لبنان.. تفسيرات الحاضر وتصورات المستقبل

لبنان.. تفسيرات الحاضر وتصورات المستقبل
طارق عثمان

طارق عثمان

4:41 ص, الأحد, 17 أكتوبر 21

المشكلة الأولى للبنان أمام العالم أن العالم يتوقع السيئ أن يحدث، ولذلك عندما تحدث مشاكل رد الفعل الأول لكثيرين من المتابعين هو اعتبار أن البلد بالضرورة ذاهب إلى دم وفوضى.

كان هذا جو دوائر دولية كثيرة إثر سقوط قتلى وعشرات الجرحى فى المواجهات فى بيروت فى أكتوبر 2021.. ولعله من واجب من يفهمون لبنان أن يوضحوا أن الفوضى والدم ليسا بالضرورة النهاية الحتمية للمشكلة اللبنانية الحالية. تلك واحدة من الاحتمالات، لكن هناك احتمالات أخرى، من الخروج من العقدة التى عليها البلد منذ عقود، إلى تغير شكل البلد. وفى كل ذلك الحرب والدم ليسا ضرورة.

هناك رؤية ضيقة لما يحدث فى لبنان، هذه الأيام. فى هذه الرؤية الصراع يدور حول التحقيق فى انفجار مرفأ بيروت، وهو الانفجار الأكبر فى كل تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فى هذه الرؤية التحقيق سوف يفتح ملفات كبيرة من الإهمال الجسيم والفساد واستغلال النفوذ، ليس بالضرورة متعلقة بالانفجار، لكن من خلال أن البحث وراء الإهمال فى مكان سيجر إهمالًا وفسادًا فى مكان آخر وهلم جرًّا. وعلى ذلك فالفكرة هي: لماذا سنحاسب بعض المهملين والفاسدين، ونترك آخرين. وعليه فالمطلوب تسويف التحقيق. فى المقابل هناك من يرون فى هذا الانفجار الضربة الأكبر لبيروت؛ العاصمة والمركز، كما أن هناك مئات ماتوا، وآلافًا تحطمت بيوتهم، وعليه فلا بد من التحقيق، حتى وإن أصبح صندوق باندورا بما فيه من مشاكل وشرور.

لكن هناك رؤية أوسع ترى أن النظام السياسي- الاقتصادى الذى حكم لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية فى بداية التسعينات، وخاصة منذ الانسحاب السورى فى 2005، قد وصل إلى نهايته، وأن كل الأطراف اللبنانية تعرف ذلك، والأهم تستعد له. وهنا مربط الفرس فى هذه الرؤية؛ وهو أن كل ما يجرى من اشتباكات سياسية وتطورات ومشاكل اقتصادية ومواجهات أمنية هو إعادة تموضع كبير لكل الأطراف اللبنانية استعدادًا لتغيير قادم لا محالة فى ذلك الهيكل السياسي- الاقتصادى.

هناك رؤية أوسع حتى من تلك.. هى أن الكثير من اللبنانين يعرف أن الصياغة التى قام عليها لبنان الكبير منذ قرن من الزمان هى التى وصلت إلى ضرورة التغيير. والتغيير هنا يتعدى إعادة تشكيل الهيكل السياسي- الاقتصادى، إلى إعادة تفسير معنى الدولة فى لبنان. ذلك مؤدٍّ بالضرورة إلى تساؤلات حول هوية الدولة وموقعها من وفى المحيط حولها، وعلاقتها بالصراعات الكبرى الدائرة فى ذلك المحيط. وحيث إن هناك أجوبة متضاربة- وليس فقط مختلفة تمامًا- لهذه الأسئلة لدى اللاعبين الأساسيين فى لبنان، فالغالب أن التغيير القادم سيكون فى صياغة الدولة نفسها.

هنا تظهر احتمالات مختلفة من أشكال الدولة، من الفيدرالية إلى درجات مختلفة من اللامركزية. لكن النقطة الرئيسية فى ذلك التفكير هو أنه إذا كان هناك تغير قادم فى صياغة الدولة نفسها، فلا شك أن التفاصيل- بما فيها التحقيق فى انفجار المرفأ- لا بد أن توضع فى إطار إعادة التموضع والاستعداد لما هو قادم.. ذلك أن إعادة صياغة الدولة عادة لا يكون نتيجة أحاديث هادئة على أكواب شاى، بل نتيجة ما تفرضه مقاييس القوة.

لكن التغيير، حتى فى صياغة الدولة، لا يعنى الحرب والفوضى، ولا يستدعى بالضرورة دماء. هناك حالات كثيرة فى التاريخ- بما فيها فى تاريخ لبنان نفسه- التى حدث فيها تغيير جذرى فى صياغات، وأحيانًا مكونات مجتمعات دون الوصول إلى صراعات دموية.

كما أن فكرة تغيير صياغة دولةٍ ما ليست بالضرورة خطرًا. ذلك أنه إذا ثبت أن هناك فكرة معينة، برّاقة وجميلة، ولكنها غير قابلة للوجود تحت تجارب مختلفة على مرّ عقود متعاقبة وتحت أفكار سياسية عديدة، وإذا كانت النتيجة المتكررة إحباطًا وراء إحباط، فإن فكرة إعادة الصياغة لا تكون بالضرورة شرًّا مطلقًا. على العكس، ربما، كما كانت الحال فى مناطق مختلفة من العالم، فى التغيرات الكبرى ارتياحات وانطلاقات كبرى.

متابعة لبنان فى غاية الأهمية؛ لأن لبنان واحد من أهم مسارح المواجهات الإستراتيجية فى كل المنطقة؛ من الخليج إلى شمال غرب أفريقيا. وفهم لبنان يستدعى فهم الصورة الأكبر؛ ليس فقط إلى أين هو ذاهب غدًا، بل تصور صيغته السياسية والاجتماعية بعد غد.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن