر فى التقديرات السياسية (وأغلبها كما علّمنا التاريخ خاطئة)!

مكانة فرنسا الثقافية والوجدانية أمام نفسها وفى أوروبا تمنحها أهمية خاصة؛ لأن من عمق الفكر والتجربة الفرنسية خرّجت أهم الأفكار التى شكلت مبادئ الليبرالية الغربية.. صحيح أن أسس الجمهورية الأمريكية وأفكار آبائها المؤسسين كانت التجربة السياسية الأهم فى التاريخ السياسى الحديث والتى أخذت الأبصار فى كل المجتمعات الغربية تقريبًا، ومنها خرجت العديد من المبادئ الدستورية الحديثة. وأيضًا صحيح أن الفكر البريطانى فى الاقتصاد السياسى كان ما ساد فى أهم الدوائر السياسية الغربية فى نصف القرن الماضي. لكن فرنسا شكلت الوجدان.. والمهم هنا، أن التجربة الأمريكية قد تخرج عن مسارها التقليدى برئيس أو تيار، والأفكار البريطانية قد تمر بمراحل فيها من غرابة الأطوار ما هو تعبير عن الشخصية الإنجليزية.. لكن ضياع المعنى من المكان صاحب النفوذ الأكبر على الوجدان الغربي- فرنسا- خطير، ليس فقط على المشروع الأوروبى (خاصة فى لحظة فيها مراجعات للغاية التى هو ذاهب إليها)، ولكن على فكرة الليبرالية نفسها.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن