أوقف مقالى السابق (حاكموا بارتولدي.. تبرئة لشامبليون وإنقاذا لفرنسا)، استكمالى لسلسلة مقالاتى السابقة عن (وزارة الوعى المصري)، المهتمة بمناقشة توفير آلية حكومية لتطوير وتحديث مفاهيم أعضاء الإدارة حول قضية (الوعي) وليس التوعية. تدرجا من الوعى الذاتى للمواطن إلى الوعى الفئوي، ثم المجتمعي، وصولا لتطوير الوعى الجمعى للمجتمع، لما يحيط به من أحداث وظروف، وسياسات محلية، وإقليمية، وعالمية، وتشارك فى صنع هذا الوعى الثقافة، والإعلام، والتعليم، والدين.
تباين ردود فعل المتلقين – من مختلفى الأعمار والصفات والأعمال – لفكرة قضية محاكمة تمثال بارتولدى المُهين (شامبليون) بساحة الكوليدج دى فرانس، جعلتنى أتخذ من الفكرة مثالا عمليا لأهمية وزارة (الوعي) المصري، للتعامل مع مثل هذه القضايا الحرجة التى تمس (الهوية، والكرامة، والحضارة) المصرية. صاحبت الصورة الفجة للتمثال الانهزامي، وعرضتها دوريا على شخصيات مختلفة! مهندس، سائق تاكسي، محامين، فنان تشكيلي، 2 موظفين حكوميين، مصريين بالمهجر، ربات منازل، رجال أعمال، طلبة جامعة ومدارس، حارس عقار، أستاذ جامعي، بائعين لمنتجات مختلفة. تراوحت التعليقات وردود الأفعال من الاندهاش الشديد، للغضب البارد والمغلي، زخم من الأسئلة، لوم شديد للدولة بعدم التحرك الناجع، بداية عداء علنى للثقافة الفرنسية، مطالبات باتخاذ مواقف حاسمة ضد فرنسا إلخ. أدارت العاطفة والنزعة التاريخية أغلب التعليقات، ولكن ما صدمنى حقا تعليقان! أحدهما لفتاة 27 سنة ابتسمت للصورة وقالت (مهو فعلا حضارتنا وقعت، مجتش على ده)! والآخر لرجل أربعينى عبس وقال (انت سايب اللى إحنا فيه وماسك فجزمة؟ مهو حاططها هناك من 200 سنة زى مبتقول، صحينا دلوقتى وعاوزين نشيلها – بأمارة إيه؟ كنت رجعت نفرتيتى والمسلات المنهوبة ونت عارف محدش هيديك فرصة)!
صدمتى لتعليق الفتاة جاءت من وعى ذاتى منهزم داخليا، وحشرته داخل حذاء شامبليون مع أحقاد بارتولدى (الماسونى البارز)، فسألتها: إذا كانت رؤيتك هكذا، فماذا سيكون تعليق أولادك بعد 30 سنة؟ فابتسمت بخجل وقالت (غصب عني! الفراعنة عندى وكتير زيي، سياحة أكل عيش، وبيع آثار لحلم غنى سريع، إنما مش من بقية أهلي! اللى مات مات، وجيلنا تعب من كلمة حضارة 7000 سنة وإحنا مش لاقيين! عاوز إيه أكتر إننا بنحلم نبيع جدودنا عشان نعرف نعيش زيهم؟ حضرتك زعلان على تاريخ ومش واجعك حاضر؟) – أما تعليق الأربعينى فجاء من وعى مُحبط، مرهق، يئن من مصرية منهوبة، ويتجرع غصة فلسفة مفيش فايدة! النتيجة فى الحالتين وعى مُجرف بمعاول السلبية والأناماليزم (وأنا مالي؟).
فجّر تمثال بارتولدى بداخلى تحدى اكتشاف وعى المحيطين بي، بالرسائل التى يقدمها لمشاهديه؟ اختلاف التعليقات باختلاف وعى المعلقين، يقول إن استيعاب وعى المصريين لمفهوم القضايا العامة، محتاج إنعاشا سريعا وعلاجا ناجعا. خطورة تأثير مفهوم تمثال شامبليون لا يقل عن خطورة مفهوم سد النهضة! كلاهما يمس الوجود المصري، أحدهما فى الهوية والتاريخ والآخر فى الحاضر والمستقبل. أزمة قضايا الوعى الجمعى إنها مثل فيروس كورونا، متحور، قاتل، مُخلّق، يحتاج علاجا جذريا. تعليق الفتاة والأربعينى وغيرهما ملايين، ظلمهم الإعلام والتعليم والثقافة وإدارة الدولة لقضايا الوعى الجمعي. التوعية المستمرة بأننا حضارة 7000 سنة، تختلف تماما عن وعينا ذاتيا بأننا أحفاد هذه الحضارة، الواجب عليهم الانتصار لها ولكرامتها وهويتها أيا كان موقعها، والتفاعل المؤمن بها بأن وجودنا امتداد لميراث من العظمة والإبداع والاستنارة، التى ينحنى لهم العالم.
لذلك فمحاكمة تمثال بارتولدى (شامبليون) يجب أن تتحول لإرادة شعب فى استعادة ثقته بميراثه دعما لحاضره وتحقيقا لمستقبله. من أخطر ما نفتقده (فن الخلاف)، بتحديد موضوعه، وتعيين أطرافه، واختيار سلاح الدفاع فيه، وساحة معركته، وفريق دفاعه، ثم توقيت هجومه. عندما نظم المصريون صفوفهم عام 86 فى إبطال حكم تحكيم مشروع هضبة الأهرام ضد شركة جنوب الباسيفيك، وكذلك عام 88 ضد إسرائيل لاستعادة أرضها بتحكيم طابا، وتحولوا إلى وعى جمعى وقتها، دعم فيها المواطن الإدارة بصورة مؤثرة، فكان الوعى الذاتى من الكاتبة المستنيرة د. نعمات أحمد فؤاد بكشف خبايا مشروع الهضبة ووعى د. على الغتيت مُحكّم مصر بأبعاد الأحابيل القانونية، وحكمة ووعى د. حامد سلطان فى قيادة الفريق القانونى فى تحكيم طابا، من الأسباب الرئيسية لتحويل مشروع استثمارى وقضية أرض صحراوية، إلى إرادة شعب تعى التمسك بهويته وأرضه، ودعمه فيها الصحافة والإعلام وقتها.
قضية تمثال شامبليون، لا تتعلق بعمل فنى أجنبى يسيء فقط لحضارة مصر والمصريين، ولكنه رمز وتجسيد لاستمرار انهزامية وعى أكثر من جيل نحتاج إفاقته، بتجميع الوعى المصرى فى إرادة رفع حذاء مهين من فوق رؤوسنا جميعا. إن مطالبة الكوليدج دى فرانس بمحاكمة تمثال بارتولدى والحكم بالإتلاف الجزئى لرأس الملك ونفيه للمخازن، يجب أن تكون إرادة شعبية مصرية صادقة، لرد الاعتبار ضد أكذوبة فنية بتفوق – غير وحيد – لشامبليون فى تفسير اللغة الهيروغليفية، وسبقه فيها بـ٨ قرون العالم العربى ابن وحشية.
عدم الوعى بخطورة معنى التمثال أو أثره أو رسائله المسمومة التى يبثها يوميا فى زوار فرنسا (أعلى بلد سياحى فالعالم)، يجعل صمتنا جريمة فى حق حضارة نفتخر شفهيا بأننا أحفادها. إن تحقيق نتائج محاكمة بارتولدي، سباق يتنافس فيه المتنافسون، للوصول إلى رفع الضيم المستمر الواقع على مصر والمصريين، طالما بقى شاهد شامبليون المظلوم يطل علينا من عليائه، ونحن نرزح باستكانة تحت حذائه، ننتظر من يتفهم أو يهدئنا بمسكنات فنية وثقافية ممجوجة.
يجب أن تكون محاكمة بارتولدي.. إرادة شعب تحترمها الكوليدج دى فرانس إحقاقا لحقوق الإنسان المصري، وإنقاذا لوعى يحتضر، وآن زمن إنعاشه!
* محامى وكاتب مصرى