لماذا مشكلة فرنسا ومالى مهمة لنا؟

لماذا مشكلة فرنسا ومالى مهمة لنا؟
طارق عثمان

طارق عثمان

7:07 ص, الأحد, 10 أكتوبر 21

رئيس مالى اتهم فرنسا فى الأمم المتحدة بالتخلى عن بلاده وعن منطقة الساحل (فى غرب أفريقيا). الرئيس الفرنسى ردّ بطعن فى شرعية النظام فى مالى، وبأن فرنسا لا تستطيع أن تقوم بما لا يقوم به النظام المالى.. بالنسبة لأغلب الناس فى العالم العربى، هذا أمر بعيد عن اهتماماتنا ومصالحنا.. وذلك غير صحيح.. الموضوع يهمنا، من ثلاث جهات:

واحد: أساس المشكلة، وهو التهديد الأمنى والسياسى الذى تشكله جماعات مسلحة تستخدم اسم الإسلام فى محاولة للسيطرة على منطقة الساحل. هناك تزايد فى وجود تلك الجماعات باستثناء المناطق التى سيطر عليها الجيش الفرنسى، والذى ذهب هناك نظرًا لاهتمام فرنسا الشديد بتلك المنطقة التى كانت فيها حتى عقود قريبة القوة صاحبة النفوذ الحاسم على الأرض.. وجود وقوة الجماعات المسلحة لا يقتصر على العمل العسكرى، ولكن هناك ازديادًا فى التواصل بين تلك الجماعات وقبائل ذات وزن فى المنطقة. والظاهر أن بعض القبائل على استعداد لغض النظر عن نشاط تلك الجماعات، بل وأحيانًا المساعدة اللوجستية لتسهيل وصول عتاد وسلاح لتلك الجماعات فى مقابل تقاسم نفوذ فى المناطق التى تأخذها الجماعات من الدولة. والمُقلق أن وجود تلك الجماعات أخذ فى التمدد، بما فى ذلك خارج مالى ناحية المنطقة التى يلتقى فيها الغرب الأفريقى مع الصحراء، وهناك توجد جماعات مسلحة أخرى، أيضًا تستخدم اسم الإسلام فى صراعات على نفوذ ومصالح. والحاصل من كل ذلك أن قلب المشكلة متعلق بالأمن وسيطرة الدولة على أراضيها؛ ليس فقط فى مالى، ولكن على طول الإطار الجنوبى لدول شمال أفريقيا، وهنا بالنسبة لنا مربط الفرس.

اثنان: هناك نوع جديد من صراع النفوذ الغربى بدأ يظهر فى الساحل، كما فى أجزاء من شمال أفريقيا، وهو مثير للاهتمام.. مع ضعف بعض أنظمة دول الساحل وتراجعها أمام تلك المجموعات المسلّحة، بدأت الأنظمة الاعتماد على شركات مرتزقة تحارب تلك الجماعات نيابة عنها. تلك الظاهرة ليست جديدة؛ إذ إن عددًا من الشركات ذات الأصول الجنوب أفريقية لعبت تلك اللعبة فى وسط أفريقيا لعقود. لكن فى حالة شركات جنوب أفريقيا، لم تكن هناك صلات بالدولة الأم. كانت شركات المرتزقة تلك خاصة، وأغلبها من ضباط سُرّحوا بعد انتهاء نظام الأبارتايد هناك. الجديد الذى يحدث الآن فى الساحل أن هناك شركات ذات أصول غربية تلعب دور المرتزقة نفسه، ولكن بتنظيم أكبر وكفاءة أعلى، وفى مقابل ليس فقط ماديًّا ولكن أيضًا سياسيًّا؛ أى مقابل الحصول على مزايا على الأرض وحول مصالح فى دول الساحل. والواضح أن علاقة تلك الشركات بدولها الأم أكثر قوة من حالة شركات جنوب أفريقيا. الموضوع إذن ليس مجرد شركات مرتزقة تعمل من أجل المال، بل إطار جديد من عمل دول فى تلك المنطقة من أفريقيا، وهنا مربط فرس آخر؛ إذ إن الوجود الدولى المتزايد وغير المباشرعلى الحدود الجنوبية لعدد من الدول العربية، له تأثيراته سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.

ثلاثة: ملف علاقة فرنسا خاصة بالعالم العربى معقد؛ لأن فيه الكثير من المشكلات، كما أن فيه عددًا من الفرص. وذلك الملف أحيانًا يدخل فى تعقيدات كبيرة، كما هى الحال الآن نتيجة صراع سرديات بين دوائر فى فرنسا والجزائر، وأحيانًا يستفيد من دور فعال ومطلوب تلعبه فرنسا فى مشكلات معينة متعلقة بالعالم العربى. لكن النقطة الأوسع تتعلق بكون فرنسا أكثر دول الاتحاد الأوروبى اهتمامًا بالعالم العربى وتأثيرًا فى سياسات الاتحاد حوله. على ذلك فإن مشكلات فرنسا أو الفرص التى تسعى وراءها على حدود العالم العربى مهمة لنا؛ لأن تلك المشكلات والفرص مرتبطة فى الحساب الفرنسى بعلاقات وتواجد فرنسا السياسى فى عالمنا العربى.

لذلك فإن موضوع فرنسا والساحل قد يبدو بعيدًا، ولكنه قريب، ويستدعى اهتمام المتابع العربى به.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن