لحظة غباء!

لحظة غباء!
حازم شريف

حازم شريف

10:55 ص, الأحد, 13 يوليو 03

هل يجوز للمرء أحيانا أن يتخد – عن وعي- مواقف قد لا تنسجم مع مصالحه الشخصية؟

القاعدة العامة.. لا.. إلا أن البعض قد  يعن له من حين إلي آخر أن يتحلي بالغباء، فيختار طوعا – عامدا متعمدا- أن يتخذ موقفا مبدئيا، حتي ولو اصطدم بمصالحه.. لأنه ببساطة لن يستطيع – لو اتخذ موقفا مغايرا- أن يواجه نفسه بحقيقة عدم اتساقه معها، إذا ما انجرف وراء تيار المصالح الضيقة علي حساب مبادئ، طالما اعتقد – زورا- في قدرته أن يتخذها دائما، كأساس لتطوير مواقفه العملية «البرجماتية»!

ولأن البعض قد يشهد علي امتلاكي بعض السوابق – المحدودة جدا- في ممارسة مثل هذا النوع من الغباء، فإنني لم استطع أن امنع نفسي من الدخول في سابقةجديدة، فور مطالعتي للتصريحات التي أدلي بها الأستاذ إبراهيم نافع نقيب الصحفيين للزميل عبد اللطيف المناوي، وتم نشرها في جريدة الشرق الأوسط يوم الخميس الماضي.

3 نقاط  رئيسية في تصريحات نافع تدفعك إلي منطقة المواجهة-لحظة الغباء-.

الأولي رؤيته للنقابة باعتبارها حقلا للتمثيل النسبي للمؤسسات الصحفية والقوي السياسية في آن واحد. ووفقا لهذا المفهوم فمن حق مؤسسة الأهرام- كما ذكر في حديثه- أن تحصل علي 4 مقاعد في مجلس النقابة، كما أنه من حق القوي السياسية المختلفة أن تكون ممثلة به- كما ورد في حديثه أيضا-.

الثانية إقراره بحق العديد من الجهات- بخلاف الصحفيين- في التدخل في اختيار شخص النقيب!

والثالثة وصفه للطاعنين في صحة انتخابات المجلس السابقة، بأنهم غير مؤهلين تماما للقيد بجداول النقابة، فأحدهم – والكلام لنافع وليس لنا-حاصل علي دبلوم تجارة.

ونرجو أن يتسع صدر النقيب لاختلافنا معه حول نظرية التمثيل النسبي للمؤسسات والقوي السياسية، لأن النقابة ببساطة يفترض أنها كيان لتجميع مصالح الصحفيين في مواجهة ما قد تتعرض له هذه المصالح من خطر سواء من المؤسسات العاملين بها أو من خارجها، لا كيانا يعبر فيه الصحفيون عن مصالح مؤسساتهم وأرباب عملهم في مواجهة بعضهم البعض!

من جهة أخري، فإن تمثيل القوي السياسية بالمجلس، لا يمكن تصور فرضه من أعلي، وإلا أصبح تمثيلا مشوها لا يعبر عن حقيقة تواجد وتأثير هذه القوي في الساحة الصحفية.

والمثير للدهشة حقا، أن مراجعة نتائج الانتخابات الماضية-والتي نجحت فيها قائمة نافع في دخول المجلس الحالي عن بكرة أبيها- تكشف عدم تجانس النقيب نفسه مع نظريته في التمثيل النسبي- رغم اختلافنا معها من الأساس- وإلا فليخبرنا أحد، عن ماهيةا لقوي السياسية التي يمثلها علي سبيل المثال كلا من عضوي المجلس الأستاذين إبراهيم حجازي وسعيد عبدالخالق؟-وذلك مع تقديرنا الكامل لوطنيتهما وجدارتهما المهنية-. وعلي سبيل المثال أيضا، ما هي المؤسسة التي يمثلها الأستاذ عبد العال الباقوري؟-وذلك مع كامل تقديرنا وتعاطفنا معه كصحفي زميل في موقفه أو بالأحري موقف مؤسسته الأم منه-.

وكلها مفارقات إن دلت علي شيء، فهي تبرهن بوضوح علي تناقض نظرية نافع نفسها مع الواقع الذي تخلقه بتحويل النقابة إلي ساحة لتصارع المؤسسات الصحفية مع بعضها البعض.

وهو ما يقودنا «بهدوء» إلي معارضته في تسليمه بتدخل العديد من الجهات في اختيار شخص النقيب، ليس فقط من الناحية المبدئية – كونه يفترض أن يكون حقا أصيلا لجموع الصحفيين وحدهم-وإنما من الناحية العملية أيضا، لأنه يدفع البعض لمحاولة نيل رضا هذه الجهات، وهو الأمر الذي يرسخ إلي حد التجذير وضعية تحول النقابة إلي حقل تجارب لتصارع المؤسسات الصحفية، تستخدم فيه أدوات متعددة بدءًا من التلويح بالخدمات، وانتهاء بافتعال الأزمات بالطعون القضائية.

أما وصف النقيب لبعض الطاعنين بأنهم غير مؤهلين لعدم حيازتهم لمؤهل عال، فهي مقولة- بصرف النظر عن أشخاصهم التي لا أعرفها- تصطدم بحقيقة أن الصحافة هي مهنة إبداعية لا علاقة مباشرة لها بالشهادة الجامعية، وإنما بمدي توافر الملكات والقدرات والموهبة ومستوي الخبرات والثقافة.

وبغض النظر أيضا عن أن هذه المقولة محل جدل قانوني،  يتعلق بمدي شرعية شرط توافر المؤهل العالي للقيد بجداول النقابة، فإن المنظومة النقابية الحالية، تسمح بتسرب أعداد كبيرة من أشخاص من غير الممارسين للمهنة بالفعل إلي جداول القيد، وذلك في ظل تطاحن المؤسسات بدرجات متفاوتة، لتدعيم تواجدها- وبالتالي تمثيلها النسبي في المجلس- في إطار الصراع الذي أشرنا إليه من قبل، والذي تديره علي ملعب النقابة.

علي سبيل المثال – لا الحصر بالطبع- قامت مؤسسة صحفية كبري،  بقيد بطل العالم المعروف في المصارعة محمد عبد الفتاح الشهير بـ«بوجي» في عضوية النقابة، وهو شاب نعترف أنه دمث الخلق، يستحق أن يكون مثالا وقدوة لغيره من الشباب والنشء، ولكن من حقنا أيضا أن نتساءل في براءة عن علاقته بالصحافة في ظل انشغاله الدائم بالسفريات والمعسكرات التدريبية الشاقة!

والأخطر من هذا ماذا سيكون رد فعله – وهو من عرف عنه تمتعه بالشهامة ورد الجميل- تجاه أي فعل قد يتخيل- أو يوحي إليه البعض- بأنه موجه إلي رئيسه أو مؤسسته الصحفية، في ظل عدم إدراكه بطبيعة الحال لأبسط المصالح والحقوق المهنية، وفي مقدمتها حرية الرأي والحق في التعبير.

باختصار..   إن إقرارنا بما ذكره النقيب فيما يتعلق بشرط المؤهل العالي للعضوية سيدعونا ويدعوه آسفين – حتي نكون متسقين مع أنفسنا- أن نطعن في قيد مبدعين وكتاب في حجم جمال الغيطاني ويوسف القعيد في جداول النقابة، أما تسليمنا بواقع الصراع المؤسسي الذي تخلقه باقي مقولاته داخل النقابة، فهو سيؤدي بنا بكل تأكيد، إلي السعي لاغراء كرم جابر – وهو لمن لا يعلم بطل عالم زميل لبوجي- للانضمام لكتيبة محررينا المتواضعة!