قضية وعى مصرى!
شهد عام 2022غلبة التفكير الإستراتيجى على موضوعات مقالاتى، المهتمة بمصر كما تحتاج أن تكون، وسط تغيرات عالمية، فى واقع صعب، لمستقبل حرج، مع شعب ملول بقوت ينازع، وإعلام باهت، وثقافة افتراضية، وأزمات اقتصادية! ومع نهاية العام رصدت رؤيتى كقانونى وكاتب، استمرار سنوات غياب مفهوم “القضية” عن الوعى المصري! ولا يمكن اختزال هذا المفهوم فى مشاكل- وليس قضايا- الاقتصاد، أو سد النهضة، أو جنون الدولار، أو تطورات البنية التحتية، أو انفجار الدين العام، أو الالتهاب الدينى، أو تذبذب الخدمات العامة، وغيرها من موضوعات ومشاكل ماسّة بإدارة المصرى وليس قيمه، ويزدحم بها جدال الشارع والفضائيات لمحاولة جعلها قضايا، رغم إمكانية حلها بتغيير إستراتيجيات، وإدارة، وقرارات. بخلاف قضايا قيم وأخلاق المجتمع التى لا تحل بهذه الأدوات، ولكن بمنهجيات وإستراتيجيات فكرية وتربوية ونفسية وعملية، تخاطب وتخترق الوعى الذاتى والفئوى والمجتمعى للمواطنين، لإنعاش قيمهم الأخلاقية والدينية والمجتمعية. فغير متصور أن يستعيد قانون أو يصدر قرار أو يمكن شراء قيم الكرامة، والأصالة، والنخوة، والاحترام، والإباء، والاعتزاز.
الوعى الجمعى الإدراكى الخارجى لما يحيط بمجتمع من ظروف ما، لا يستلزم ذات الوعى بقيم تعامل أفراد هذا المجتمع مع ذات الظروف المحيطة! لذلك وإن كانت المشاكل الماسة بإدارة المصرى لها وعيها الجمعى القابل أو الرافض لها أو المتمرد عليها، إلا أن قيم الأفراد فى التعامل معها تختلف باختلاف وعيهم لقيمهم الخاصة! وإلا ما ظهر مثلًا الطمع والاستغلال، والاتجار بالاحتياج والأعراض والتدين، والرشوة، وغيرها من ممارسات سلبية تعكس تدهور قيم أصحابها. لا أو لم يتفق الوعى الجمعى المصرى منذ قضية الاستعمار الإنجليزى، على قيمة أو قيم أخلاقية مشتركة، فى قضية تمس الوعى الذاتى للمواطن، وتتدرج بنضج لتكوين وعى جمعى للتصدى لها!
تتبعت مقالاتى 2022 تهرؤ الوعى الجمعى المصرى فى وعاء المشاكل النارية، وحاولت سطر أهمية وجود وزارة للوعى المصرى، حتى رصدت فى ديسمبر إشكالية وجود (تمثال العالم الفرنسى شامبليون) رابضًا بساحة السوربون، كنُدبة رخامية فى وجه الحضارة والكرامة المصرية، نتأها المثّال الفرنسى فريدريك بارتولدى، وصمم هيكله الإنشائى غوستاف إيفل عام 1875، مُجسدًا العالم الفرنسى شامبليون، مستندًا بحذائه الأيسر على رأس الملك المصرى (تحتمس الثالث)! لأنشر بالفعل 4 مقالات تطالب بمحاكمة بارتولدى فنيًّا وتاريخيًّا (فى إطار الخلفية التاريخية الموثقة لعلاقة الفنان بمصر والمعايير العالمية للفن التشكيلي)، لإزالة التمثال من موقعه، لجرحه الكرامة المصرية.
ورغم ظهور الأزمة على سطح إعلام غاضب منذ 2013، وقابلها رفض فرنسى مستمر لإزالة التمثال كتعبير عن الروابط المصرية الفرنسية ودليلًا على المناخ الثقافى بفرنسا، رغم ذلك، فإن وعى المصريين مع الأزمة لم يتجاوز شاشات الكمبيوتر وورق الصحف! فاعتبرها الكثيرون ضمن قائمة المشاكل المحتاجة إلى قرار سيادى، أو نحت تمثال يهين نابليون بميدان التحرير، أو أن مناقشتها رفاهية ثقافية، أو ترك التمثال لـ150 سنة أخرى، ووقتها يعالجه الأحفاد… إلخ! وجميعها وعى جمعى ضم الأزمة إلى مشاكل يومه، ليتعامل معها كل مواطن بوعيه وفهمه ورصيده الشخصى، من قيم الكرامة، والأصالة، والنخوة، والاحترام، والإباء، والاعتزاز!
فلا عجب أن تأرجحت المواقف بين الجهل التام أو التجاهل أو التنطع أو التعصب أو التمصلح أو الاستغلال، أو الصمت، أو الصمم، أو قلة الحيلة، وجميعها تقول إن الوعى الجمعى المصرى مريض، بنقص فى الكرامة والاعتزاز بحضارته ونخوته كمجتمع فى التصدى (لقضية قيمه) وليس مشاكل بطنه وعقله! ليس فى الرؤية افتئات أو تعريض بالمصريين، ولكن تشخيص لعلة أصابت قيمهم، وساعدت آليات مكونات الوعى الجمعى (تعليم، إعلام، ثقافة، دين) على وصولهم لهذه الدرجة من الاستهانة أو العادية لتتويج رأس ملك مصرى بحذاء فرنسى منذ 150 سنة، صممه الفنان بارتولدى تخليدًا لامتهانه الخديو إسماعيل فى صورة رمز حضارته، لينتقل مع انتقامه الرخامى الأبدى، إرثنا لوجع قلة الحيلة وجدليات تفسير الزمن!
رؤيتى الخاصة أن تمثال شامبليون كصنيعة بارتولدى هو أول (قضية وعى جمعى مصري) منذ 1956، تمس قيم المصريين فى الكرامة، والأصالة، والنخوة، والاحترام، والإباء، والاعتزاز، وتستحق أن يؤسس عليها منظومة كاملة لإنعاش واستعادة وعيهم الجمعى، كافتتاحية لأوبرا مصرية عالمية جديدة، جديرة بمعاصرة إعلان الجمهورية الثانية والصورة الذهنية للمصرى الجديد الجدير بها.
هذه ليست قضية حزبية، أو دينية، أو كُروية، أو مذاهب فنية… إلخ، ولكنها قضية مخاطبة وإيقاظ حس ووعى كل مصرى بحقيقة هويته، وكرامة أصله، واعتزازه بحضارته، واحترامه لحاضره، وأمله فى مستقبله. فرغم كل إنجازاتنا، مشروعاتنا، صراعاتنا، أحلامنا، إحباطنا، تخطيطنا، إستراتيجيتنا، قوتنا، حكمتنا… فهناك رأس ملك وكرامة مصرية مرهونان، تحت حذاء كذبة تاريخية وحقد شخصى، ينتظران تحريرهما من وعى مصرى جديد.
فلتكن محاكمة بارتولدى قضية عودة الوعى المصرى فى 2023!
* محامى وكاتب مصرى