كيف يرانا شامبليون فى 2023؟

كيف يرانا شامبليون فى 2023؟
محمد بكري

محمد بكري

7:09 ص, الثلاثاء, 23 مايو 23

طالعتنا جريدة «المصرى اليوم» – ولاحظ مصادفة الاسم – بمقالين هذا الشهر، أحدهما زاهى العرض والحل، والآخر وسيم الرأى والنبض! أما الأول فحسم نهاية أزمة تمثال شامبليون، بعرضه رحلته ورحلة السفارة المصرية بفرنسا مع الكوليدج دى فرانس، الرافضة لإزالة التمثال، لسوء فهم المصريين لمعناه، وعشق نحّاته بارتولدى لمصر، وفضل شامبليون مؤسس علم المصريات بلا منازع، والذى لولاه لاستمررنا رموزًا وطلاسم! وعليه اقترح السفير المصرى على الجامعة – بعد جهود مُضنية – وضع وصف كتابيّ على التمثال نفسه يفسر المعنى الصحيح له ويعكس التقدير والاحترام للحضارة المصرية (مشيرًا إلى أن ذلك قد يسهم فى تهدئة غضب واستياء الشارع المصرى من التمثال. وقد رحب المسئولون بذلك، حيث قامت المؤسسة الفرنسية بصياغة النص الذى سيتم وضعه على التمثال)، ليُختم هذا الحل الزاهى بسؤال «هل هذا الحل يرضى المصريين؟». مراجعة القارئ لنص مقال «شامبليون: البداية والنهاية» يوم 2023/5/9، سيجعله يُلم بحيثيات الزهو بعرض الحل، مع حصافة حفظ خط رجعته فى سؤال الختام!

أما المقال الثانى لوسيم الرأى بنبض 2023/5/20، فخاطب فى عروق الحل الزاهى دماء الكرامة لا مياه الدبلوماسية! وجدير بالقارئ مراجعته أيضًا للنص لرؤية موازية، والموازنة بين حلول المساومات غير المأمون نتائجها مع اليونسكو، وبين تدبر وإدارة أزمة حقيقية بالوعى الجمعى المصرى. المقالان أيقونة للتعرف على رؤى رجال البلاط والشعب، ويلزم اعتبارهما فى ظل معطيات كثيرة تاريخية وفنية وسياسية ووثائقية، لفهم قضية تمثال شامبليون وهو يدعس بحذائه رأس الملك رمسيس الثانى منذ 1875 إلى الآن بالكوليدج دى فرانس.

مع تقديرى الكامل لقيمة وقامة وعلم وخبرة وصفة والثقل الدولى لمقترِح وعارض الحل الزاهى لمسح إهانتنا بورقة، فهذا المقال يجاوب السؤال كمصرى مدعوّ للمشاركة بدعوة عامة للجمهور، بلا حرج أو تحسس أو إساءة استخدام حق الرد!

طبقًا لسلسلة مقالاتى حول أزمة تمثال شامبليون منذ 22/12/4، وإثباتى المسئولية الفنية التقصيرية على النحات أوجست بارتولدى، لتعمُّده مسخ رأس أبو الهول بنسخة تمثاله الأصلية «شامبليون» المستوحى من أسطورة أوديب (وهى النسخة المعروضة لأول مرة 1867 بمعرض المصريات بفرساى فى باريس، كما هو موثق بجريدة Le Journal illustre الفرنسية عدد أغسطس – سبتمبر 1867، والمقدم نسختها الأصلية الأخيرة بمعجزة المصرى الأصيل هشام جاد بباريس)، فقد أثبتت مقالاتى توفر وتعمد الفعل المادى لخطأ بارتولدى، بتحويله رأس أبو الهول بالنسخة الأصلية للتمثال، لرأس الملك رمسيس الثانى بالنسخة الثانية للتمثال 1875 الموجودة حاليًّا بالجامعة، بعد خلافه الشهير الموثّق مع الخديو إسماعيل. هذه التفصيلة الفنية التاريخية، والموثقة رسميًّا والمكتشَفة فقط فى أبريل 2023، تسجل بحسمٍ فشل الحل الزاهى البلاطى، لمهادنته كل مبررات الكوليدج دى فرانس بزعمها (أن النحات الفرنسى Auguste Bartholdi الذى قام بتصميمه يُعدّ من أشدّ المعجبين بمصر وبشعبها وبحضارتها العريقة وفقًا لمذكراته الشخصية، استنادًا إلى ما ذكره النحات بارتولدى نفسه فى الوثائق الخاصة به والتى تنفى أى ادعاءات حول وجود نية سيئة لدى النحّات الفرنسى لإهانة الحضارة المصرية).

وبالتالى كمصرى مطالَب بإجابة سؤال الحل الزاهى، فإن هذا الوصف الكتابى – أيًّا كان الوسيط الذى سيوثّق تدليسه – ما هو إلا أبرع حيلة قانونية دبلوماسية، لتقنين وتوثيق جريمة أخلاقية تاريخية فنية تمّت فى حق مصر بالمخالفة للحقائق التاريخية، ومبادئ الثورة الفرنسية نفسها، وميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأصول الفن التشكيلي! بل إن هذا الحل السحرى الزاهى سيُشرعن جريمة انتهاك الكرامة المصرية منذ 1875 وإلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها، وسيمنع مصر وأجيالها وأحفادها لاحقًا، من رفع سبّابة الاعتراض أو الاتهام، مكتفين بسبّابة الحسبنة على هذا الحل العبقرى، المتجاهل للتاريخ والأدلة الفنية والوثائقية، لمجرد التراخى فى بقْر بطن الحقيقة، لاستيلاد حق مصر المحسوم وغير القابل للمساومة أو المناهضة، فى طلب نزع سن الإهانة من عين كرامتها، مهما طال الزمن!

القضية تجاوزت الوجع العاطفى والتأثر الشعبى والانفعال الساخن بالإهانة، لحتمية الإيقاف والسحب الفورى للحل المقترَح من السفير المصرى (وأدعو الله أن يكون اقتراحه بصفة شخصية لا رسمية)، وإلا فسيُمحى من الوجود القانونى حق مصر مستقبلًا فى المطالبة بإزالة التمثال، لإثباتها مخالفته الفنية والقانونية طبقًا للقانون الفرنسى والدولي! إن علم وموافقة الضحية أو المضرور بالخطأ، وقبوله تفسيره، واشتراكه فى استمرار وجوده بنفس آثاره، تمنع حقه لاحقًا فى المطالبة بالتعويض أو التصحيح أو الاعتذار عنه! فهل أدركنا الآن مصيبة هذا الحل العبقرى، التوافقى، التفاوضى، الدبلوماسى لتوثيق موافقة مصر على استمرار دعس بارتولدى وشامبليون والكوليدج دى فرانس، على رأس ملوكها بالأدب والتفسير اللطيف والتكرم بالترحيب بمقترح التهدئة العبقري؟

بل إن هذا الحل الألمعى سيعطى الكثيرين – شرقًا وغربًا وشمالًا – فرصًا ذهبية لشرعنة وتقنين وتوثيق عدوانهم وأخطائهم التاريخية أو المعاصرة، تحت مسميات الاعتذار والتفسيرات الصحيحة وحسن النية والتقدير للمضرورين! ولن يتكلف الأمر سوى ورقة مصقولة فى صندوق زجاجى، أو منحوتة رخامية فاخرة بماء الذهب، لتأطير العدوان ببَرْوزة التسبيب، وبقطع لسان المضرور القابل للتفسير، وبغلق ملف الإزعاج بوعود الدعم والتعيين!

اتقوا الله فى مصر ورمسيس الثانى وأجيال مخترَقة حاليًّا ومستقبلًا! أرجوك سعادة سفير مصر بفرنسا أن تعلن رسميًّا وفورًا أن اقتراحك شخصى، وأنه لا يمثل طلب مصر لحل أزمة تمثال شامبليون، ولا يعتبر الاقتراح رضا أو تسليمًا مصريًّا بالمركز القانونى والفنى والتاريخى للتمثال.

أهيب كمصرى وقانونى وأبٍ لبنات سيعانى أحفادهن من هذه الوصمة، بفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيًّا، بإصدار توجيهاته الرئاسية كخليفة رمسيس الثانى على مصر، لفتح تحقيق عاجل على أعلى مستوى بوزارتى الخارجية والآثار، لإيقاف وسحب وإسقاط هذا المقترح (حسَن النية)، الذى لا يعبر عن مصر أو المصريين أو عنى شخصيًّا، ويَصِمنا جميعًا بنكبةٍ أبد الدهر! فإذا كان لنا حقّ موثق كمضرورين لإزالة التمثال.. فالحل السفيرى يسقط وجع إهانتنا برضانا بالتفسير الفرنسي! فدعونا لمحاولات حل جادة – متوفرة بالفعل – قد تُولِج الجمل فى سم الخياط، إذا دُعمت الآن أو استطعنا مستقبلًا!

أكاد أرى أوجست بارتولدى فى علياء خبثه مبتسمًا راضيًا بشرعنة استمرار وجود جريمته الخالدة! ليس فقط انتقامًا من الخديو إسماعيل، ونكايةً فيمن أخرج جدوده، وتخليده رمز زعامة فرنسا بالكذب على الآثار المصرية! ولكن أيضًا لاستيلاده حلًّا بمشروعية وتوثيق خلوده من رحِم المصريين أنفسهم! فهل من مشهد ومعنى أكثر من ذلك يدعو لإنقاذ مصر من الحل الزاهى المقترح؟

«لا تصالح! ولو منحوك الذهب… أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما… هل ترى؟ هى أشياء لا تُشترى!»

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]