«محمود محيي الدين» لـ«المال»: عالم ما بعد «كورونا» مختلف

قال أنه مع الغاء ضريبة الأرباح الراسمالية في البورصة..واعتبر تآجيلها سيفا مسلطا على أعناق المستثمرين

«محمود محيي الدين» لـ«المال»: عالم ما بعد «كورونا» مختلف
حازم شريف

حازم شريف

4:32 م, الأربعاء, 18 مارس 20

شدد الدكتور محمود محيي الدين ، النائب السابق لرئيس البنك الدولى، والأستاذ بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة، على أن التداعيات التى يواجهها الاقتصاد العالمى حاليًا بسبب أزمة انتشار ستفرز مجموعة من القوى الجديدة، وترد الاعتبار لعدة قطاعات، وتفرض أوضاعاً سيكون من الصعب تغييرها، عقب انقشاع الغبار وعودة عجلة النشاط إلى الدوران.

وخص محمود محيي الدين جريدة «المال» بحوار تليفونى أجراه معها من واشنطن، فصّل فيه رؤيته لطبيعة الأزمة الراهنة التى تواكبت لسوء الحظ، مع تحذيرات من جانب العديد من المؤسسات العالمية، من أن الاقتصاد العالمى على وشك الركود.

وحرص النائب السابق لرئيس البنك الدولى على أن يشمل تحليله 4 مستويات: العالمى، والإقليمى، والوطنى، والمحلى (بمعنى المجتمعات أوالمحدات المحلية داخل الدولة الواحدة)، ولم يفته أن يشير إلى بعض التوصيات الخاصة بإدارة الأزمة فى مصر.

وألمح محمود محيي الدين إلى عدة نقاط، أهمها ضرورة إشراك الحكومة للقطاع الخاص فى مواجهة الأزمة، وأشاد بسلاسة الجهاز المصرفى المصرى، وقدرته على تحديات الوضع الراهن، واعتبر أن ثمة فرصة هيئتها الظروف لكى يتم وضع حلول جذرية متكاملة للمشاكل المزمنة لسوق المال المصرية.

واتفق محمود محيي الدين مع تقرير لمؤسسة ماكنزى الأمريكية، حدد 6 أدوار يتعين على القطاع الخاص القيام بها لمواجهة الأزمة الحالية.

وإلى نص الحوار الذى جرى فجر أمس الأول الاثنين، قبل أن يبدأ البنك المركزى والحكومة المصرية اتخاذ سلسلة من الإجراءات العنيفة لمواجهة الأزمة على مدار يومى الاثنين والثلاثاء من هذا الأسبوع.
حازم شريف

أزمة ثلاثية الأوجه

فى البداية أوضح الدكتور محمود محيي الدين أن الأزمة الحالية وتداعياتها تشكل حالة مختلفة عما سبقها، بداية من كساد 1930 الذى اعتبره مقدمة منطقية للحرب العالمية الثانية، مروراً بالاثنين الأسود فى عام 1987 وأزمتى 1997 و2008.

فتداعيات الأزمة الراهنة لها 3 أوجه: صحية، واقتصادية، ومالية، ويضاعف من تأثيراتها، أنها تأتى فى توقيت، يعانى فيه الاقتصاد العالمى أصلا من تباطؤ يصاحبه تحركات غير مبالية من أسواق المال، سواء باداء الشركات المتداولة بها، أو بتوقعات معدلات النمو الاقتصادى غير المتفائلة، مما زاد من ذعر المتعاملين.

ويعمق من حدة الأزمة أيضا، أن قطاع الرعاية الصحية على المستوى العالمى، لم يكن بصفة عامة مستعدا لمواجهتها، ولابد هنا أن نشير إلى عدة تقارير دولية، صدرت قبل انتشار الفيروس، أهمها خرج العام الماضى عن مجلس متابعة الاستعدادات العالمية والمشّكل بمساندة من منظمة الصحة العالمية والبنك الدولى وحمل عنوان «العالم فى خطر»، والذى تحدث بوضوح عن أن القطاع الصحى العالمى غير جاهز للتعامل بالكفاءة المطلوبة، مع الأزمات، بالرغم مما مر بنا على مدار السنوات الأخيرة من حالات مشابهة، كإنفلونزا الطيور والخنازير وغيرهما.

وقد بدا جليا خلال الأسابيع القليلة الماضية درجة الارتباط بين اقتصاديات الدول من جهة ومدى فعالية سياسات الوقاية ونظم الرعاية الصحية فى الحد من انتشار الفيروس الجديد من جهة أخرى، ففى أواخر يناير الماضى، بلغ عدد الإصابات المسجلة نحو 3000 حالة بجانب 980 وفاة، فى حين تجاوزت أمس الأول حاجز 90 ألف حالة و 5790 متوفى، وما بين هذا التاريخ وذاك تسارعت وتيرة التداعيات السلبية فى شتى الاتجاهات.

وبالتالى نحن الآن نواجه أزمة تهديد بالركود على مستويى العرض والطلب، وشهدنا بالفعل 3 قطاعات تأثرت بعنف وهى السياحة والترفيه والنقل، والمشكلة أن بعض التقارير الدولية قبلها كانت تتوقع معدل نمو للاقتصاد العالمى 3%، وأخرى توقعت 2.5 %والآن فإن على من أصدرها أن يُخفض من قيمة هذه التقديرات بمقدار النصف على الأقل، أى لحوالى 1.5 و 1.75% على التوالى.

الخلاصة أن أى تقدير لنمو اقتصاد بعينه، قبل الأزمة، ينبغى تخفيضه، ما لم يكن يعتمد على إنتاج سلع تتمتع بالرواج حاليا، كالكمامات والمستلزمات الصحية والمطهرات وغيرها وهذه بالطبع حالة خيالية.

علينا إذن أن نعمل على تقديرات جديدة، وعلى سبيل المثال فى مصر، سيتحتم على الحكومة أن تعدل من توقعاتها للنمو خلال العام الحالى والتى تتراوح ما بين 5.5 و6% بناء على حساباتها للتداعيات المختلفة، كما ينبغى أن تفعل ذلك باقى الدول.

إشراك الدولة للقطاع الخاص ضرورة

ما أود أن أشدد عليه، اننا بصدد أزمة تمثل حالة فريدة ومختلفة، تحتاج إلى طرق علاج مختلفة تتمثل من وجهة نظرى فى عدد من المحاور، أولها حتمية إشراك الدولة للقطاع الخاص، فالتعاون بين الطرفين فى هذه المرحلة بالغ الأهمية، فالحكومة بحاجة للحصول على بيانات ومعلومات سريعة ومحدثة، كى تستطيع تحديد جدول أولوياتها فى الدعم والمساندة على أرض الواقع.

وفى هذا الإطار على الدولة أن تدعو اتحادات الغرف والصناعة والسياحة والبنوك وممثلى مختلف القطاعات الاقتصادية للتباحث، وعلى هؤلاء أن يضعوا قائمة مطالب، يشترط فيها أن تكون محدودة العدد، وأن ترتبط بالتداعيات الحالية، دون التوسع فيها أو محاولة تمرير بنود تتعلق بمشكلات سابقة أو موجودة ومستمرة من قبل الأزمة.

وينبغى أن يكون واضحا أن الهدف من تلبية المطالب، يتمثل فى الإبقاء على العجلة فى حالة حركة، ولو بسرعة أقل، لأنه سيكون من الصعب عودة نشاط أو مصنع أو وحدة إنتاجية أو خدمية للعمل مرة أخرى، إذا ما توقفت بسبب الأزمة.

هناك أيضا نقطة بالغة الأهمية، تتعلق بالاقتصاد غير الرسمى، والذى يرتبط بحركة النشاط فى الشارع، والذى ينبغى أن نُضعه فى الاعتبار من خلال نظام الضمان الاجتماعى، فى حالة إذا ما طالت الأزمة.

تدفق السيولة ومد آجال الائتمان .. أهم دورين للقطاع المصرفى

فيما يتعلق بالقطاع المالى ينقسم إلى شقين، أولهما قطاع البنوك التجارية وكل ما يرتبط به من مستوى السيولة، والتمويل المصرفى وكفاءة نظم الدفع وغيرها.ولحسن الحظ فإن هذا القطاع فى مصر، كان محل تطوير وإصلاح فى الفترة من (2004-2008)، ويتمتع حاليا بملاءة مالية وسلامة مصرفية، وهو مؤهل لأداء الدور المطلوب، وكل ما يحتجه فى مثل هذه الظروف الطارئة، أن يتم الحرص على استمرار السيولة فى تدفقها داخل الجهاز المصرفى.

من جهة أخرى، يتعين على المصارف عقد اتفاقات مع العملاء على مد آجال الائتمان، وبالذات فى قطاع التجارة الذى يعتمد على التمويل قصير الأمد، وبحاجة فورية للمساندة خلال الفترة الحالية.

الظروف الحالية تمنح البورصة فرصة لحل مشكلاتها المزمنة بعيداً عن التوليفات غير المترابطة

نأتى للشق الثانى من القطاع المالى ممثلا فى سوق المال وتحديدا البورصة، التى تتلخص مشكلتها الراهنة فى كونها تعكس ما يحدث فى الاقتصاد، وفى هذا السياق وفى حالة البورصة المصرية تحديدا، والتى كانت بالفعل تعانى قبل الأزمة، أعتقد أنه قد آن الآوان للتعامل مع المشكلات المزمنة لها فى إطار مجموعة من المبادئ العامة، بعيدا عن التوليفات غير المترابطة.

وعلى سبيل المثال، كمبدأ عام، يتفق العالم على فرض 3 أنواع من الضرائب بأشكالها الكلاسيكية، المباشرة وغير المباشرة والضرائب العقارية، وما دون ذلك قابل للنقاش، فهل تعلم مثلا أن ثمة دول حققت فيها ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأسهم حصيلة تساوى «صفر»، لانتفاء الأرباح من الأساس. الأمر إذن بحاجة لإعادة التفكير.

المبدأ الثانى يتمثل فى تلافى الضرر الاقتصادى، بمعنى أنك عندما تفرض ضريبة ما على سوق الأوراق المالية، يجب أن تضع فى اعتبارك مقارنتها، بالأوعية الادخارية، التى تستطيع أن تضع فيها مدخراتك كبديل، وإذا ما كانت تخضع بدورها للضرائب أم لا.

نعم لإلغاء الضريبة.. ولا لتأجيلها لانه سيصبح سيفاً مسلطاً على المستثمرين

أما المبدأ الثالث، ففحواه أن القرار ينبغى إن يكون منع الضريبة، لا تأجيلها، لأن الإرجاء، سيكون بمثابة سيف مسلط على أعناق المستثمرين.

ويجب إن تلاحظ أن كل ما تحدثت عنه بشأن سوق المال، لا يمثل إجراءات “فيروسية” إن جاز التعبير، بل كانت مطلوبة منذ وقت طويل.

ولاحظ أيضا أننا نتحدث عن اقتصاد عالمى يواجه حالة من الركود، والقول السائد حاليا بين أغلب الاقتصاديين-وأنا أتفق معهم-: “نأمل فيما هو أفضل، وتوقعوا ماهو أسوأ”، وحتى فى حالة اكتشاف لقاح ، ستحتاج الاقتصاديات العالمية وقتاً – بدرجات متفاوتة – للتعافى.

من التداعيات الهامة إعادة الاعتبار لقطاع الرعاية الصحية والطب الوقائى

ولكن على الجانب الآخر هناك بعض التداعيات الإيجابية للأزمة، وهى إنها قد أتاحت الفرصة، لمراجعة كل القواعد، وعلى سبيل المثال، انظر لقطاع الرعاية الصحية والطب الوقائى، الذى بات واضحا أنه ليس مؤهلا لأداء دوره بكفاءة، وبحاجة إلى تدعيم، وأنه قد آن الأوان لإعادة الاعتبار له على المستوى العالمى، وفى القلب منه الجزء المتخصص فى الفيروسات والأوبئة.

ولحسن الحظ-وقد تندهش لسماع ذلك-، أن مصر من أكثر الدول التى تمتلك قاعدة واسعة فى هذا المجال، تصلح للبناء عليها، تتمثل فى الانتشار الكثيف لوحدات الرعاية الصحية، بمعدل وحدة كل 2 كيلومتر فى المتوسط.

من بين الأمور الإيجابية أيضا، إنه قد تبين أن نسبة الشفاء أعلى بكثير من الوفاة وسط المصابين فى الفيروس الجديد، وهذا قد يبشر بسرعة الخروج من الأزمة، ولكن علينا أن نعلم أن كل أزمة لها مابعدها، وتترتب عليها أوضاع وواقع جديد، لا يمكن الرجوع عنه.

الوضع الراهن .. فرض ما يشبه الاستدعاء المبكر للرقمنة

هناك قوى وقطاعات جديدة ستبرز على المستويين المحلى والعالمى، فبجانب قطاع الرعاية الصحية والعلاج الوقائى، سيتم ما يشبه الاستدعاء المبكر للقطاع الرقمى والأنشطة المرتبطة به، بمعنى إن هناك كثيراً من الأشياء التى ستجد نفسك، بحكم الظروف مضطرا لأن تقوم بها رقميا الآن- بدلا من المستقبل-، وسيمثل ذلك قفزة من الصعب التخلى عنها.

ومن أبرز ما أفرزته الأزمة كذلك، إعادة الاعتبار لتوطين التنمية من خلال الحفاظ على الحد الأدنى لمستوى المركزية، ويعنى ذلك منح دور أكبر للمجتمع المحلى فى مجال الرعاية الصحية والنظام التعليمى وغيرها، وتحدد بعض التوصيات فى هذا الشأن، المجتمع المحلى، بكل مايقع حول المحيط السكني في حدود 7 كيلومترات.

ويمثل ذلك بكل تأكيد ما يمكن أن نطلق عليه إعادة اكتشاف للمجتمع المحلى.

باختصار نحن نتكلم عن عالم جديد وقوى جديدة تتشكل، واختبارات لمستوى أداءات مؤسسات عديدة، من زاوية قدرتها على القيام بدورها، كمؤسسات الرقابة على سبيل المثال.

ومن ضمن النماذج التى تعكس ما سبق، ما قام به مؤخرا، مواطنو برشلونة بإعلان الساعة العاشرة مساء كموعد، يخرج فيه الجميع إلى الشرفات، لتحية عربات الإسعاف والخدمة المدنية، هذا بالتأكيد يرد الاعتبار لهذا القطاع على المستوى الأدبى والمعنوى، والمادى أيضا.

ومن ضمن المؤسسات التى سيتم رد الاعتبار لها ودعمها منظمة الصحة العالمية التى باتت بياناتها الآن تلعب دورا مؤثرا فى تحريك الأسواق.

6 أدوار للقطاع الخاص أبرزها تحدى المسئولية الاجتماعية

فيما يتعلق بالقطاع الخاص، أعتقد أن الأزمة تمثل فرصة له، لإثبات جديته فى تطبيق كل ما تم الإسراف فى الحديث عنه خلال السنوات الماضية، بشأن المسئولية الاجتماعية للشركات ومسألة التنمية المستدامة.
وحتى أوضح ما أقصده، سأستعين بتقرير أصدرته مؤخرا مؤسسة «ماكينزى»، حدد 6 أدوار للقطاع الخاص لمجابهة الأزمة:

  • حماية العاملين بالشركة، بعدم الإفراط فى تشغيلهم، وتجنب معاقبتهم، ومراعاة الظروف الراهنة بصفة عامة.
  • تحديث برامج العمل بشكل دورى، لمواكبة التغيرات اليومية السريعة المتلاحقة، المتعلقة بالأسواق.
  • التعرف على الظروف المالية القائمة والتعامل معها مبكرا.
  • التواصل مع الموردين والمسوقين للإنتاج لوضع أسلوب العمل فى أطار الأزمة.
  • تعديل نظم التسويق والإعلانات.
  • حان الوقت لتفعيل دور المسئولية الاجتماعية، على أن تبدأ الشركة بالعاملين لديها، ثم المنطقة المحيطة بها والدوائر إلا بعد وهكذا.

فى الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال طفت على السطح مشكلة جديدة، بسبب تعليق الدراسة، تتمثل فى أبناء المواطنين الفقراء الذين لا يمتكلون عنواناً، إذ تبين إن التلاميذ منهم كانوا يعتمدون على الوجبات المدرسية للتغذية على مدار اليوم، وعلى الفور بدأت المجتمعات المحلية وضع منظومة للتعامل مع هذه المشكلة.. هذا مجرد نموذج لما يجب أن تكون عليه المسئولية الاجتماعية للشركات.