مازالت قضية الوعى المصرى تنتظر حكما للفصل فيها؟
حُكما يدرك خطورة ما تتناوله وتتعرض له مكوناته وعقول أصحابه من تجريف ممنهج، تستخدم فيه أحدث المنهجيات والاستراتيجيات التى ازدهرت بعد 2011! بفهمها واختراقها التركيبة العاطفية لعقل المصرى من خلال المؤثرات الإعلامية. قمنا بالتفرقة بمقالات سابقة بين (الوعى والتوعية)، ولكن الحقيقة الموضوعية لمفهوم ودرجات ومكونات الوعى والوعى الجمعي، بقدر انتشار معلوماتها على الانترنت وبالمراجع والنظريات الحنجورية، بقدر ندرة استيعاب أثرها العملى اليومى كعامل مشترك مشارك بتفكير المصرى أيا كان موقعه.
يحضرنى فى ذلك خلط رؤية مشروع قانون (المجلس القومى للوعي) بين الوعى والتوعية، وظهوره كآلية مقترحة من مجلس النواب، لشكل قانونى بالمادة 214 بالدستور 2019 المنظمة للمجالس القومية (لم يصدر قانونها الجديد بعد). وبدون بزوغ الحاجة للوعى من الدولة ذاتها، لإيمانها بقضيته واهميته فى تجييش وعى المواطن والشارع لاستيعاب قضية وجودها وتحدياتها وتنميتها، فنحن نناقش كيانات استشارية عميقة، تختلف عن آليات الحكومة المتسمة بصفة الإلزام والنفاذ والرقابة.
لفهم الفكرة أكثر؛ (الوعى العسكري) له أصوله وقواعده وثقافته ومفاهيم يعيها ويطبقها أعضاؤه، وتشكل ترجمة سلوكهم مهنيا ومجتمعيا. فمفاهيم (النصر أو الشهادة)، (روح أكتوبر)، (العقيدة القتالية)، (الشرف العسكري) وغيرها، ليست مجرد شعارات أو لافتات! ولكنها معلومات ومفاهيم وخبرات وتعليم وتدريب، لها مرجعياتها وأهدافها وتتحول تدريجيا كثقافة للعسكري، يتم تلقينها للجميع ويتفق عليها وبخاصة فى الدرجات العليا والوسطى وصناع القرار، حتى تنخرط فى وعيهم الذاتى لإدراك الأحداث وتحديد المسؤوليات والتعامل مع التحديات بمفهوم الوطن والدفاع والنصر والأمن.
ذات الفكرة تنسجم مع العاملين فى (وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي) والأجهزة الأمنية، فيتجاوز الموضوع التوعية بمظاهر خارجية، إلى ضمانات أن الموظف (شرب أو وعى) التقاليد الدبلوماسية والصورة الذهنية المطلوبة لمصر بالخارج وصناعة السر وثقافة دوائر المعرفة إلخ. غير أن عدل التشبيه يستدعى الانتباه أن منسوبى الجيش والأنظمة الأمنية والدبلوماسية، تخرج دوائر عملهم عادة عن (الشارع)، المسرح الكبير الذى يتراقص على خشبته المواطن (بمن فيهم المنسوبون المذكورون لولا وعيهم المُلقن وثقافتهم الحامية)، وتعزف فيه المؤثرات الإعلامية على الوعى الجمعى فتقوده كأنثى العنكبوت السوداء! فلا أحد يستطيع أن يفرض علينا أن نؤمن بما لا نريد، ولكنه يستطيع وبسهولة أن يخدعنا – ولو بوسائل توعية – لنؤمن بما يريد وبما يتماشى مع مصالحه، مستندا لتزييف المعلومات التى نبنى عليها وعينا للحياة كما يقودنا لنراها، وبالتالى تصبح إرادتنا تابعة لمصدر هذه المعلومات الزائفة! وهذه قضية الوعى المصرى الحقيقية، فى كل المجالات والقطاعات والأنشطة المتعاملة فى الشارع وتسمى الرأى العام.
وبهذا القياس، يلزمنا إنعاش (الوعي) بالمفاهيم الجديدة لمرحلة مصر الحالية والمستقبلية، على مستوى موظفى كل الوزارات والهيئات والكيانات الحكومية بالأقاليم قبل العواصم، والذى ينتهى دوام عملهم عصرا ويرتقون بعدها مسرح (الشارع) كمواطنين مدنيين، يُشكل وعيهم المؤثرات الإعلامية لحظيا! ورغم تجاوز المصريين 100 مليون، إلا أن الشارع مربوط مباشرة أو غير مباشرة بمفاتيح الحياة الحكومية المرهقة نفسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا. لن يكسر ملل المصريين من إدمان مقولة سعد زغلول (مفيش فايدة)، إلا بفض الأقفال عن وعيهم ونفض التراب عن إدراكهم لحقيقة الجاري، لإنقاذ تحولهم لا شعوريا للقمة سائغة فى فك الشائعات والتجييش والتلاعب وصناعة الرأى العام بمنطق جوزيف غوبلز (1897 – 1945) «اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس».
غير أن لإدمان المقولة الزغلولية أنصارا لا يستهان بهم! فكل مستفيد من بقائنا فى دائرة (الطعام والمزاج واللهو والتوبة) يهمه حفظ استثماراته المليارية لاستمرار ربحه من تخثر الوعي، فماذا لو وعت الغنم أن مصيرها الذبح أو وعيها مسلوخا؟ عبقرية الفساد إمتاع الغنم على حساب المرعى، طالما جز صوفها مضمونا ولحمها محفوظا!
تقاعد وخروج المسؤول من ديوانه لأى سبب إلى الشارع، يجعله (يعي) الأزمة بعد فوات الأوان! فانخراطه فى الوعى الجمعى الشوارعى بابتلاع الموجة الإعلامية لوعيه، يجعله يشارك وذويه المأساة الزغلولية بصور مختلفة إعلامية وفنية وسياسية واقتصادية! ومع غياب استيعاب أهمية حاجتنا إلى وزارة أو جهاز أو كيان حكومى للوعى المصري، فستسمر الهوة تتسع بين القادة والوعى الزغلولى داخل الأروقة والعقول الحكومية ذاتها، ومنها للشارع، ومنه للوعى الجمعى المتراقص على مسرح صاخب منصوبا على أرض خصها الله بالذكر الحكيم!
فرق كبير بتوعيتنا المستمرة أننا حضارة 7000 سنة لتحيا مصر، وبين وعينا بأننا ورثة قدماء مصريين مستخلفين على ذات الأرض ومؤتمنين على حفظها ودعمها وتنميتها، وإلا أصبحت التوعية تحتاج بدورها وعيا يبدأ ويتوسع كدوامة لتصل بنا لشط الأمان.
وبالتالى هل فعلا يحتاج الوعى المصرى لوزارة مستقلة أو كيانا حكوميا يدرك القضية، أم نكتفى بترنيمات التوعية بروح زغلولية؟ ونتجاهل إنعاش الوعى بمفاهيم الإنجاز، العمل، الإيجابية، الابتكار، الجودة، الفرص، التقنيات، المعرفة، الرؤية، المستقبل، الشفافية، الريادة، الدخل والربح، لتتحول تدريجيا من ثقافة الحالب إلى وعى الشارب؟
وللحديث بقية.
* محامى وكاتب مصرى