لحظة سقوط مجتمع

لحظة سقوط مجتمع
طارق عثمان

طارق عثمان

6:45 ص, الأحد, 21 فبراير 21

ڤوروتينتيسڤ تصوَّر بعض ما هو قادم. الساعات القليلة التى قضاها داخل أحد قصور عائلة رومانوڤ– قياصرة روسيا– أعطته إحساسًا بالفراغ. لم يشعر بهيبة ولم تأخذه مظاهر الثراء، بقدر ما أحس بأن من حول القيصر سائرون وهم نيام نحو مستقبل قريب سيُعلَّقون فيه على المشانق. اجتماعات هيئة الأركان تُظهر غرور جنرالات أغلبهم صار ثقيلًا فى العقل والفعل بتأثير السن والترهل والفودكا. ڤوروتينتيسڤ ليس لديه شك فى أن الألمان سيسحقون الجيوش الروسية فى الحرب المقبلة.

جولاته فى المعسكرات هى دائمًا لحظة الحقيقة. هناك، وهو ينظر إلى المراهقين الذين أُخذوا من قراهم فى طول وعرض روسيا، يتصور أجسادهم راقدة على الصقيع والدماء تسيل منها بعدما يصدر أحد جنرالات هيئة الأركان أمرًا بالتقدم أو بالانسحاب. تلك الأجساد ستكون وقود الثورة المقبلة.

الثورة التى لن تُبقى شيئًا مما كان أو مما هو الآن. أما هؤلاء الذين يُنظرون لهذه الثورة، التى يُسمونها حركة الشعب، هؤلاء الذين يتصورون أنفسهم مثقفين، من يستمع لهم فى سهرات السبت فى سان بيترسبورج، مغفلون، لا يدركون ما الذى يعنيه سقوط فكرة النظام وسيادة الفوضى.

أما صباح الأحد، فى حضرة أبوات الكنيسة، هذه اللحظات تمثل قمة الجنون الذى يراه الآن. الكنيسة تتصور أنها فى جوهر الروح الروسية. تتصور أنها باقية وإن سقط كل شيء. لكن هؤلاء الرجال الملتحين ذوى البطون الممتلئة لا يرون أن تلك المعانى- الجوهر، الروح- كلها بلا قيمة أمام الموجات العاتية المقبلة. وما يثير غثيانه معرفته، من خلال تقارير أجهزة الأمن التى تصله فى هيئة الأركان، أن الكثير من هؤلاء الوعاظ أبعد ما يكونون فى حياتهم اليومية عن الرفعة المفترضة فى المعانى التى يتحدثون عنها.

أما ما حوله فى المدن والقرى، وحتى الشوارع الداخلية فى موسكو وسان بيترسبورج، أغلبه حزن وفقر وجهل، وتحتهم غضب. تحتهم حِمم من نار تبحث عن مخارج لتصل إلى السطح، لتنفجر ولتُفجِر ما كوّن ذلك الغضب.. حتى هو- ڤوروتينتيسڤ- لا يفعل شيئًا وهو يرى تآكل النظام الاجتماعى والسياسي. على العكس، عندما لا يكون مشغولًا بكتابة التقارير والتحليلات التى يعلم أنها غير ذات تأثير على فكر هيئة الأركان، يكون مأخوذًا برغبة فى امرأة لا يجب الوصول لها.

ڤوروتينتيسڤ هو الشخصية المحورية فى العمل الرئيس للكاتب الروسى ألكساندر سولزينيتسين عن مرحلة ما قبل اندلاع الثورة الروسية بعد الحرب العالمية الأولى. كثيرون حاولوا تحليل المقصود من شخصية ڤوروتينتيسڤ: رؤية سولزينيتسين للفشل والضعف فى أهم جوانب النظام القيصرى قبل الثورة، أو تصوير المشكلات العميقة فى روسيا تلك المرحلة والتى حكمت بالفشل على تجربة الثورة من قبل أن تبدأ، أو استخدامه لتلك الشخصية كتضاد للشخصيات التى خلقت النظام الشيوعى فى روسيا، وأهمها لينين (وقد كتب سولزينيتسين عنه الكثير فى نفس المجموعة الروائية)، أو تصويره للعجز عن مواجهة المشكلات حتى وإن أُدركت.. كل ذلك غالبًا صحيح. لكن الأهم فى تصورى هو تصويره لحتمية السقوط فى أى مجتمع يصل إلى الإفلاس القيمى، يصل إلى إفلاس المعنى.

من خلال عيون وعقل ڤوروتينتيسڤ، سولزينيتسين يرينا ببطء- نحن القراء- أن أهم المراكز السياسية والاقتصادية والدينية فى روسيا بنهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت قد وصلت إلى نهاية طرق. ربما الناظر بسرعة لما يجرى على السطح يرى تقدمًا وحركة بناء واستثمارًا فى البنية التحتية، يرى تطويرًا فى نظم التعليم، يرى دخول الكهرباء والراديو أماكن فى غياهب الصقيع الروسى، يرى جيشًا ضخمًا منظمًا يبدو قادرًا على مواجهة إمبراطوريات أوروبية، ويرى هيكلًا اجتماعيًّا ثابتًا على أسس ملكية الأراضى الروسية وعلى الإيمان العميق بقناعات المسيحية الأرثوذكسية الروسية.. لكن عيون ڤوروتينتيسڤ تأخذنا إلى ما تحت السطح. وعقله يشرح لنا أن مظاهر القوة والثبات بالكاد تخفى الوهن الذى أكل الأسس. والمهم فى فكر سولزينيتسين أن الوهن ليس ضعف نظام سياسى، أو تصور قوة فى جيش لن يستطيع الوقوف أمام جحافل الغضب التى ستجتاح روسيا، وليس غباء ونفاق جزء واسع ممن يُسمون مثقفين، وليس غفلة رجال الدين.. الوهن عند سولزينيتسين كامن فى ضياع المعنى من الأفكار والمؤسسات والقيم التى شكلت المجتمع الروسى فى تلك الفترة. وفى فكر سولزينيتسين، حدوث ذلك مؤد بالضرورة إلى سقوط.

سولزينيتسين لا يعنيه كثيرًا انهيار القيصرية الروسية؛ لأن ما وصلت إليه أوجب سقوطها. لكن الخطر الذى رآه، أن سقوط النظام فى لحظة ضياع المعنى من الأفكار والمؤسسات التى شكلت الدولة، وفى لحظة ضياع للقيم التى كوّنت وجدان المجتمع، مؤد إلى فوضى. وفى الفوضى يبتعد الحكماء وينزوى أهل القيم، وتبقى على الساحة الأصوات الأعلى، الأكثر صراخًا، الأكثر تعبيرًا عن الغضب، الأكثر تعبئة للشباب. وعندما يحدث ذلك، يمر المجتمع بتجربة قاسية، حزينة- دائمًا.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن